الباحث القرآني

(p-٦٢٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّكاثُرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَمانٍ. (p-٦٢٤٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٨ ] ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] أيْ: شَغَلَكُمُ التَّباهِي بِالكَثْرَةِ في المالِ والوَلَدِ ونَحْوِهِما، فَيَقُولُ هَذا: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا﴾ [الكهف: ٣٤] والآخَرُ: أنا أكْثَرُ مِنكَ ولَدًا، وهَكَذا مِمّا يَصْرِفُ عَنِ الجِدِّ في العَمَلِ، ويُطْفِئُ نُورَ الِاسْتِعْدادِ وصَفاءَ الفِطْرَةِ والعَقْلِ والكَمالاتِ المَعْنَوِيَّةَ الباقِيَةَ، ذَهَبَ بِكُمُ التَّفاخُرُ والتَّباهِي بِهَذِهِ الأُمُورِ الفانِيَةِ، مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وشَرَفِ الآباءِ والأجْدادِ كُلَّ مَذْهَبٍ ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] أيْ: حَتّى هَلَكْتُمْ ومِتُّمْ وصِرْتُمْ مِن أصْحابِ القُبُورِ، فَأفْنَيْتُمْ عُمْرَكم في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ وما تَنَبَّهْتُمْ طُولَ حَياتِكم إلى ما هو سَبَبُ سَعادَتِكم ونَجاتِكم. وزِيارَةُ القُبُورِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْتِ. رَوى الزَّمَخْشَرِيُّ شَواهِدَ لَها: قالَ الشِّهابُ: وفِيها إشارَةٌ إلى تَحَقُّقِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الزّائِرَ لا بُدَّ مِنِ انْصِرافِهِ عَمّا زارَهُ، ولِذا قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لَمّا سَمِعَها: بُعِثُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ! وقالَ ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لا بُدَّ لِمَن زارَ، أنْ يَرْجِعَ إلى جَنَّةٍ أوْ نارٍ. وسَمّى بَعْضُ البُلَغاءِ المَقْبَرَةَ دِهْلِيزَ (p-٦٢٤٧)الآخِرَةِ. "كَلّا" رَدْعٌ عَنْ الِاشْتِغالِ بِالتَّكاثُرِ، وتَوَهُّمٌ أنَّ الفَوْزَ بِالتَّفاخُرِ. فَإنَّ الفَوْزَ بِالتَّناصُرِ عَلى الحَقِّ والتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] أيْ: مَغَبَّةَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ مِن وخامَةِ عاقِبَةِ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ الشَّهَواتِ السَّرِيعَةِ الزَّوالِ، العَظِيمَةِ الوَبالِ، لِبَقاءِ تَبِعاتِها. ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، و"ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ. أوِ الأوَّلُ عِنْدَ المَوْتِ، والثّانِي عِنْدَ النُّشُورِ. ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] أيْ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ الجَزاءِ عِلْمَ الأمْرِ اليَقِينِ، لَكانَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ مِنَ النَّدَمِ والتَّحَسُّرِ عَلى فَواتِ العُمُرِ العَزِيزِ في التَّكاثُرِ والذُّهُولِ عَنِ الحَقِّ بِهِ. واليَقِينُ بِمَعْنى المُتَيَقِّنِ، صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أوْ صِفَةٌ لِلْعِلْمِ، عَلى أنَّهُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، وحَذْفُ جَوابِ "لَوْ" يَطْلُبُهُ العَقْلُ مِنَ الشَّرْطِ وما سَبَقَهُ، لِيَسْتَحْكِمَ فِيهِ فَضْلَ اسْتِحْكامٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ، أكَّدَ بِهِ الوَعِيدَ، وشَدَّدَ بِهِ التَّهْدِيدَ، وأوْضَحَ بِهِ ما أُنْذَرُوهُ تَفْخِيمًا. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] أيِ: الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، فالعَيْنُ هُنا بِمَعْنى النَّفْسِ، كَما فِي: (جاءَ زَيْدٌ عَيْنُهُ)، أيْ: نَفْسُهُ. وإنَّما كانَتْ نَفْسَ اليَقِينِ، لِأنَّ الِانْكِشافَ بِالرُّؤْيَةِ والمُشاهَدَةِ، فَوْقَ سائِرِ الِانْكِشافاتِ؛ فَهو أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ عَيْنَ اليَقِينِ. والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ. قالَ الإمامُ: وكُنِّيَ بِرُؤْيَةِ الجَحِيمِ عَنْ ذَوْقِ العَذابِ فِيها، وهي كِنايَةٌ شائِعَةٌ في الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أيْ: عَنِ النَّعِيمِ الَّذِي ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ بِهِ والتَّفاخُرُ في الدُّنْيا ماذا عَمِلْتُمْ فِيهِ، ومِن أيْنَ وصَلْتُمْ إلَيْهِ، وفِيمَ أصَبْتُمُوهُ، وماذا عَمِلْتُمْ بِهِ؟ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ وصِحَّةِ البَدَنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّعِيمُ صِحَّةُ الأبْدانِ والأسْماعِ والأبْصارِ. قالَ: يَسْألُ اللَّهُ العِبادَ فِيمَ اسْتَعْمَلُوا وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنهم. وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَمْ يُخَصِّصْ في خَبَرِهِ تَعالى نَوْعًا مِنَ النَّعِيمِ دُونَ نَوْعٍ، بَلْ عَمَّ؛ فَهو سائِلُهم عَنْ جَمِيعِ النَّعِيمِ، ولِذا قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سائِلٌ كُلَّ عَبْدٍ عَمّا اسْتَوْدَعَهُ مِن نِعَمِهِ وحَقِّهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب