الباحث القرآني
قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ﴾ الآية.
قال ابْنُ عبَّاسٍ: يريد الَّذينَ يتجبَّرون على عبادي، ويحاربون أوليائي حتَّى لا يؤمنوا سأصرفهم عن قبول آياتي والتَّصْدِيق بها، عُوقبوا بحرمان الهدايةِ لعنادهم الحَقّ كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زاغوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5] . واحْتَجّ أهلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أنَّهُ تعالى قد يمنع الإيمان.
وقالت المعتزلة: لا يمكنُ حمل الآية على ذلك لوجوه:
الأوّلُ: قال الجُبَّائِيُّ: لا يجوزُ أن يكون المراد منه أنَّه تعالى يصرفهم عن الإيمان؛ لأن قوله: «سَأصْرِفُ» يتناول المستقبلَ، وقد بيَّن تعالى أنَّهُمْ كفروا وكذَّبُوا من قبل هذا الصرف، لأنَّهُ وصفهم بكونهم: ﴿يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ وبأنَّهُم: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ فدلَّت الآية على أنَّ الكُفْر قد حصل لهم في الزَّمانِ الماضي؛ فدلَّ على أن المراد من هذا الصرف ليس الكفر بالله.
الثاني: أن قوله ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي﴾ مذكورٌ على وجه العقوبة على التَّكَبُّر والكُفْر، فلو كان المراد من هذا الصَّرْفِ هو كفرهم، لكان معناه أنَّهُ تعالىخلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر، والعقوبة على فعل الكفر بمثل ذلك الفِعْل المعاقب عليه لا يجوز؛ فثبت أنَّ المرادَ من هذا الصَّرفِ ليس هو الكفر.
الثالث: أنَّه تعالى لو صَرَفَهُمْ عن اليمان وصدهم عنه، فكيف يمكن أن يقُول مع ذلك: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: 20] ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ [الإسراء: 94] فثبت أنَّ حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن؛ فوجب حملها على وجوه أخرى:
الأول: قال الكلبي وأبو مسلم الأصفهاني: إنَّ هذا الكلام تمام لما وعد اللَّهُ موسى به من إهلاك أعدائه ومعنى صرَفَهُمْ، أهلكَهُمْ فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها، ولا يمنع المؤمنين من الإيمان بها، وهو تشبيه بقوله: ﴿بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ [المائدة: 67] فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوةِ والرِّسالة.
التَّأويلُ الثَّاني: قال الجُبَّائِيُّ: سأصرفُ المتكبرين عن نَيْل ما في آياتي من العزَّة والكرَامَة المُعَدَّيْن للأنبياء، والمُؤمنين. وإنَّمَا صرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم، وذلك يَجْرِي مجرى العقوبة على كُفْرِهِم، وتكبرهم على اللَّهِ.
التَّأويل الثالثُ: أنَّ من الآيات ما لا يُمْكِنُ الانتفاع بها إلاَّ بعد سبق الإيمان، فإذا كَفَرُوا فقد صَيَّرُوا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات، فحينئذٍ يصرفهم اللَّهُ عنها.
التأويل الرابع: أنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إذا علم من حال بعضهم أنَّهُ إذا شاهد تلك الآيات فإنَّه لا يستدلّ بها بل يستخف بها، ولا يقومُ بحقِّها، فإذا علم اللَّهُ ذلك منه، صَحَّ أن يَصْرِفَهُ عنها.
التأويل الخامس: نقل عن الحسن أنَّه قال: إنَّ من الكفار من بالغ في كُفره، وانتهى إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه، فالمراد من قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي﴾ هؤلاء.
فصل
المُرضادُ من الصَّرْفِ المَنْع، والمُرَادُ بالآيات: الآياتُ التسع الَّتي أعطاها اللَّهُ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - والأكثرون على أنَّ الآية عامَّة. ومعنى «يَتَكَبَّرُونَ» : أي: يَرَوْنَ أنَّهُم أفضل الخَلْقِ، وأن لهم من الحقِّ ما ليس لغيرهم، وصفةُ التَّكبر لا تكون إلا للَّهِ تعالى.
وقال بعضهم: التَكَبر: إظهار كبر النَّفْسِ على غيرها، والتَّكبر صِفَةُ ذمٍّ في جميع العبادِ وصفةُ مدحٍ في حقِّ الله تعالى؛ لأنَّهُ يستحقُّ إظهار الكبر على ما سواه؛ لأنَّ ذلك في حقه حَقٌّ، وفي حق غيره باطل.
قال عليه الصَّلاةُ والسَّلام يقولُ اللَّهُ تعالى: الطِبْريَاءُ رِدائِي والعظمةُ إزَارِي، فمنْ نَازَعنِي فيهما حَرَّمْتُ عليه الجنَّة» .
قوله: «بِغَيْرِ الحَقِّ» فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ، أي: يَتَكَبَّرُونَ ملتبسين بغير الحقِّ.
والثاني: أنه متعلِّق بالفعلِ قبله، أي: يتكبرون بما ليس بحق، والتَّكَبُّرُ بالحقِّ لا يكونُ إلاَّ لِلَّهِ تعالى خاصَّة.
قال بعضهم: وقد يكون إظْهَارُ الكبرِ على الغَيْرِ بالحقِّ، فإنَّ للمحقّ أن يتكبَّرَ على المُبْطِلِ وفي الكلامِ المشهور: التَّكبر على المتكبر صدقةٌ.
قوله:» وإن يَرَوْا الظَّاهرُ أنَّها بصريَّةٌ، ويجوزُ أن تكون قلبية، والثَّاني محذوفٌ لِفَهْمِ المعنى: كقول عنترة: [الكامل]
2574 - وَلَقَدْ نَزلْتِ فلا تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
أي: فلا تظني غيره واقعاً مني، وكذا الآية الكريمة، أي: وإن يَرَوْا هؤلاء المتكبرين كل آية جائية، أو حادثة. وقرأ مالك بن دينارٍ «وإن يُرَوْا» مبنياً للمفعول من أري المنقول بهمزة التعدية.
قوله: «سَبِيلَ الرُّشْدِ» قرأ حمزة والكسائي هنا وأبُو عمرو في الكهف في قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف: 66] خاصة دون الأولين فيها بفتحتين، والباقون بضمة وسكون واختلف النَّاسُ فيهما هل هما بمعنى واحد.
فقال الجمهور نعم لغتان في المصدر كالبُخْلِ والبَخَل، والسُّقْم والسَّقَم، والحُزْن والحَزَن.
وقال أبُو عمرو بن العلاءِ: «الرُّشْدُ - بضمة وسكون - الصَّلاحُ في النَّظر، وبفتحتين الدِّين» ولذلك أجمع على قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: 6] بالضمِّ والسُّكثون، وعلى قوله ﴿فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾ [الجن: 14] بفتحتين.
ورُوي عن ابن عامر «الرُّشُد» بضمتين وكأنَّهُ من باب الإتباع، كاليُسُر والعُسُر وقرأ السلمي الرَّشَاد بألف فيكون: الرُّشْد والرَّشَد والرَّشَاد كالسُّقْم والسَّقَم والسَّقَام.
وقرأ ابنُ أبي عَبْلَة لا يتَّخِذُوَها، ويتَّخِذُوها بتأنيث الضَّمير، لأنَّ السبيل يَجُوزُ تأنيثُها.
قال تعالى: ﴿قُلْ هذه سبيلي﴾ [يوسف: 108] . والمُرادُ بسَبيل الرُّشْدِ سبيل الهدى والدين، وسَبيلَ الغَيِّ ضد ذلك. ثُمَّ بيَّن العلة لذلك الصَّرف، وهو كونهم مُكّذِّبينَ بآياتِ اللَّهِ، وكونهم عنها غافلين أي معرضين، أي: أنَّهم واظبوا على الإعراضِ حتى صَارُوا بِمَنْزلةِ الغافلينَ عَنْهَا.
قوله: «ذَلِكَ» فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مبتدأ، خبره الجارُّ بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم.
والثني: أنَّه في محلِّ نصبٍ، ثم اختلفَ في ذلك.
فقال الزَّمخشريُّ: «صَرَفَهُمُ اللَّهُ ذلك الصَّرْفَ بعينه» . فجعله مصدراً.
وقال ابْنُ عطيَّة: فعلنا ذلك فجعله مفعولاً به وعلى الوجهين فالباءُ في بأنَّهُمْ متعلقةٌ بذلك المحذوف.
قوله: ﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ . في هذه الجملة احتمالان:
أحدهما: أنَّهَا نَسَقٌ على خبر أنَّ، أي: ذلك بأنَّهُمْ كذّبوا، وبأنَّهُمْ كانوا غافلين عن آياتنا.
والثاني: أنَّها مستأنفةٌ، أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بأنهم من شأنهم الغفلة عن الآيات وتدبرها.
{"ayah":"سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَایَـٰتِیَ ٱلَّذِینَ یَتَكَبَّرُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن یَرَوۡا۟ كُلَّ ءَایَةࣲ لَّا یُؤۡمِنُوا۟ بِهَا وَإِن یَرَوۡا۟ سَبِیلَ ٱلرُّشۡدِ لَا یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰا وَإِن یَرَوۡا۟ سَبِیلَ ٱلۡغَیِّ یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰاۚ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنۡهَا غَـٰفِلِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











