الباحث القرآني
لمَّا بيَّن تعالى كمالَ علمهِ في الآية الأولى - بيَّنَ كمالَ قُدْرتِهِ بهذه الآية، وهو كونه قَادراً على نَقْلِ الذَّرواتِ من المَوْتِ إلى الحياة، ومن النَّومِ إلى اليَقَظَةِ، واسْتِقْلاله بحفظها في جميع الأحوال، وتدبيرها على أحْسَنِ الوجوه في حَالِ النوم واليقظة.
قوله: «باللَّيْلِ» متعلّق بما قبله على أنه ظَرْفٌ له، و «الباءُ» تأتي بمعنى «في» ، وقَدْ تقدَّم منه جملة صالحة.
وقال أبو البقاء هنا: وجاز ذلك؛ لأن «الباءس» للإلْصَاقِ والمُلاصِقُ للزمان والمكان حَصِلٌ فيها، يعني في هذه العلاقةِ المجوزة للتَّجَوُّرِ، وعلى هذا فلا حَاجَةَ إلى أن يَنُوب حَرْفٌ مكان آخر، بل نقول: هي هنا للإلْصَاقِ مَجَازاً، نحو ما قالوه في «مررتُ بزيد» ، وأسند التَّوَفِّي هنا إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، لأنه لا ينفر منه هنا، إذ المُرَادُ به الدَعَةُ والرَّاحَةُ، وأسند إلى غيره في قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: 61] ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت﴾ [السجدة: 11] لأنه ينفر منه، إذا المُرَادُ به المَوْتُ.
وهاهنا يَحْثٌ، وهو أن النائم لا شكَّ أنَّهُ حيُّ، ومتى كان حَيَّاً لم تكن رُوحُهُ مَقْبُوَضَةً ألْبَتَّةًن فلا بُدَّ ها هنا من تأويلٍ، وهو أنه حالَ النوم تَغُورُ الأرواح الحسَّاسَةُ من الظاهر في الباطن، فصارت الحواسُّ الظاهِرَةُ مُعَطَّلَةً عن أعمالها، فعند النوم صار ظَاهِرُ الجَسَدِ مُعَطَّلاً عن كُلِّ الأعمال، فحصل بين النَّوءم وبين الموت مُشَابَهَةٌ من هذه الحَيْثِيَّةِ، فلذلك صَحَّ إطلاق لفظ المَوْتِ والوفَاةِ على النوم.
قوله: «مَا جَرَحْتُمْ» الظاهر أنها مَصْدَرِيَّةٌ، وإن كان كونها موصولة اسميةً أكثر ويجوز أن تكون نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بما بعدها، والعَائِدُ على كلا التقديرين الآخرين مَحْذُوفٌ، وكذا عند الأخْفَشِ وابن السّراجِ على القول الأول.
و «بالنَّهَارِ» كقوله: «باللَّيْلِ» والضميرُ في «فيه» عائد على «النهار» وهذا هو الظاهر.
قال أبو حيَّان: «عاد عليه لَفْظاً، والمعنى: في يوم آخر، كما تقول: عندي دِرْهَمٌ ونَصْفهُ» .
قال شهابُ الدين: ولا حَاجَة في الظَّاهِرِ على عَوْدِهِ عىل نظير المذكور، إذ عَوْدُهُ على المذكور لا مَحْذُورَ فيه.
وأمَّا ما ذكره من نحو «درهم ونِصْفهُ» فلضروة انْتِفَاءِ العِيِّ من الكلامِ، قالوا: لأنك إذا قلت: «عندي درهمٌ» أنَّ عندك نصفه ضرورة.
فقولك بعد ذلك: «ونصفه» تضطَرُّ إلى عَوْدِهِ إلى نظير ماعندك، بخلاف ما نَحْنُ فيه.
وقيل: يعود على اللَّيل.
وقيل: يعود على التَّوَفِّي، وهو النوم أي: يوقظكم في خلالِ النوم.
وقال الزمخشري: «ثم يَبْعَثكُمْ من القبور في شَأنِ الذي قطعتم به أعْمَارَكُمْ من النوم باللَّيْلِ، وكَسْب الآثام بالنهار» انتهى. وهو حَسَنٌ.
وخَصَّ اللَّيْلَ بالتَّوَفِّي، والنَّهَارَ بالكَسْبِ إن كان قد يُنَامُ في هذا ويُكْسَبُ في الآخر اعتباراً بالحَالِ الأغلب.
وقدَّم التَّوَفِّي بالليل؛ لأنه أبْلغُ في المِنَّةِ عليهم، ولا سيَّملا عند مَنْ يَخُصُّ الجَرْحَ بكسْبِ الشَّرِّ دُون الخَيْرِ، ومعنى «جرحتم» أي: كَسَبْتُمْ من العملِ بالنهار.
قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح﴾ [المائدة: 4] أي: الكَواسِب من الطير والسِّبَاع، واحدتها «جارحة» .
قال تعالى: ﴿الذين اجترحوا السيئات﴾ [الجاثية: 21] أي: اكْتَسَبُوا.
وبالجملة فالمُرَادُ منه أعمال الجَوَارِح.
قوله: «ليُقْضَى أجَلٌ» الجمهور على لِيُقْضَى «مبنيّاً للمعفولِ، و» أجَلٌ» رفع به، وفي الفاعل المَحْذُوفِ احتمالان:
أحدهما: أنه ضمير البَارِئ تعالى.
والثاني: أنه ضير المخاطبين أي: لتقضوا آجالكم.
وقرأ أبو رجاءٍ، وطلحة: «ليَقْضِي» مَبْنياً للفاعل، وهو الله تعالى، و «أجَلاً» مفعول به، و «مُسَمى» صفة، فهو مرفوع على الأوَّل، ومنصوب على الثاني وتيرتَّبُ على ذلك خلافٌ للقُرَّاءِ في إمالَةِ ألفِهِ، و «اللام» في» ليقضي «متعلّقة بما قبلها من مجموع الفِعْلَيْن، أي: يتوفاكم ثُمَّ يبعثكم لأجْلِ ذلك.
والمرادُ: الأجَلُ المسمَّى، أي: عمركم المكتوب.
والمعنى: يبعثكم من نومكم إلى أن تَبْلُغُوا آجَالَكُمْ.
واعلم أنه - تعالى - لمَّا ذكر أنَّهُ يُنيمُهمْ أولاً، ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جَارياً مُجْرَى الإحْيَاءِ بعد الإمَاتَةِ، فلذلك اسْتَدلَّ به على صِحَّةِ البَعْثِ والقِيَامَةِ، فقال: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: 7] في ليلكم ونهاركم في جميع أحوالكم.
{"ayah":"وَهُوَ ٱلَّذِی یَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّیۡلِ وَیَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ یَبۡعَثُكُمۡ فِیهِ لِیُقۡضَىٰۤ أَجَلࣱ مُّسَمࣰّىۖ ثُمَّ إِلَیۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ یُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











