الباحث القرآني
لما بيَّن ثواب المطيعينَ وعقاب العاصين، وبيَّن أن لكلِّ قوْم درجة مَخْصُوصَة في الثَّواب والعقابِ، بيَّن أنه غَيْر مُحْتاج إلى ثوابِ المطيعين، أو ينْتَقِص بِمَعْصية المذنِبِين؛ لأنه - تعالى - غنِيُّ لذاته عن جَمِيع العَالمين، ومع كوْنه غَنِياً، فإنَّ رحمته عامَّة كَامِلَة.
قال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: ذُو الرَّحْمَة بأوْلِيَائه وأهل طاعته.
قوله: «وربُّك الغِنِيُّ» يجوز أن يكون الغَنِيُّ والرَّحْمَة خَبَريْن أو وصفين، و «إن يشأ» وما بَعْدَهُ خبرا لأوَّل، أو يكون «الغَنِيّ» وصْفاً و «ذُو الرَّحْمَة» خبراً، والجُمْلَة الشَّرطيَّة خبر ثاني أو مُسْتَأنَف.
* فصل في دحض شهبة للمعتزلة
قالت المعتزلة: هذه الآية الكريمة دالَّة على كَوْنه عادِلاً منزَّهاً عن فِعْلِ القَبِيح، وعلى كَوْنه رَحِيماً مُحْسِناً بعِبَادِه؛ لأنه - تبارك وتعالى - عَالم بقبح القَبَائِح، وعالم بكوْنه غَنِيًّا مَذْكُورٍ في الآيَةِ لغَاية ظُهُوره.
وثانيها: أنه - تعالى - عالمٌ بالمعْلُومات؛ لقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 132] .
وثالثها: أنه - تعالى - غَنِيُّ عن الحاجات؛ لقوله: «وربُّكَ الغَنِيُّ» وإذا ثَبَتَتْ هذه المقدِّمَات، ثبت أنه عَلِمٌ بُقُبْح القَبَائح وعَالِمٌ بكون غَنِيًّا عنها، وإذا ثبت هذا، امْتَنَع كوْنه فَاعِلاً لها؛ لأن المُقْدِم على فِعْل القَبيح إمَّا أن يكُون إقْدَامُه لجَهْلِهِ بكونه قِبيحاً، وإما لاحْتِيَاجِهِ، فإذا كان عَالِماً بالكُلِّ، امْتَنَعَ كَوْنه جَاهِلاً بقُبْح القَبَائِح، وذلك يَدُلُّ على أنه - تعالى - منزَه عن فِعْل القَبيح، فحينئذٍ يقْطَع بانه لا يَظْلِم أحَداً فلما كَلًَّف عِبِيدَه الأفْعَال الشَّاقَّة، وجب أن يُثِيبَهُم عليها، ولما رتَّب العِقَاب على فِعْل المَعَاصي، وجب أن يَكُون عَادِلاً فيها، فحينئذٍ انتفى الظُّلْمُ عن اللَّه - تعالى، فما الفائدة في التكليف؟ .
قال ابن الخطيب: والجوابُ أن التكْلِيفَ إحْسَانٌ ورَحْمَة على ما قُرِّر في كُتُب الكلام. قوله: «إنْ يَشَأ يُذْهِبْكُم» فقيل: المراد يُهْلِككُمْ يا أهْل مكَّة، وقيل: يُمِيتتُكثم، وقيل: يحتَمَلُ ألاَّ يُبْلِغَهُم مَبْلَغ التَّكْلِيف، ويَسْتَخْلِف من بعد إذْهَابِكُم؛ لأن الاسْتِخْلاف لا يَكُون إلى على طَرِيق الَبدَلِ.
قوله: «مَا يَشَاءُ» يجُوز أن تكُون «مَا» واقِعَة على ما هُو من جِنْسِ الآدَميِّين، وإنَّما أتى ب «مَا» وهي لِغَيْر العَاقِل للإبْهَام الحَاصِل، ويجُوزُ أن تكُون وَاقِعَة على غَيْر العَاقِل وأنَّه يأتي بجِنْسٍ آخر، ويجُوز أن تكُون وَاقِعَة على النَّوْع من العُقَلاء كَمَا تقدَّم.
قوله: «كَمَا أنْشَأكُمْ» في هو جهان:
أحدهما: أنه مَصْدَر على غِيْرِ المَصْدَر؛ لقوله: «ويَسْتَخْلِفْ» لأن مَعْنَى «يَسْتَخْلِفْ» : يُنْشىِءُ.
والثاني: أنها نَعْتُ مَصْدَر مَحْذُوف، تقديره: استِخْلافاً مثل ما أنْشَأكُم.
وقوله: «مِنْ ذُرِّيَّةِ» متعلق ب «أنْشَأكُم» وفي «مَنْ» هذه وْجُه: أحدها: انها لابتداء الغايةِ، أي: ابْتَدأ إنْشَاءَكُم من ذُرِّيَّة قَوْم.
الثانيك أنَّها تَبْعِيضيَّة، قاله ابن عطيَّة.
الثالث: بمعنى البدل، قال الطبري وتبعه مكي بن أبي طالب: هي كقولك: «أخَذْتُ من ثَوْبِي دِرْهَماً» أي: بَدَله وعوضه، وكون «مِنْ» بمعنى البدل قَلِيلٌ أو مُمْتَنِعٌ، وما ورد منع مُؤوَّل؛ كقوله - تعالى -: ﴿لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً﴾ [الزخرف: 60] أي: بَدَلَكُم.
وقوله: [الزجر]
2316 - جَارِيَةٌ لَمْ تَأكُلِ المُرَقَّقَا ... ولَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقَا
أي: بدل البُقُول، والمعنى: من أوْلاد قوم مُتقدِّمين أصْلهم آدَمُ.
وقال الزَّمَخْشَرِي: من أولاد قَوءم آخرينِ لم يكُونُوا على مِثْلِ صِفَتِكُم، وهم أهْلُ سَفِينةَ نُوح. وقرأ ابيُّ بنُ كَعْب: «ذَرِّيَّة» بفتح الذَّالِ، وأبان بني عُثْمَان: «ذَرِيَّة» بتخفيف الرَّاء مَكْسُور، ويروى عَنْه أيْضاً: «ذَرْيَة» . بزنة ضَرْبَة، وقد تقدَّم تحقيقه، وقرأ زَيْد بن ثَابِت: «ذَِرِّيَّة» بكسر الذال، قال الكسائي هُمَا لُغَتَان.
قوله: «إنَّ تُوعدون لآتٍ» «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي وليست الكَافَّة، و «تُوعَدُون» صلتها، والعَائِد مَحْذُوف، أي: إنَّ ما تُوعدُونَهُ و «لآتٍ» خبر مؤكَّد باللاَّمٍ.
قال الحسن: «ما تُوعَدُون» من مَجِيء السَّاعة؛ لأنهم كَانُوا يُنْكِرُون الحَشْر.
وقيل: يحتمل الوَعْد والوَعِيدن ولما ذكر الوَعْد، جزم بكَوْنه آتِياً، ولما ذكر الوَعِيد، ما ذاد على قوله: «وما أنْتُم بِمُعْجِزينَ» وذلك يَدُلُّ على أن جَانبَ الرَّحْمَة والإحْسَان غالب.
{"ayahs_start":133,"ayahs":["وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِیُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن یَشَأۡ یُذۡهِبۡكُمۡ وَیَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا یَشَاۤءُ كَمَاۤ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّیَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِینَ","إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتࣲۖ وَمَاۤ أَنتُم بِمُعۡجِزِینَ"],"ayah":"وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِیُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن یَشَأۡ یُذۡهِبۡكُمۡ وَیَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا یَشَاۤءُ كَمَاۤ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّیَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











