فقوله جلَّ ذكره: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ أي: إلا بسبب الحقِّ، فيتعلق ب «لا تَقْتلُوا» ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «لا تَقْتلُوا» أو من مفعوله، أي: لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحقِّ أو إلاَّ ملتبسة بالحقِّ، ويجوز أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلاَّ قتلاً ملتبساً بالحقِّ.
فصل
والحقُّ المبيح للقتل هو قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: «لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاثٍ: رجُلٌ كفر باللهِ بعد إيمانه، أو زنى بعد أحصانهِ، أو قَتلَ نفساً بِغيْرِ نَفْسٍ» .
فإن قيل: إنَّ أكبر الكبائر بعد الكفر بالله سبحانه وتعالى هو القتل، فما السبب في أنه تعالى بدأ بالنَّهي عن الزنا، ثم نهى بعده عن القتل.
فالجواب: أنَّا بيَّنا أنَّ فتح باب الزِّنا يمنعُ دخول الإنسان في الوجود، والقتل يدلُّ على إعدامه، ودخوله ف يالوجود مقدَّم على إعدامه بعد وجوده؛ فلهذا ذكر الزِّنا أولاً، ثم ذكر بعده القتل.
واعلم أنَّ الأصل في القتل هو التحريم، والحلُّ إنما ثبت بسببٍ عارضٍ؛ فذلك نهى عن القتل بناء على حكم الأصل، ثم استثنى منه الحالة التي يباح فيها القتل، وهو عند حصول الأسباب العرضيَّة، فقال: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ ويدل على أنَّ الأصل في القتل التحريم وجوهٌ:
أحدها: أن القتل ضررٌ، والأصل في المضارِّ الحرمة، قال - صلوات الله وسلم عليه -: «لا ضَررَ، ولا ضِرارَ» .
وثانيها: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الآدَمِيُّ بُنيَانُ الربِّ، مَلعُونٌ من هَدمَ بُنْيانَ الربِّ» .
وثالثها: أن الآدميَّ خلق للعبادة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] والعبادة لا تتمُّ إلاَّ بعدم القتل.
ورابعها: أنَّ القتل إفساد، فحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ﴾ [الأعراف: 56] .
وخامسها: إذا تعارض دليل تحريم القتل، ودليل إباحته، فالإجماع على أنَّ جانب الحرمة راجح، ولولا أنَّ مقتضى الأصل هو التحريمُ، وإلاَّ لكان ذلك ترجيحاً لا لمرجحٍ، وهو محالٌ.
وإذا علم أنَّ الأصل في القتل هو التحريم، فقوله: «ولا تَقْتلُوا» نهيٌ وتحريمٌ. وقوله: «حَرَّمَ الله» إعادة لذكر التحريم على سبيل التاكيد، ثم استثنى عنه الأسباب العرضيَّة، فقال: إلاَّ بالحقِّ، وها هنا طريقان:
الطريق الأول: أن قوله «إلاَّ بالحقِّ» مجمل ليس فيه بيان أن ذلك الحقَّ ما هو، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ أي: في حقِّ استيفاء القصاص؛ فوجب أن يكون المراد من الحقِّ هذه الصورة فقط، فتكون الآية نصًّا صريحاً في تحريم القتل، إلا بهذا السبب الواحد.
الطريق الثاني: أن نقول: دلَّت السنة على أنَّ ذلك الحقَّ هو أحد الأمور الثلاثة المتقدَّمة في الخبر.
واعلم أن الخبر من باب الآحادِ، فإن قلنا: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ بيان لذلك الحقِّ، كانت الآية صريحة في أنه لا يحلُّ القتل إلاَّ بهذا السبب الواحد، وحينئذٍ: يصير الخبر مخصِّصاً للآية، ويصير فرعاً لقولنا بصحَّة تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وإن قلنا بأن قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ ليس بياناً لذلك الحقِّ، فحينئذ يصير الخبر مفسِّراً للحقِّ المذكور في الآية، وعلى هذا لا يصير فرعاً على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو تنبيهٌ حسنٌ.
* فصل في ظاهر الآية
ظاهر الآية يقتضي أنَّه لا سبيل لحلِّ القتل إلاَّ قتلُ المظلوم، وظاهر الخبر يقتضي ضمَّ شيئين آخرين إليه، وهو الكفر بعد الإيمان، والزِّنا بعد الإحصان، ودلَّت آية أخرى على حصول سبب رابع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] ودلَّت آية أخرى على سبب خامسٍ، وهو الكفر الأصلي، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر﴾ [التوبة: 29] .
وقال تعالى: ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [النساء: 89] .
واختلف الفقهاء في أشياء أخرى:
منها: تاركُ الصلاة، فعند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لا يقتل، وعند الشافعي وأحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يقتل.
وثانيها: اللاَّئط: فعند الشافعيِّ: يقتل، وعند بعضهم: لا يقتل.
وثالثها: السَّاحر، إذا قال: قتلتُ بسحري فلاناً، فعند أبي حنيفة: لا يقتل، وعند بعضهم: يقتل.
ورابعها: القتل بالمثقَّل عند الشافعيِّ: يوجب القصاص، وعند أبي حنيفة: لا يوجب.
وخامسها: الانتماع من أداء الزَّكاة، اختلفوا فيه في زمان أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -.
وسادسها: إتيانُ البهيمة أوجب فيه بعضهم القتل، ولم يوجبه الباقون، وحجَّة القائلين بعدم وجوب القتل في هذه الصورة هو أنَّ هذه الآية صريحة في تحريم القتل على الإطلاق إلاَّ لسببٍ واحدٍ، وهو قتل المظلوم، ففيما عداه يجب البقاء على أصل التحريم.
وأيضاً: فالخبر المذكور يوجب حصر أسباب الحلِّ في تلك الثلاثة، ففيما عداها يجبُ البقاء على أصل الحرمة، ثم قالوا: وبهذا النصِّ قد تأكَّد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدَّم على الإطلاق، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارضٍ، وذلك المعارض: إمَّا أن يكون نصّاً متواتراً أو نصّاً من باب الآحادِ، أو قياساً، والنص المتواترُ مفقودٌ، وإلاَّ لما بقي الخلافُ.
وأما النصُّ من باب الآحادِ، فهو مرجوحٌ بالنسبة غلى هذه النصوص الكثيرة؛ لأنَّ الظنَّ المستفاد من النصوصِ الكثيرة أعظم من الظنِّ المستفاد من خيرٍ واحدٍ.
وأما القياسُ: فلا يعارض النصَّ، فثبت بمقتضى هذا الأصل القويِّ: أنَّ الأصل في الدماءِ الحرمةُ إلاَّ في الصور المعدودة.
قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ فيه بحثان:
البحث الأول: هذه الآية تدلُّ على أنَّه أثبت لوليِّ الدم سلطاناً.
فأمَّا بيان هذه السلطنة فيماذا، فليس في قوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ فلا ينبغي أن يسرف ذلك القاتل الظالمُ في ذلك القتل؛ لأنَّ ذلك المقتول منصورٌ؛ لثبوت السَّلطنة لوليه.
والطريق الثاني: أن تلك السلطنة مجملة، ثم فسِّرت بالآية والخبر.
أما الآية: فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: 178] إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] .
وقد بينَّا على أنَّها تدل على أن الواجب تخيير الوليِّ بين القصاص والدية.
وأمَّا الخبر: فقوله - صلوات الله وسلامه عليه - يوم الفتح «مَن قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ، فهو بِخَيْرِ النَّظرينِ: إمَّا أن يُقتلَ، وإمَّا أن يُفْدَى» .
فعلى هذا: فمعنى قوله: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل﴾ أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص، وسلطنة استيفاء الدِّية، إن شاء، قال بعده ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل﴾ أي أنَّ الأولى ألاَّ يقتصّ، ويكتفي بأخذ الدية أو يعفو، كقوله تعالى: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ [البقرة: 237] .
والبحث الثاني: ذكر كونه مظلوماً بصيغة التنكير، والتنكير يدلُّ على الكمالِ، فما لم يكن المقتول كاملاً في وصف المظلوميَّة لم يدخل تحت هذا النصِّ، فالمسلمُ إذا قتل الذميَّ، لم يدخل تحت هذه الآية؛ لأنَّ الذميَّ مشركٌ، والمشرك يحلُّ دمه.
ويدلُّ على أن الذمِّي مشركٌ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ [النساء: 116] .
حكم بأنَّ ما سوى الشِّرك يغفر في حقِّ البعض، فلو كان كفر اليهوديِّ والنصرانيِّ مغايراص للشِّرك، وجب أن يغفر في حقِّ بعض الناس لهذه الآية، فلما لم يغفر في حقِّ أحد، دلَّ على أنّ كفرهم شركٌ، ولأنه تعالى قال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: 73] فهذا التثليثُ الذي قال به هؤلاء: إمَّا أن يكون تثليثاً في الصفات، وهو باطلٌ؛ لأنَّ ذلك هو الحق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يمكنُ جعله سبباص للكفر، وإمَّا أن يكون تثليثاً في الذَّوات، وذلك هو الشرك، فثبت أن الذميَّ مشركٌ، والمشرك يجب قتله؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين﴾ [التوبة: 36] فاقتضى هذا الدليل إباحة دمِ الذميِّ، فإن لم تثبت الإباحة، فلا أقلَّ من حصول شبهة الإباحة.
وإذا ثبت هذا، ثبت أنه ليس كاملاً في المظلوميَّة، فلم يندرج تحت قوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ .
وأما الحرُّ، إذا قتل عبداً، فيدخل تحت هذا، إلاَّ أنَّا بيَّنا أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد﴾ [البقرة: 178] يدلُّ على المنع من قتل الحرِّ بالعبد، وتلك الآية أخص من قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ والخاصُّ مقدَّم على العام؛ فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسُّك بها في مسألة أنَّ موج بالعمد هو القصاص، ولا في وجوب قتل المسلم بالذميِّ، ولا في وجوب قتل الحرِّ بالعبد.
* فصل في المراد بالإسراف
في معنى الإسراف وجوهٌ:
الأول: أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك أنَّ أولياء المقتول كانوا إذا قتل واحدٌ من قبيلة شريفةٍ، قتلوا خلقاً من القبيلة الدنيئة، فنهى الله عنه وحكم بقتل القاتل وحده.
الثاني: أنَّ الإسراف هو ألا يرضى بقتل القاتل؛ فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشرف القبائل، ثمَّ يقتلون منه قوماً معيَّنين، ويتركون القاتل.
والثالث: الإسرافُ هو ألاَّ يكتفي بقتل القاتل، بل يقتله ثم يمثِّل به، ويقطع أعضاءه.
قال القفَّال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولا يبعد حمله على الكلِّ، لأنَّ جملة هذه المعاني مشتركة في كونها إسرافاً.
فصل
قرأ حمزة والكسائي: «تُسْرِفْ» بالخطاب، وهي تحتمل وجهين:
أحدهما: الخطاب للوليِّ، أي: لا تقتل الجماعة بالواحدِ، أو السلطان، رجع إلى مخاطبته بعد أن أتى به عامًّا.
والثاني: أن يكون الخطابُ للمبتدئ القتل، أي: لا تسرف أيُّها الإنسان؛ لأنَّ إقدامه على ذلك القتلِ ظلمٌ محضٌ، وهو إسرافٌ.
والباقون بالغيبة، وهي تحتمل ما تقدم في قراءةِ الخطاب.
وقرأ أبو مسلم برفع الفعل على أنَّه خبر في معنى النهي؛ كقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] . وقيل: «في» بمعنى الباء، أي: بسبب القتلِ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ .
قال مجاهدٌ: الهاءُ راجعةٌ إلى المقتول في قوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ أي: أنَّ المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القودِ على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه، وإيجاب النَّار لقاتله.
وقال قتادة: الهاء راجعةٌ إلى وليِّ المقتول، أو إلى السلطان، أي أنَّه منصورٌ على القاتل باستيفاء القصاص، أو الدِّية، فلكيتفِ بهذا القدر، ولا يطمع في الزيادة.
وقيل: الهاءُ راجعة إلى القاتل الظالم، أي أنَّ القاتل يكتفى منه باستيفاء القصاص، ولا يطلب منه زيادة؛ لأنَّه منصورٌ من الله تعالى في تحريم طلب الزيادة منه، أو أنَّه إذا عوقب في الدنيا، نُصِرَ في الآخرةِ.
وقيل: الهاء راجعةٌ إلى الذَّم، أو قيل: إلى الحقِّ، روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قلت لعليِّ بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: وأيْمُ الله ليَظْهرنَّ عَليْكُم ابنُ أبي سفيان؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ فقال الحسنُ: والله، ما نُصِرَ معاوية على عليٍّ إلاَّ بقولِ الله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ .
{"ayah":"وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومࣰا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِیِّهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا فَلَا یُسۡرِف فِّی ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورࣰا"}