الباحث القرآني

كان في بنى إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم اللَّه أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوا بنا، أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء مِنَ الْجاهِلِينَ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه. وقرئ «هزؤا» بضمتين. «وهزءاً» بسكون الزاى، نحو كفؤا وكفؤا. وقرأ حفص «هزوا» بالضمتين والواو وكذلك «كفوا» . والعياذ واللياذ من واد واحد. في قراءة عبد اللَّه: سل لنا ربك ما هي؟ سؤال عن حالها وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة المجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر. والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضا فهي فارض. قال خفاف بن ندبة: لَعَمْرِى لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضاً ... تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ [[لخفاف بن ندبة يهجو العباس بن مرداس بالبخل. والفارض: الناقة المسنة تساق إليه، أى لا تركب، بل تحتاج إلى من يضربها ويسوقها من خلفها. لا تقوم على رجل: أى لا رجل لها قوية تعتمد عليها في قيامها.]] وكأنها سميت فارضا لأنها فرضت سنها أى قطعتها وبلغت آخرها. والبكر: الفتية. والعوان النصف. قال: نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ [[ظعائن كنت أعهدهن قدما ... وهن لدى الاقامة غير جون حصان مواضع القب الأعالى ... نواعم بين أبكار وعون للطرماح. والظعائن النساء في الهوادج. والضعائن- بالضاد-: المطايا. والضغائن- بالغين-: جمع ضغينة، وهي الحقد والميل والاعوجاج. وضغنته: إذا أخذته في حضنك. وفرس ضاغن: لا يعطى ما عنده من الجري. وناقة ذات ضغن: أى حنين إلى وطنها. وامرأة ذات ضغن تحب غير زوجها. والجون- بالضم جمع جوناء أى سوداء. والحصان- بالفتح-: المحصنة. والنقب: جمع نقاب، ككتب وكتاب. والعون أصله بضم الواو جمع عوان، وهي النصف- بفتحتين- أى الوسط من النساء والبهائم، فسكن تخفيفاً. يقول: تلك النساء ظعائن أى مسافرات غير لونهن السفر، وكنت أعهدهن في قديم الزمان حين الاقامة غير سود وهن محصنات الوجوه، وإذا حفظت حفظن كلهن عادة. والأعالى: صفة للنقب أو المواضع، وهذا لا يكون إلا في النساء كما ترى. وروى بعضهم «ضغائن» بدل «ظعائن» ولعله تحريف. وهن ناعمات، دائرات بين أبكار صغيرات وعون أواسط.]] وقد عوّنت [[قوله «وقد عونت» في الصحاح: وتقول منه عونت المرأة تعوينا، وعانت تعون عونا. (ع)]] . فإن قلت: (بين) يقتضى شيئين فصاعدا [[قال محمود رحمه اللَّه: «فان قلت بين يقتضى شيئين ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وقد مر نظير هذا عند قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) فجدد به عهدا.]] فمن أين جاز دخوله على (ذلك) : قلت لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام، كما جعلوا «فعل» نائبا عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالا كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له: ما أحسن ذلك. وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا. قال أبو عبيدة قلت لرؤبة في قوله: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِى الْجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ [[لرؤبة بن العجاج يصف بقرة وحشية، وقيل فرساً، وقيل خيلا فيها لون السواد ولون البلق- أى البياض- ويروى: من بياض وباق فلعل البياض بياض يرهقه قترة، كأنه: أى ذلك المذكور أو المجتمع منهما، توليع البهق في الجلد. أو كأنه حال كونه في الجلد توليع البهق، أى تخطيطه من البياض المشوب بكدرة الناشئ من البهق، وهو داء يتغير منه لون الجلد. روى أن أبا عبيدة قال له: إن أردت الخطوط فقل: كأنها. وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال أردت كأن ذاك، فقد أجرى الضمير مجرى اسم الاشارة في صحة الاشارة بالمفرد منه إلى المتعدد بتأويله بالمذكور ونحوه.]] إن أردت الخطوط فقل: كأنها. وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال: أردت كأن ذاك، ويلك! والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات. ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ما تُؤْمَرُونَ أى ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير. الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه. يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق. وأحمر قانى وذريخى. وأخضر ناضر ومدهامّ. وأورق خطبانىّ وأزمك ردانىّ. فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبرا عن اللون، فلم يقع توكيداً لصفراء قلت: لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع توكيداً لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟ وأى فائدة في ذكر اللون؟ قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأنّ اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. وعن على رضى اللَّه عنه: «من لبس نعلا صفراء قل همه [[موقوف لم أجده: لكن أخرجه العقيلي والطبراني والخطيب من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما. قال «من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها» وقال ابن أبى حاتم: سألت أبى عنه: فقال: كذب. موضوع.]] لقوله تعالى تسرّ الناظرين» وعن الحسن البصري صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها سوداء شديدة السواد. ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها تعلوه صفرة. وبه فسر قوله تعالى: (جِمالَتٌ صُفْرٌ) . قال الأعشى: تِلْكَ خَيْلِى مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِى ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ [[إن قيس أقيس الفعال أبا ... الأشعث أمست أصداؤه لشعوب كل عام يمدني بحموم ... عند وضع للضأن أو بنجيب تلك خيلى منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب للأعشى في أبى الأشعث بن قيس. والفعال- بالفتح-: فعل الخير. والأصداء: جمع صدى، وهو ذكر البوم. كانت العرب تزعم أن عظام رأس القتيل تصير بومة وتصبح: أدركونى. حتى يؤخذ بثأره. وشعوب: اسم للمنية، ويمكن أنه جمع شعب بمعنى طريق، أى أمست متفرقة في الطرق. وذلك كناية عن قتله. والجمع للتعظيم، أو اعتباري. والجموم: جمع جم بتثليث أوله بمعنى الكثير. والنجيب: الكريم من الخيل والإبل. والركاب: المطايا. هن أى الركاب، صفر: جمع أصفر أو صفراء، أولادها يغلب عليها السواد كالزبيب. والمراد بالصفرة سواد ترهقه صفرة، لأن هذا أعز ألوان الإبل عندهم.]] ما هِيَ مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستشكاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، [[ابن مردويه والبزار وابن أبى حاتم كلهم من طريق الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة مرفوعا وفي سنده عباد بن منصور، وفيه ضعف والطبري من كلام ابن عباس موقوفا. ومن كلام أبى العالية، دون قوله «والاستقصاء شؤم» فليس هو في المرفوع ولا الموقوف قلت قوله «والاستقصاء شؤم» من كلام الزمخشري]] ولكن شدّدوا فشدّد اللَّه عليهم» والاستقصاء شؤم. وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبداً؟ فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتنى: بأى نوع منها أبدأ؟ وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطى فلانا شاة سألتنى: أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني. وفي الحديث «أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته» [[متفق عليه من حديث سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه عنه.]] إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا أى إنّ البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح. وقرئ: تشابه، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين. وتشابهت ومتشابهة ومتشابه. وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشابه، بالياء والتشديد. جاء في الحديث «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» [[قلت: أخرجه ابن جرير من طريق ابن جريج مرفوعا. وهو معضل.]] أى: لو لم يقولوا إن شاء اللَّه. والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها، أو إلى ما خفى علينا من أمر القاتل لا ذَلُولٌ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعنى لم تذلل للكراب [[قوله «لم تذلل للكراب» في الصحاح: كربت الأرض إذا قلبتها للحرث. وفي المثل: الكراب على البقر، ويقال: الكلاب على البقر. (ع)]] وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث، و «لا» الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقى. على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: لا ذلول، بمعنى لا ذلول هناك: أى حيث هي، وهو نفى لذلها ولأن توصف به فيقال: هي ذلول. ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان. أى فيهم، أو حيث هم. وقرئ تسقى بضم التاء من أسقى مُسَلَّمَةٌ سلمها اللَّه من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منه كقوله: أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِى عَنْ وَلِيَّتِهِ ... مَا حَجَّ رَبُهُ فِى الدُّنْيَا وَلَا اعْتَمَرَا [[أنشده سيبويه. ويقال: أعبرت الشاة فهي معبرة، إذا كثر صوفها لتركها سنة من غير جز، فالظهر المعبر: المتروك من الجز فيكثر وبره، أو لأنه لا وبر عليه فيحز. ولعل المراد هنا المتروك من الحمل عليه. وقيل: المنجرد الشعر. ونبا عنه ينبو: انحرف. وأنبيته: حرفته وأبعدته، فما هنا معناه يمنع غيره عن ركوب وليته. وظاهر كلام بعضهم أنه يقال: نبى ينبي، كرمى يرمى، إذا انحرف. وأن ما هنا منه، أى ينفر عن وليته: أى برذعته، لأنها تلى الجلد. وربه باختلاس الحركة للوزن، بمعنى صاحبه. والمعنى: أنه بعير متروك من العمل فهو مصعب ينفر من الراكب، لأنه لم يسافر أصلا حتى أن صاحبه لا حج ولا اعتمر: وظاهر كلام بعضهم أن «ربه» هي رب التي هي حرف جر، فتكون جارة للضمير بلا تمييز لتقدم مرجعه، ودالة على تحقيق النفي مجازاً عن معنى التكثير وهي اعتراض بين المتعاطفين. وإسناد الفعلين لضمير البعير مجاز عقلى، لأنه من آلات الحج والاعتمار. وقائل ذلك فسره بأنه منجرد الظهر ينفر من برذعته لدبره من كثرة الأسفار. ما سافر لحج ولا اعتمار، وإنما يسافر إلى الأعداء. ولو جعل معناه كما تقدم لجاز. فالمعنى أنه مصعب لم يركب ولم يسافر أصلا، حتى أنه لم يسافر لحج ولا عمرة وهو ظاهر.]] أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان لا شِيَةَ فِيها لا لمعة في نقبتها [[قوله «لا لمعة في نقبتها» في الصحاح: النقبة اللون والوجه. (ع)]] من لون آخر سوى الصفرة، فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر، ومنه ثور موشى القوائم جِئْتَ بِالْحَقِّ أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها فَذَبَحُوها أى فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها. وقوله وَما كادُوا يَفْعَلُونَ استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وروى أنه كان في بنى إسرائيل شيخ صالح له عجِلة فأتى بها الغيضة [[قوله «فأتى بها الغيضة» في الصحاح: الغيضة الأجمة، وهي مغيض ماء يجتمع فيه فينبت فيه الشجر. (ع)]] وقال: اللهم إنى أستودعكها لابنى حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟ قلت: رجع منسوخا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها. ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم فَادَّارَأْتُمْ فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً، أى يدفعه ويزحمه. أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح. أو لأنّ الطرح في نفسه دفع. أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة واتهمه وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً. فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضىّ؟ قلت: وقد حكى ما كان [[قوله «قلت وقد حكى ما كان» لعله «قد» بدون واو. (ع)]] مستقبلا في وقت التدارؤ. كما حكى الحاضر في قوله: (باسِطٌ ذِراعَيْهِ) وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (فَادَّارَأْتُمْ) و (فَقُلْنا) والضمير في اضْرِبُوهُ إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دل عليه من قوله: (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) . بِبَعْضِها ببعض البقرة. واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين. والمعنى: فضربوه فحيى، فحذف ذلك لدلالة قوله: (كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى) . وروى أنهم لما ضربوه قام بإذن اللَّه وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان لا بنى عمه، ثم سقط ميتاً، فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك. كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة وَيُرِيكُمْ آياتِهِ ودلائله على أنه قادر على كل شيء لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث. وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟ قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد. وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر اللَّه تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق [[قوله «أن يتنوق» في الصحاح: تنوق في الأمر، أى تأنق فيه. ويفيد أيضاً أن «القحم» المسن الفاني، و «الضرع» بالتحريك الضعيف النحيف. و «الأنق» الفرح والسرور. (ع)]] في اختيار ما يتقرب به، وأن يختاره فتىّ السنّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون بريا من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضى اللَّه عنه أنه ضحى بنجيبة [[أخرجه أبو داود من رواية الجهم بن الجارود عن سالم عن أبيه. قال: «أهدى عمر رضى اللَّه عنه نجيبة فأعطى بها ثلاثمائة دينار. فقال يا رسول اللَّه أفأبيعها وأشترى بثمنها بدنا؟ قال: لا، أنحرها إياها» .]] بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة. فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت: كل ما قص من قصص بنى إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعا لهم عليها، ولما جدّد فيهم من الآيات العظام. وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها) حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب