الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ الآيَةَ. فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ الإياسِ بَعْدَ ارْتِيابٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إثْباتَ حُكْمِ الإياسِ في أوَّلِ الآيَةِ، فَلا جَرَمَ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الرِّيبَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَرُوِيَ «أنَّ أُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَدَدًا مِن عِدَدِ النِّساءِ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ الصِّغارَ والكِبارِ وذَواتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ». وأبانَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ ارْتِيابُهُنَّ في عَدَدِهِنَّ، صَغِيرٌ أوْ (p-٤٢١)كَبِيرٌ مِنَ الصَّغارِ والكِبارِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ؛ ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ الآيَةَ. واخْتَلَفَ السَّلَفُ في الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُها، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: أيُّما امْرَأةٍ طُلِّقَتْ فَحاضَتْ حَيْضَةً أوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْها حَيْضَتُها، فَإنَّهُ يُنْتَظَرُ بِها تِسْعَةَ أشْهُرٍ، فَإنِ اسْتَبانَ بِها حَمْلٌ فَذاكَ، وإلّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ. وأمَرَ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتَّرَبُّصِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ وقالَ: تِلْكَ الرِّيبَةُ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: الَّتِي تَرْتَفِعُ حَيْضَتُها تَبْقى إلى سِنِّ اليَأْسِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وهو الحَقُّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ عِدَّةَ الآيِسَةِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، والمُرْتابَةُ لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآيَةَ. ولَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ والخَلَفُ في أنَّ عِدَّةَ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ في أنْ تَضَعَ حَمْلَها.واخْتَلَفَ السَّلَفُ في عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وأنَّها تَعْتَدُّ بِأقْصى الأجَلَيْنِ أوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ: فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأقْصى الأجَلَيْنِ. وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ: إنَّها تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الحَمْلِ. (p-٤٢٢)ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى ذِكْرِ المُطَلَّقاتِ، غَيْرَ أنَّهُ عُمُومٌ، وقَدْ نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلى ما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَّهُ قالَ: مَن شاءَ لاعَنْتُهُ، ما نَزَلَتْ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾، إلّا بَعْدَ آيَةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُهافَكانَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عامًّا في كُلِّ مَن يَتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وقَوْلُهُ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾، عُمُومٌ ورَدَ بَعْدَهُوَلا دَلِيلَ مِنَ الأوَّلِ عَلى تَخْصِيصِ الثّانِي، فَوَجَبَ اعْتِبارُ المُتَأخِّرِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب