الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الآيَةَ. كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً، وكانَ يُنْفِقُ عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وما بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إلّا لِمَن جَعَلَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. * * * ولَمّا ذَكَرَ ما لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بَخَيْلٍ ولا رِكابٍ، ذَكَرَ ما أوْجَفَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ. فَقالَ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] الآيَةَ. وذَلِكَ يُمْنَعُ تَنْزِيهًا لِلْغانِمِينَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] . ولَمّا فَتَحَ عُمَرُ العِراقَ، سَألَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ قِسْمَتَها بَيْنَهُمْ، فَقالَ: إنْ قَسَمْتُها بَيْنَهم بَقِيَ آخِرُ النّاسِ لا شَيْءَ لَهُمْ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٤٠٧)إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وشاوَرَ عَلِيًّا في ذَلِكَ، فَأشارَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ القِسْمَةِ، وأنْ يَقَرَّ أهْلُها عَلَيْها، وأنْ يَضَعَ الخَراجَ عَلَيْها، فَفَعَلَ، فَقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: فالآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ إذًا، فَإنَّها غَيْرُ مَضْمُومَةٍ إلى آيَةِ الغَنِيمَةِ في الأراضِي المُفْتَتَحَةِ، فَإنْ رَأى قِسْمَتَها أصْلَحَ وأعْوَدَ عَلى المُسْلِمِينَ فَعَلَ، ثُمَّ قالَ: وتَقْدِيرُ الآيَتَيْنِ: واعْلَمُوا أنَما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ في الأمْوالِ سِوى الأرْضِينَ، وفي الأرَضِينَ إذا اخْتارَ الإمامُ ذَلِكَ. والَّذِي ذَكَرُوهُ بَعِيدٌ جِدًّا، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، لَيْسَ لَهم حَقًّا في الغَنِيمَةِ، وأنَّ غَيْرَ مَن شَهِدَ الوَقْعَةَ يَسْتَحِقُّ، والعَجَبُ أنَّ الَّذِينَ هم في الحَياةِ لا يَسْتَحِقُّونَ إذا لَمْ يَشْهَدُوا الوَقْعَةَ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ مَن جاءَ بَعْدَهُمْ، فَدَلَّ أنَّ مَعْنى الآيَةِ ظاهِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وهو نَدْبُ الآخَرِينَ إلى الثَّناءِ عَلى الأوَّلِينَ، فَدَلَّ أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ الشّافِعِيُّ، إنَّ ما كانَ غَنِمُوهُ مِنَ الأراضِي وغَيْرِها فَخُمْسُها لِأهْلِهِ وأرْبَعَةُ أخْماسِها لِلْغانِمِينَ، فَمَن طابَتْ نَفْسُهُ عَنْ حَقِّهِ فَلِلْإمامِ أنْ يَجْعَلَها وقْفًا عَلَيْهِمْ، ومَن لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ فَهو أحَقُّ بِما لَهُ، وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَطابَ نُفُوسَ الغانِمِينَ واشْتَراها مِنهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب