الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾، الآيَةَ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُعَلِّقُ الوُضُوءَ بِالقِيامِ إلى الصَّلاةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ إجْماعًا، فَلا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ مَعَهُ، وذَلِكَ هو الحَدَثُ. والَّذِي هو الحَدَثُ إذا قَدَّرْناهُ عِلَّةً، فَتَكْرِيرُ العِلَّةِ هو الَّذِي يَقْتَضِي تَكْرِيرَ الحُكْمِ، والقِيامُ إلى الصَّلاةِ لَيْسَ شَرْطًا ولا عِلَّةً. ولَوْ قُدِّرَ شَرْطًا، فالحُكْمُ لا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ. فَإذا قالَ القائِلُ لِاِمْرَأتِهِ: إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَإنَّكِ طالِقٌ، لَمْ يَتَكَرَّرِ الطَّلاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ، ولَكِنَّ التَّكْرارَ في الطَّهارَةِ عِنْدَ تَكْرارِ الحَدَثِ لِاعْتِقادِ كَوْنِ الحَدَثِ عِلَّةً، والحُكْمُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ العِلَّةِ والسَّبَبِ. إذا ثَبَتَ هَذا، فاللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: عَلَيْهِ إمْرارُ الماءِ عَلى المَوْضِعِ ودَلْكُهُ بِيَدِهِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ غاسِلًا. وقالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ إجْراءُ الماءِ ولَيْسَ عَلَيْهِ دَلْكُهُ. ولا شَكَّ في أنَّهُ إذا انْغَمَسَ في الماءِ، أوْ غَمَسَ وجْهَهُ أوْ يَدَهُ ولَمْ يُدَلِّكْ، يُقالُ: إنَّهُ قَدْ غَسَلَ. (p-٣٢)واعْلَمْ أنَّهُ لا تَغْيِيرَ في ذَلِكَ إلّا حُصُولَ الِاسْمِ، وإذا حَصَلَ كَفى والمُعْتَبَرُ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ مِنَ الماءِ ما يَزِيدُ قَدْرَ المَسْحِ، فَلَوْ مَسَحَ المَغْسُولُ لَمْ يَجُزْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَهُما، ولَيْسَ في المَسْحِ غَسْلٌ. نَعَمْ؛ إذا غَسَلَ المَمْسُوحُ، جازَ المَأْمُورُ بِهِ وزِيادَةٌ. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لَيْسَ يَقْتَضِي نِيَّةَ العِبادَةِ. نَعَمْ؛ قالَ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ . وظَنَّ ظانُّونَ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ الَّذِينَ يُوجِبُونَ النِّيَّةَ في الوُضُوءِ أنَّهُ لَمّا أوْجَبَ الوُضُوءَ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ دَلَّ عَلى أنَّهُ أوْجَبَهُ لِأجْلِهِ وأثْبَتَهُ بِسَبَبِهِ، وأنَّهُ أوْجَبَ لَهُ قَصْدَ النِّيَّةِ. وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ إيجابَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ الوُضُوءَ لِأجْلِ الحَدَثِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَجِبَ لِأجْلِهِ، ويَحْصُلَ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقِ الطَّهارَةِ بِالصَّلاةِ، ونِيَّتِها لِأجْلِها. وقِيلَ لَهُمْ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ( اِغْسِلُوا وُجُوهَكم ) أوْجَبَ فِعْلَ الغَسْلِ، فَكانَتِ النِّيَّةُ شَرْطًا في صِحَّةِ الفِعْلِ، لِأنَّ الفَرْضَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَنْبَغِي أنْ يَجِبَ فِعْلُ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ. فَإذا نَحْنُ قُلْنا: إنَّ النِّيَّةَ لا تَجِبُ عَلَيْهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الفِعْلُ أيْ: فِعْلُ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى. ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِي اغْتَسَلَ تَبَرُّدًا أوْ لِغَرَضٍ آخَرَ، ما قُصِدَ أداءُ الواجِبِ، والَّذِي وجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لا يَحْصُلُ دُونَ قَصْدِهِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ أشْياءُ عِدَّةٌ، وتَحْصُلُ دُونَ النِّيَّةِ، مِثْلَ رَدِّ الغَصُوبِ والوَدائِعِ وإزالَةِ الأنْجاسِ. فَيُقالُ: كُلُّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ فِعْلٌ، وإنَّما يَنْهى عَنِ اسْتِدامَةِ (p-٣٣)الغَصْبِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ ذَلِكَ، وهاهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الوُضُوءِ. قالُوا: وقَدْ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ الإنْفاقُ عَلى قَرِيبِهِ وزَوْجَتِهِ وقَضاءُ دُيُونِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى النِّيَّةِ. والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُعَلَّقٌ وُجُوبُهُ عَلى أغْراضٍ، مَتى حَصَلَتْ تِلْكَ الأغْراضُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الوُجُوبُ، مِثْلَ النَّفَقَةِ تَجِبُ لِلْكِفايَةِ، فَإذا حَصَلَتِ الكِفايَةُ لَمْ تَجِبْ، أوْ لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الأغْراضِ العاجِلَةِ، ولَيْسَ أمْرُ الطَّهارَةِ كَذَلِكَ، فَإنَّ وُجُوبَها لَمْ يَكُنْ إلّا لِحَقِّ التَّعَبُّدِ. فَإذا وجَبَ الفِعْلُ لِلَّهِ تَعالى، فَما لَمْ يُفْعَلْ لِلَّهِ تَعالى كانَ الأمْرُ قائِمًا، ولَيْسَ فِعْلُ غَيْرِ القاصِدِ أداءً لِلْأمْرِ ولا قِيامًا بِهِ، فاعْلَمْهُ. وذَكَرَ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى هَذا كَلامًا دَلَّ بِهِ عَلى قِلَّةِ تَحْصِيلِهِ، فَقالَ: إنَّما يَجِبُ ما ذَكَرُوهُ في الفُرُوضِ الَّتِي هي مَقْصُودَةٌ لِأعْيانِها، ولَمْ تَجْعَلْ شَرْطًا لِغَيْرِها، فَأمّا ما كانَ شَرْطًا لِصِحَّةِ فِعْلٍ آخَرَ فَلا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ بِنَفْسِ وُرُودِ الأمْرِ إلّا بِدَلالَةٍ تُقارِنُهُ، والطَّهارَةُ شَرْطٌ لِلصَّلاةِ، فَإنَّ مَن لا صَلاةَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ الطَّهارَةِ، كالحائِضِ والنُّفَساءِ. وهو الَّذِي ذِكْرُهُ باطِلٌ، فَإنَّ كَوْنَهُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ مَعْناهُ: تَوَقَّفَ وُجُوبُهُ عَلى وُجُوبِ فِعْلٍ آخَرَ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُوبِهِ، ووُجُوبِ فِعْلِهِ، وقَصْدِ الِامْتِثالِ فِيهِ. نَعَمْ، وُجُوبُهُ لِغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا نَوى ما قَدْ وجَبَ لِأجْلِهِ كَفاهُ، مِثْلَ أنْ يَنْوِيَ الطَّهارَةَ لِلصَّلاةِ أوْ لَمْسِ المُصْحَفِ. (p-٣٤)ومِن عُلَمائِنا مَن شَرَطَ فِيهِ نِيَّةَ القُرْبَةِ، لِأنَّهُ رَأى الطَّهارَةَ واجِبَةً تَعَبُّدًا إلّا أنَّ وُجُوبَها عِنْدَ وُجُوبِ فِعْلٍ آخَرَ. قالُوا: الطَّهارَةُ لَيْسَتْ واجِبَةً تَحْقِيقًا، وإنَّما الصَّلاةُ مُمْتَنِعَةٌ دُونَها، كَما أنَّها مُمْتَنِعَةٌ دُونَ السَّتْرِ والِاسْتِقْبالِ وطَهارَةِ الثَّوْبِ، ولِذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ إذا أرادَ قِراءَةَ القُرْآنِ وهو جُنُبٌ اغْتَسَلَ، وإذا أرادَ دُخُولَ مَسْجِدٍ وهو جُنُبٌ اغْتَسَلَ، لَيْسَ لِأنَّ الطَّهارَةَ واجِبَةٌ في هَذِهِ الحالَةِ، وكَيْفَ تَجِبُ والَّذِي يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الفِعْلِ غَيْرُ واجِبٍ؟ وإنَّما يَحْرُمُ ذَلِكَ الفِعْلُ دُونَ وُجُودِ شَرْطِ جَوازِهِ وهو الطَّهارَةُ، وذَلِكَ لَيْسَ يُنْبِي عَنْ وُجُوبِهِ في نَفْسِهِ. ولَيْسَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ وُجُوبَ الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ ما لا بُدَّ مِنهُ لِلصَّلاةِ. لِأنَّهُ يُقالُ: لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ الفِعْلُ في نَفْسِهِ، وإنَّما يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ مُحْدِثًا أوْ أنْ يَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ مُحْدِثًا بِإمْرارِ الماءِ عَلى الأعْضاءِ، سَواءٌ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ تَوَضَّأ قَبْلَ لَمْسِ مُصْحَفٍ أوْ قِراءَةِ قُرْآنٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ مِنَ الأفْعالِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الوُضُوءَ واجِبٌ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ أنَّهُ لَوْ هَوى مِن مَوْضِعٍ عالٍ مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنهُ إلّا أنَّهُ عَلى مُسامَتَتِهِ ماءٌ طاهِرٌ طَهُورٌ، ونَوى الوُضُوءَ صَحَّ. ومَعْلُومٌ أنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ، والقَصْدُ يَسْتَدْعِي مَقْصُودًا، والمَقْصُودُ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ حُصُولَهُ في الماءِ فِعْلُهُ، فَإنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِهِ، فالَّذِي لا اخْتِيارَ لَهُ فِيهِ، كَيْفَ يُقَدِّرُ مَقْصُودًا لَهُ؟ وهَذا كَلامٌ عَظِيمُ الوَقْعِ عِنْدَ المُتَأمِّلِينَ. ويُجابُ عَنْهُ: بِأنَّ الطَّهارَةَ واجِبَةٌ حَقِيقَةً، فَإنَّها وإنْ وجَبَتْ عِنْدَ وُجُوبِ (p-٣٥)غَيْرِها، فَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ تَعَلُّقِها بِغَيْرِها، أوْ مِن ضَرُورَةِ وُجُوبِ غَيْرِها حَقِيقَةً مِثْلَ أخْذِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ في اسْتِيعابِ الوَجْهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ لِلِاسْتِيعابِ حَقِيقَةً، وأمّا العُضْوُ فَإنَّهُ شَرْطٌ شَرْعًا، وإذا صارَ شَرْطًا صارَ شَرْطَ وُجُوبِهِ بِالشَّرْعِ. ومَتى كانَ وُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ واجِبًا. وأمّا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنَّهُ لَمْ يَجِبْ، ولَكِنَّهُ تَحْرُمُ الصَّلاةُ مَعَ الحَدَثِ، فَيُقالُ: ولا مَعْنى لِلْحَدَثِ إلّا امْتِناعُ أفْعالٍ يَتَوَقَّفُ وُجُودُها عَلى وُجُودِ شَرْطِها، فَهَذا مَعْنى الحَدَثِ لا غَيْرُ. وقَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ أرادَ دُخُولَ مَسْجِدٍ أوْ قِراءَةَ قُرْآنٍ وجَبَ الغُسْلُ، لا لِأنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ واجِبَةٌ. فَيُقالُ: بَلِ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ في أنَّ القِراءَةَ لا تَجِبُ، ولَكِنْ لِلنَّوافِلِ شُرُوطٌ يَجِبُ فِعْلُها إذا أرادَ فِعْلَ النَّوافِلِ، فَإنَّ مَن أرادَ مُباشَرَةَ أمْرٍ وجَبَ عَلَيْهِ مُباشَرَةُ شُرُوطِهِ، إلّا أنَّ الشُّرُوطَ في ذَواتِها غَيْرُ واجِبَةٍ. فَأمّا إذا كانَتِ الطَّهارَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فَذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ يَكُونُ شَرْطًا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ، كَما أنَّ مِنَ الأشْياءِ ما يَكُونُ شَرْطًا في شَيْءٍ واحِدٍ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما يُنافِي الحَقِيقَةَ الَّتِي قُلْناها. وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الفِعْلَ لا يُشْتَرَطُ، فاعْلَمْ أنَّهُ إنْ ثَبَتَ عَدَمُ الفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْدُ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَلا وجْهَ لِجَوازِ الوُضُوءِ ولا نَصْرَ لِلشّافِعِيِّ فِيهِ. قالُوا: فَإذا غَسَلَ غَيْرُهُ وجْهَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الغَسْلِ، فَأيُّ فِعْلٍ مِنهُ هاهُنا؟ قُلْنا: بَلى، وهو أنَّ إذْنَهُ لَهُ أنْ يُوضِيَهُ فِعْلٌ مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ والِامْتِحانُ، كَما قِيلَ في الَّذِي يَقُولُ لِلْمِسْكِينِ: خُذْ مالِي هَذا (p-٣٦)عَنْ جِهَةِ الزَّكاةِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ، فَإنَّهُ حَصَلَ بِهِ الِامْتِحانُ والتَّكْلِيفُ. وكَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، أمّا إذا هَوى مِن عُلُوٍّ وفي مُسْتَقَرِّ وُقُوعِهِ ماءٌ، فَلا يَتَحَقَّقُ مِنهُ القَصْدُ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ امْتِحانٌ أوْ تَكْلِيفٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَهُما. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾: الوَجْهُ المَعْرُوفُ في المُتَعارَفِ ما تُواجِهُ بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، لِأنَّ الوَجْهَ لا يَتَناوَلُهُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا تُواجِهُ، ولَوْ كانَ مِنَ الأرْكانِ الأصْلِيَّةِ في الوُضُوءِ، ما كانَ لائِقًا بِالشَّرْعِ أنْ يَذْكُرَ اللَّهُ تَعالى أعْضاءَ الوُضُوءِ الواجِبِ غَسْلُها ولا يَذْكُرُهُما. ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وفِي ”ما“ اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنِ الوَجْهِ اخْتِلافُ قَوْلٍ: فَقائِلٌ يَقُولُ: إنَّهُ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّهُ يُواجِهُ. والقائِلُ الآخَرُ يَقُولُ: نَباتُ الشَّعَرِ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ البَشَرَةِ، لا يُخْرِجُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَجْهِ، كَما أنَّ شَعَرَ الرَّأْسِ مِنَ الرَّأْسِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فَلَوْ مَسَحَ عَلى شَعَرِ رَأْسِهِ مِن غَيْرِ بَلاغِهِ إلى البَشَرَةِ، جازَ ذَلِكَ، وكانَ ماسِحًا عَلى الرَّأْسِ وفاعِلًا لِمُقْتَضى الآيَةِ عِنْدَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ نَباتُ الشَّعَرِ عَلى الوَجْهِ، لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ مِنهُ. ومَن لا يَرى أنَّهُ مِنَ الوَجْهِ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَعَرِ الرَّأْسِ، لِأنَّ شَعَرَ الرَّأْسِ يُولَدُ المَرْءُ عَلَيْهِ، وهو بِمَنزِلَةِ شَعَرِ الحاجِبِ، في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ (p-٣٧)مِنهُما مِنَ العُضْوِ الَّذِي هو مِنهُ، وشَعَرُ اللِّحْيَةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ مَعَهُ في حالَةِ الوِلادَةِ، وإنَّما يُوجَدُ بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ مِنَ الوَجْهِ. وعَلى الجُمْلَةِ، لَفْظُ الرَّأْسِ مُطْلَقًا لا يَظْهَرُ في شَعَرِ الرَّأْسِ الأعْلى الَّذِي يُظْهِرُ لَفْظَ الوَجْهِ في شَعَرِ الوَجْهِ. والِافْتِراقُ إنَّما يَرْجِعُ إلى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾: اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ عُلَمائِنا قالَ: قَوْلُهُ: ”إلى المَرافِقِ“ إنَّما لَمْ يَقْتَضِ إخْراجَ المَرافِقِ، ووَجَبَ إدْخالُها في الغَسْلِ، لِأنَّ اسْمَ اليَدِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ اليَدِ إلى المَنكِبِ، كَما أنَّ الرِّجْلَ اسْمٌ لِجَمِيعِ العُضْوِ إلى الأفْخاذِ، فَقَوْلُهُ: ”إلى المَرافِقِ“ لِبَيانِ إسْقاطِ مَعْنى الواجِبِ فِيما يَتَناوَلُهُ اسْمُ اليَدِ، وهَذا يَلْزَمُ مِنهُ وُجُوبُ التَّيَمُّمِ إلى المَنكِبَيْنِ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الظّاهِرَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، ولِذَلِكَ تَيَمَّمَ عَمّارٌ إلى المَناكِبِ وقالَ: تَيَمَّمْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المَناكِبِ، وكانَ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وكانَ عِنْدَهُ أنَّ الِاسْمَ لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ، ويَلْزَمُ مِن مَساقِ هَذا أنَّ مَن غَسَلَ يَدَيْهِ إلى الكُوعِ، ثُمَّ قالَ: غَسَلْتُ يَدِي، أنْ يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مَجازًا فِيهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَغْسِلِ اليَدَ وإنَّما غَسَلَ بَعْضَهُ، وكَذَلِكَ إذا قالَ: قَطَعْتُ يَدَ فُلانٍ، ألّا يَكُونَ حَقِيقَةً إذا قَطَعَ مِنَ الكُوعِ، كَما لا يَكُونُ حَقِيقَةً إذا قَطَعَ الأصابِعَ وحْدَها، وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ بَشِعٌ شَنِعٌ. (p-٣٨)ويُجابُ عَنْهُ: بِأنَّ اليَدَ والرِّجْلَ حَقِيقَتُهُما تَمامُ العُضْوِ إلى حَيْثُ قُلْنا: فالمِرْفَقُ مِنَ اليَدِ، والرُّكْبَةُ مِنَ الرِّجْلِ. وهم يَقُولُونَ: اليَدُ هي الَّتِي يَقَعُ البَطْشُ بِها في الأصْلِ، وهي الَّتِي خُلِقَتْ لِلْبَطْشِ، وما عَداها الآلَةُ الباطِشَةُ تَتِمَّةٌ لَها، والرِّجْلُ هي الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمَشْيِ، وما عَداها مِن تَتِمَّةِ هَذا المَقْصُودِ، وهَذا مِمّا يَخْتَلِفُ القَوْلُ فِيهِ، ولا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الوُضُوحِ، والمُعْتَمَدُ فِيهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأ مَرَّةً وقالَ: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ». ومَتى كانَتْ كَلِمَةُ إلى مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ إبانَةِ الغايَةِ وبَيْنَ ضَمِّ الغايَةِ إلَيْهِ وجَبَ الرُّجُوعُ فِيها إلى بَيانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ بَيانٌ. فَإذا أدْخَلَ المِرْفَقَيْنِ والكَعْبَيْنِ في الغَسْلِ ظَهَرَ أنَّهُ بَيانُ ما أجْمَلَهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى. وهَذا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذا إذا ظَهَرَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيانُ الواجِبِ، فَأمّا إذا أتى بِالسُّنَّةِ والفَرْضِ في وُضُوئِهِ، فَلا يَظْهَرُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ الأوَّلُونَ. وبِالجُمْلَةِ، القَوْلُ مُتَقاوِمٌ، والِاحْتِياطُ لِلْوُضُوءِ يَقْتَضِي الأخْذَ بِالأتَمِّ والحَدَثُ يَقِينٌ، فَلا يَزُولُ إلّا بِيَقِينٍ.* * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾: ظَنَّ ظانُّونَ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ”بِرُؤُوسِكُمْ“ وراءَ اقْتِضائِهِ لِإلْصاقِ الفِعْلِ بِالمَحَلِّ، حَيْثُ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى الإلْصاقِ لِحُصُولِهِ دُونَ الباءِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالجِدارِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الباءِ لِتَحْقِيقِ الإلْصاقِ فَإذا لَمْ تَكُنِ الباءُ ها هُنا لِلْإلْصاقِ كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ قَوْلِ (p-٣٩)القائِلِ: مَسَحْتُ الجِدارَ ومَرَرْتُ بِالجِدارِ. فَإذا قالَ: مَسَحْتُ الجِدارَ، ظَهَرَ كَوْنُهُ ماسِحًا لِكُلِّهِ، وإذا قِيلَ: مَرَرْتُ بِهِ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: هَذا فَرْقٌ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ، والباءُ زائِدَةٌ ها هُنا. فَأجابُوا بِأنّا إذا جَعَلْناها زائِدَةً ألْغَيْنا مُقْتَضاها. ومَتى أمْكَنَ إعْمالُها فَلا يُلْغى مُقْتَضاها. قِيلَ لَهُمْ: إذا كانَتْ تَرِدُ زائِدَةً، فَكَوْنُها زائِدَةً مُقْتَضاها أوْ مَعْناها فَما ألْغَيْناها مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإذا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ؛ فالتَّبْعِيضُ إنَّما يَتَلَقّى مِن لَفْظِ المَسْحِ، فَإذا قالَ قائِلٌ: مَسَحْتُ الجِدارَ، وكانَ قَدْ مَسَحَ بَعْضَهُ كانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وتَمَّ مُقْتَضاهُ، فالرَّأْسُ وإنْ كانَ حَقِيقَةً في جَمِيعِ العُضْوِ ولَكِنْ رُبَّ فِعْلٍ يُضافُ إلَيْهِ، فَلا يُفْهَمُ مِنَ الرَّأْسِ كَمالُ العُضْوِ لِمَكانِ الفِعْلِ، مِثْلَ فَهْمِ الفَرْقِ مِن قَوْلِ القائِلِ: حَلَقْتُ رَأْسَ فُلانٍ، في أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ اسْتِيعابُ الحَلْقِ جَمِيعَ الرَّأْسِ. وقَوْلُهُ: ضَرَبْتُ رَأْسَ فُلانٍ، في أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ اسْتِيعابُهُ. وهَذا لا يَتَّجِهُ كَما يَنْبَغِي إلّا أنْ يُضافَ إلى العُرْفِ، فَيُقالُ في العُرْفِ إذا قالَ القائِلُ: حَلَقْتُ رَأْسَ فُلانٍ، يَبْعُدُ فَهْمُ حَلْقِ بَعْضِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ عَلى وجْهِ التَّبْعِيضِ غَيْرُ مُتَعارَفٍ، ويَقُولُ القائِلُ: رَأيْتُ فُلانًا، وإنَّما يَكُونُ قَدْ رَأى وجْهَهُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ بَعَّضَهُ العُرْفُ. ويَقُولُ: رَأيْتُ مَدِينَةَ كَذا أوْ سُورَ مَدِينَةِ كَذا، وإنَّما قَدْ رَأى شَيْئًا يَسِيرًا مِن ذَلِكَ، فَهَذا الفَرْقُ مَنشَؤُهُ العُرْفُ لا غَيْرَ. فَبِالجُمْلَةِ إذا قالَ القائِلُ وقَدْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ: مَسَحْتُ الرَّأْسَ، كانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً ولَمْ يَكُنْ مَجازًا، وهَذا لا يَبْعُدُ إثْباتُهُ، ويَتَأيَّدُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ عَلى جَوازِ تَرْكِ شَيْءٍ مِن مَسْحِ الرَّأْسِ (p-٤٠)وإذا انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى جَوازِ تَرْكِ شَيْءٍ مِنهُ، فَلَيْسَ مِقْدارٌ أوْلى مِن مِقْدارٍ. فَهَذا هو القَدْرُ اللّائِقُ بِهَذا الكِتابِ، وما زادَ عَلَيْهِ فَهو مِن مَباحِثِ الفِقْهِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: النَّصْبُ والجَرُّ. أمّا النَّصْبُ، فَهو مِن حَيْثُ الإجْراءِ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ الرِّجْلَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ لِأنَّهُ وقَعَ الفِعْلُ عَلَيْهِ، والرَّأْسُ كَمِثْلٍ، إلّا أنَّ الرَّأْسَ انْتَصَبَ لِلْباءِ الجارَّةِ، فَبَقِيَتِ الرِّجْلُ عَلى الأصْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَرُّ لِلْمُجاوَرَةِ، وفي كَسْرِ الجِوارِ أمْثِلَةٌ مِنَ القُرْآنِ وأشْعارٌ مِنَ العَرَبِ، مُسْتَقْصاةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ والأُصُولِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ الألْيَقَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى مُراعاةُ المَعْنى دُونَ النَّظْمِ وكَسْرِ الجِوارِ، إنَّما يَصِيرُ إلَيْهِ مَن رامَ تَغْلِيبَ النَّظْمِ عَلى المَعْنى مِثْلَ الشُّعَراءِ، فَأمّا مَن رامَ تَغْلِيبَ المَعْنى فَلا يَصِيرُ إلى كَسْرِ الجِوارِ، ومَتى كانَ حُكْمُ الأرْجُلِ في المَسْحِ مُخالِفًا حُكْمَ الرَّأْسِ، لَمْ يَجُزِ الجَرُّ بِناءً عَلى المُجاوَرَةِ في النَّظْمِ، مَعَ الِاخْتِلافِ في المَعْنى، وهَذا كَلامٌ حَسَنٌ. فَقِيلَ لَهُمْ: بَلْ هُما في المَعْنى مُتَقارِبانِ، فَإنَّهُما يَرْجِعانِ إلى إمْساسِ العُضْوِ الماءَ. فَقالَ في الجَوابِ عَنْهُ: إنَّ الشَّرْعَ أرادَ تَفْرِقَةَ ما بَيْنَ البابَيْنِ فَقالَ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، ثُمَّ قالَ: وامْسَحُوافَلَوْ كانا مُتَقارِبَيْنِ في المَعْنى لَمْ يَقْصِدْ إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما. (p-٤١)نَعَمْ، ورَدَ في بَعْضِ الأشْعارِ: ؎أعْلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا و: ؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا و: ؎أطْفَلَتْ بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباءَها ونِعامَها لِأنَّ العِلْمَ بِاقْتِرانِهِما أغْنى عَنِ التَّعَرُّضِ لِوَجْهِ الِاقْتِرانِ، فَأطْلَقَ اللَّفْظَ الواحِدَ عَلَيْهِما. وها هُنا ما أطْلَقَ اللَّفْظَ الواحِدَ عَلَيْهِما، فَإنَّهُ لَوْ أطْلَقَ لَفْظَ المَسْحِ عَلى المَغْسُولِ، لَأطْلَقَ لَفْظَ الغَسْلِ عَلى الجَمِيعِ إطْلاقًا واحِدًا ولَمْ يَرْجِعْ في الرُّءُوسِ إلى لَفْظِ المَسْحِ، فَإنْ تَقارَنَ ما بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ إنِ اقْتَضى إطْلاقُ لَفْظٍ واحِدٍ عَلَيْهِما، فَتَقارُنُ ما بَيْنِهِما يَقْتَضِي إطْلاقَ لِفْظِ الغَسْلِ عَلى الجَمِيعِ. ولَئِنْ قِيلَ: ذَكَرَ المَسْحَ لِإبانَةِ حُكْمٍ آخَرَ لا بُدَّ مِن إبانَتِهِ، فَلْيُفْرِدِ الأرْجُلَ بِبَيانِ حُكْمِها المُخْتَصِّ بِها وهو الغَسْلُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: نَحْنُ وإنْ سَلَّمْنا لَهم أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في المَسْحِ، فاحْتِمالُ الغَسْلِ قائِمٌ والَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ القَرائِنِ يُثْبِتُهُ، ومِن جُمْلَةِ القَرائِنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾، والبَلَلُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الماءِ في خُفِّ الماسِحِ، كَيْفَ يَمْتَدُّ إلى الكَعْبَيْنِ؟ وكَيْفَ يُمْكِنُهم ذَلِكَ ولا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ لا يَجِبُ مَدُّ الماءِ إلَيْهِ؟ فَإنْ ثَبَتَ خِلافُ الإجْماعِ، وصَحَّ «أنَّهُ ﷺ رَأى قَوْمًا تَلُوحُ أعْقابُهم لَمْ يُصِبْها الماءُ، فَقالَ: (p-٤٢)”ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ، أسْبِغُوا الوُضُوءَ“». وأمّا الكَعْبانِ: فَهُما العَظْمَتانِ النّاتِئَتانِ بَيْنَ مَفْصِلِ السّاقِ والقَدَمِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: هو مَفْصِلُ القَدَمِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ عَقْدُ الشِّراكِ عَلى ظَهْرِ القَدَمِ، وذَلِكَ لا يَقْوى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، ولَوْ كانَ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ واحِدٌ، لَقالَ: ”إلى الكَعْبِ“، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، إنَّما كانَ لِكُلِّ واحِدٍ قَلْبٌ واحِدٌ، وأضافَهُما إلَيْهِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، فَلَمّا أضافَهُما إلى الأرْجُلِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، دَلَّ عَلى أنَّ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ إضافَةِ الغَسْلِ إلى الرِّجْلِ يَمْنَعُ مَسْحَ الخُفِّ، إلّا أنَّ مَسْحَ الخُفِّ ورَدَ في الأخْبارِ، فَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا لِما في الكِتابِ بَلْ كانَ تَخْصِيصًا. الِاعْتِراضُ: أنَّ التَّخْصِيصَ إنَّما يَكُونُ في مُسَمَّياتٍ يُخَصَّصُ بَعْضُها ويَبْقى الباقِي عَلى مُوجَبِ الأصْلِ، فَإذا جَوَّزَ المَسْحَ، ثُمَّ مُطْلَقًا، فَأيْنَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ؟ وعِنْدَكم أنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ أبَدًا. فَأيْنَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، حَتّى يُقالَ: خَرَجَ مِنهُ البَعْضُ وبَقِيَ البَعْضُ؟ الجَوابُ: أنَّ مَعْنى التَّخْصِيصِ فِيهِ ظاهِرٌ، فَإنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ ثابِتٌ في حَقِّ الأكْثَرِ، والَّذِي يَمْسَحُ إنَّما يَمْسَحُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى الغَسْلِ فَيَغْسِلُ، ولا بُدَّ لِلْمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ مِن تَقْدِيمِ الطَّهارَةِ الكامِلَةِ حَتّى يَصِحَّ (p-٤٣)المَسْحُ، فَوُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ حاصِلٌ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ المُسَمَّياتِ، فَصَحَّ مَعْنى التَّخَصُّصِ. وهَذا بَيِّنٌ ظاهِرٌ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في أصْلِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، والمَسْحُ مَوْقُوفٌ فِيما سِوى المُدَّةِ، وجَبَ الرُّجُوعُ إلى الأصْلِ. ويُحْتَجُّ عَلى مَن جَوَّزَ مَسْحَ العِمامَةِ بِإيجابِ اللَّهِ تَعالى غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، فَإنَّ تَخْصِيصَهُ لا يَجُوزُ إلّا بِدَلِيلٍ. نَعَمْ؛ «مَسْحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِناصِيَتِهِ وعِمامَتِهِ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَلى جانِبِ عِمامَتِهِ. وفي بَعْضِها: وضَعَ يَدَهُ عَلى عِمامَتِهِ،» فَأخْبَرَ أنَّهُ بَعْدَ فِعْلِ المَفْرُوضِ مِن مَسْحِ النّاصِيَةِ مَسَحَ عَلى العِمامَةِ، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا. إذا ثَبَتَ هَذا فَظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ﴾ يَقْتَضِي الإجْزاءَ فَرَّقَ أوْ جَمَعَ ووالى عَلى ما هو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وهو مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ، فاعْتِبارُ المُوالاةِ يَقْتَضِي مِن دَلِيلٍ زائِدٍ، ولَيْسَ في الأمْرِ ما يَقْتَضِي الفَوْرَ، وتَرْتِيبَ بَعْضِ المَأْمُورِ عَلى البَعْضِ. ويُسْتَدَلُّ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا. وإذا ثَبَتَ أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ولا الجَمْعَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالزَّمانِ، فَإذا قالَ القائِلُ: رَأيْتُ زَيْدًا وعَمْرًا، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ رَآهُما في زَمانٍ واحِدٍ، أوْ في زَمانَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فالواوُ أجْنَبِيٌّ عَنِ اقْتِضاءِ هَذا المَعْنى، وإنَّما هو لِتَرْتِيبِ الأفْعالِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ. (p-٤٤)فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ إمْرارِ الماءِ عَلى الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ، ولَوْ قالَ صاحِبُ الشَّرِيعَةِ: أمِرُّوا الماءَ عَلى الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ؛ الوَجْهِ، واليَدَيْنِ، والرَّأْسِ، والرِّجْلَيْنِ، فَإذا أمَرَّ الماءَ عَلَيْها عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، خَرَجَ عَنْ مُقْتَضى الأمْرِ وكانَ مُمْتَثِلًا، ولَيْسَ يَجِبُ عَلى المَأْمُورِ إلّا ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الأمْرِ. إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ تُلْقِيا مِن إدْراجِ المَمْسُوحِ في تَضاعِيفِ المَغْسُولاتِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ قَصْدِ تَرْتِيبِ الأشْياءِ عَلى النَّسَقِ المَذْكُورِ، كَما قَرَّرْناهُ في مَسائِلِ الفِقْهِ. فَإنْ قِيلَ: فالأرْجُلُ مَعْطُوفَةٌ في المَعْنى عَلى الأيْدِي، وأنَّ مَعْناها: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم وأرْجُلَكم وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ، وإنَّما يُمْكِنُ رَدُّ الرِّجْلِ إلى اليَدِ عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ التَّرْتِيبِ. قُلْنا: هَذِهِ جَهالَةٌ، فَإنَّ الَّذِي قُلْتُمُوهُ تَرْتِيبٌ في المَعْنى ورَدَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإنْ حَصَلَ التَّرْتِيبُ مِن حَيْثُ الزَّمانُ، ولَوْ رُتِّبَ البَعْضُ عَلى البَعْضِ بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ لَكانَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مُمْكِنًا، ولا حاصِلَ لِما قالُوهُ. واسْتَنْبَطَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ مِن هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ الِاسْتِنْجاءَ لا يَجِبُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ كانَ الحَدَثُ مُضْمَرًا فِيهِ، وتَقْدِيرُهُ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ. وقالَ في نَسَقِ الآيَةِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ . فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِنَ المَذْكُورِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا أتى بِالمَذْكُورِ اسْتَباحَ الصَّلاةَ. (p-٤٥)أوْ قالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾، وهو كِنايَةٌ عَنِ الخارِجِ النَّجِسِ، ولَمْ يَقُلِ: اغْسِلُوا مَوْضِعَ الخارِجِ، وإنَّما قالَ: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم. فَيُقالُ لَهُمْ: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لَيْسَ يَدُلُّ عَلى ما اسْتَنْبَطْتُمُوهُ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ غَسْلِ ما لا يَظْهَرُ أثَرُ الخارِجِ في غَسْلِهِ، وهو أعْضاءُ الوُضُوءِ، فَأمّا إزالَةُ النَّجاساتِ عَنِ البَدَنِ والثَّوْبِ وغَيْرِهِما مِنَ المَواضِعِ النَّجِسَةِ، فَحُكْمُها مَأْخُوذٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، ولَيْسَ يَقْتَضِي بَيانُ حُكْمِ الوُضُوءِ بَيانَ حُكْمِ شَرائِطِ الصَّلاةِ كُلِّها، فَإنَّ الصَّلاةَ مَوْقُوفَةٌ إجْماعًا عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، ولا ذِكْرَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَوْقُوفَةٌ عَلى طَهارَةِ البَدَنِ والثَّوْبِ مِمّا فَوْقَ النَّجاسَةِ الَّتِي يُعْفِي عَنْها عَلى مَذْهَبِكُمْ، ولَمْ يَكُنِ السُّكُوتُ عَنْهُ مانِعًا عَدَمَ اشْتِراطِ السُّكُوتِ عَنْهُ في إجْزاءِ الفِعْلِ، فاعْلَمْهُ.* * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾: إنَّما سُمِّيَ جُنُبًا لِأجْلِ ما لَزِمَهُ مِنِ اجْتِنابِ أفْعالٍ بَيْنَها الشَّرْعُ. فالجَنابَةُ هي البُعْدُ والِاجْتِنابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] يَعْنِي: البَعِيدَ مِنهُ نَسَبًا، فَصارَتِ الجَنابَةُ في الشَّرْعِ اسْمًا لِلُزُومِ اجْتِنابِ ما وصَفْناهُ مِنَ الأُمُورِ. وأصْلُهُ: التَّباعُدُ عَنِ الشَّيْءِ، ثُمَّ لَيْسَ بِتَباعُدٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّما هو تُباعُدٌ مِن شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، مِثْلَ الصَّوْمِ؛ في الأصْلِ: عِبارَةٌ عَنِ الإمْساكِ ولَيْسَ الصَّوْمُ في الشَّرْعِ إمْساكًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إنَّما هو عَنْ شَيْءٍ دُونَ (p-٤٦)شَيْءٍ، وبَيانُ ذَلِكَ إلى الشَّرْعِ. ومُطْلَقُ اللَّفْظِ يَنْصَرِفُ إلى ما اسْتَقَرَّ عُرْفُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ. واسْتَنْبَطَ مَن أوْجَبَ المَضْمَضَةَ والِاسْتِنْشاقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ أنَّهُما فَرْضانِ عَلَيْهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ عُمُومٌ، وقَرَّرَ الرّازِيُّ هَذا في أحْكامِ القُرْآنِ، ثُمَّ وجَّهَ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا فَقالَ: إنْ قالَ قائِلٌ: مَنِ اغْتَسَلَ ولَمْ يَتَمَضْمَضْ ولَمْ يَسْتَنْشِقْ يُسَمّى مُتَطَهِّرًا، فَقَدْ فَعَلَ ما أوْجَبَتْهُ الآيَةُ؟ فَقالَ: إنَّما يَكُونُ مُطَهِّرًا لِبَعْضِ جَسَدِهِ، وعُمُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَطْهِيرَ الجَمِيعِ، فَلا يَكُونُ بِتَطْهِيرِ البَعْضِ فاعِلًا لِمُوجَبِ عُمُومِ اللَّفْظِ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] عُمُومٌ في سائِرِهِمْ، وإنْ كانَ الِاسْمُ يَتَناوَلُ ثَلاثَةً مِنهُمْ؟ فَكَذَلِكَ ما وصَفْناهُ. ولَمّا لَمْ يَجُزْ لِأحَدٍ أنْ يَقْتَصِرَ مِن حُكْمِ آيَةِ قِتالِ المُشْرِكِينَ عَلى ثَلاثَةٍ مِنهُمْ، لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُمْ، إذْ كانَ العُمُومُ شامِلًا لِلْجَمِيعِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ عُمُومٌ في سائِرِ البَدَنِ، فَلا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِهِ. فَهَذا ما ذَكَرَهُ سُؤالًا، واسْتِدْلالًا وانْفِصالًاوالَّذِي ذَكَرَهُ باطِلٌ عِنْدَنا قَطْعًا، فَإنَّ صِيَغَ جُمُوعِ الكَثْرَةِ حَقِيقَةٌ في الِاسْتِغْراقِ، فَهي فِيما دُونَهُ مَجازٌ، لِأنَّ الوَضْعَ الأصْلِيَّ فِيها الِاسْتِغْراقُ. فَأمّا قَوْلُهُ: تَطَهَّرَ فُلانٌ، فَلَيْسَ حَقِيقَةً في قَدْرٍ دُونَ قَدْرٍ، فَإذا غَسَلَ أيَّ مَوْضِعِ غَسْلٍ مِن بَدَنِهِ فَقَدْ تَطَهَّرَ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى مَوْضِعَ (p-٤٧)الطَّهارَةِ أصْلًا، لا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي عُمُومَ البَدَنِ، ولا بِلَفْظٍ يُخالِفُهُ، وإنَّما قالَ: ”فاطَّهَّرُوا“، ولَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ عُمُومًا أوْ خُصُوصًا، ولَكِنَّهُ لِإبانَةِ ما يُسَمّى اطِّهارًا، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: مَن غَسَلَ بَدَنَهُ جَمِيعَهُ إلّا داخِلَ الفَمِ والأنْفِ، فَلا يُقالُ لَهُ: اطَّهَّرَ حَقِيقَةً، وما جاءَ بِهِ لَيْسَ بِاطِّهارٍ حَقِيقَةً بَلْ لَفْظُ الِاطِّهارِ في هَذا القَدْرِ مَجازٌ، كَما أنَّ الِاسْتِغْراقَ فِيما دُونَهُ مَجازٌ وذَلِكَ يَتَبَيَّنُهُ العاقِلُ بِأوائِلِ النَّظَرِ في مِثْلِ ذَلِكَ. قالَ: إنَّ المَأْمُورَ خَرَجَ مِن مُوجَبِ الأمْرِ بِما يُسَمّى بِهِ مُتَطَهِّرًا. وقالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] يَقْتَضِي جَوازَها مَعَ تَرْكِها، لِوُقُوعِ اسْمِ المُغْتَسِلِ عَلَيْهِ، واسْمُ المُغْتَسِلِ حَقِيقَةٌ في حَقِّ مَن لَمْ يَتَمَضْمَضْ، واسْمُ المُتَطَهِّرِ حَقِيقَةٌ في حَقِّ مَن لَمْ يَتَمَضْمَضْ فَلا حاصِلَ لِقَوْلِهِ هَذا، فاعْلَمْهُ وثِقْ بِهِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾: فَهِمَ العُلَماءُ مِن قَوْلِهِ مَرْضى كَوْنَ المَرَضِ مُبِيحًا لِلتَّيَمُّمِ إذا كانَ في اسْتِعْمالِ الماءِ ضَرَرٌ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى ذَلِكَ، كانَ ذِكْرُ المَرَضِ لَغْوًا عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، ولَمْ يَفْهَمُوا مِن ذِكْرِ المُسافِرِ اعْتِبارَ السَّفَرِ فَقَطْ، بَلِ اعْتَبَرُوا عَدَمَ الماءِ، وإنْ كانَ عَدَمُهُ في حَقِّ غَيْرِ المُسافِرِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، لِأنَّ السَّفَرَ يَغْلِبُ فِيهِ عَدَمُ الماءِ، ويَنْدُرُ في الإقامَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكانَ لِلسَّفَرِ تَعَلُّقٌ بِعَدَمِ الماءِ، ولَيْسَ لِلْمَرَضِ تَعَلُّقٌ بِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ مِنهُ عَدَمُ الماءِ، وإنَّما فُهِمَ مِنهُ ما يُفْضِي إلَيْهِ المَرَضُ مِنَ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمالِ الماءِ. (p-٤٨)وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدَ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ المَرَضَ والسَّفَرَ مَعَ الإحْداثِ ذِكْرًا واحِدًا ولَيْسا حَدَثَيْنِ، فَلا جَرَمَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى الآيَةِ: فَأمّا زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ فَإنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا فَقالَ: تَقْدِيرُهُ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مِن نَوْمٍ، أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لَمَسْتُمُ النِّساءَ، فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ- إلى قَوْلِهِ: وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا ماءً. والَّذِي يَرُدُّ عَلى هَذا مِن الِاعْتِراضِ عَلى مُقْتَضى هَذا القَوْلِ: فَيَكُونُ ذاكِرًا بَعْضَ أسْبابِ الحَدَثِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرَ الحَدَثَ مُطْلَقًا، ويَكُونُ ذاكِرًا لِلْجَنابَةِ المُطْلَقَةِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ أسْبابِها ومُوجِباتِها، فَإنَّ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ يَقُولُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ”إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ مُطْلَقًا“، لِيَنْتَظِمَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾، فَإنَّهُ إذا ذَكَرَ أسْبابَ الحَدَثِ عِنْدَ وُجُودِ الماءِ، فَيُشْبِهُ أنْ يَذْكُرَ أسْبابَ الجَنابَةِ، وإنْ ذَكَرَ الحَدَثِ مُطْلَقًا، ذَكَرَ الجُنُبَ مُطْلَقًا، فَفِيما ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قَطَعَ الِانْتِظامَ مِن هَذا الوَجْهِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ تَمامَ الأحْداثِ، فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ وهو حَدَثٌ، ولا زَوالَ العَقْلِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، ولا مَسَّ الذَّكَرِ عِنْدَ قَوْمٍ، ولا خُرُوجَ الخارِجِ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ قَوْمٍ، فَهَذا يَرِدُ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ يُورِثُ رَكاكَةً في (p-٤٩)النَّظْمِ، واسْتِكْراهًا في النُّطْقِ، وحِيدًا عَنْ أحْسَنِ الجِهاتِ في البَيانِ، وإنَّما يَجُوزُ لِضَرُورَةٍ تَدْعُوهُ إلَيْهِ. وعِنْدَ ذَلِكَ قالَ آخَرُونَ: الدّاعِي إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أنَّهُ عَدَّ المَرَضَ والسَّفَرَ مَعَدَّ الأحْداثِ، ونَحْنُ نُقَدِّرُ تَقْدِيرًا آخَرَ لِيَزُولَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾: مَعْناهُ: وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا، فَقَدْ بَيَّنَ السَّبَبَيْنِ الأصْلِيَّيْنِ لِلطَّهارَتَيْنِ الصُّغْرى والكُبْرى، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ مَعْناهُ: وجاءَ، وقَدْ ورَدَ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى المَرَضِ والسَّفَرِ إذا كانا مُحْدَثَيْنِ ولَزِمَهُما، وجَعَلَ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وفي إشْعارِ العَرَبِ مَوْجُودٌ. إلّا أنَّ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ أنّا إذا قُلْنا إنَّ مَعْنى أوَّلِ الآيَةِ: ”إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ“، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ فَقَوْلُهُ: ( إنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ ) يُظْهِرُ رُجُوعَهُ إلَيْهِما ولا مَعْنى لِذِكْرِ المَجِيءِ مِنَ الغائِطِ ولَمْسِ النِّساءِ، فَإنَّ الحَدَثَ المُطْلَقَ الجَنابَةُ المُطْلَقَةُ تَشْمَلُهُما، وما سِواهُما فَلَيْسَ لِذِكْرِهِما فائِدَةٌ، فَفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّقْرِيرَيْنِ نَوْعُ اعْتِراضٍ وبُعْدٍ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِنَ الآيَةِ. * * * قَوْلُهُ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ حَمَلَهُ قَوْمٌ عَلى الجِماعِ، وقَوْمٌ عَلى الجَسِّ بِاليَدِ. (p-٥٠)فَأمّا قِراءَةُ اللَّمْسِ فَظاهِرَةٌ في الجَسِّ والمُلامَسَةِ، مِن حَيْثُ إنَّها عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ، ويُقالُ: اسْتِعْمالُها في الجَسِّ بِاليَدِ، تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّها بِمَعْنى الجِماعِ، وكَيْفَ ما قَدَّرَ أمْكَنَ أنْ يَعْمَلَ بِالقَرائِنِ. وتُجْعَلُ القَرائِنُ كالِاثْنَيْنِ فَيَعْمَلُ بِهِما جَمْعًا، أوْ يَجْعَلُ اللَّمْسَ مَحْمُولًا عَلى الجَسِّ بِاليَدِ وعَلى الجِماعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ غالِبًا، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في هَذا فِيما تَقَدَّمَ فَلا نُعِيدُهُ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً، فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ المَرْضى فَقالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ فَلا بُدَّ أنْ يَرْجِعَ الشَّرْطُ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَدَمُ الماءِ لَيْسَ مُعْتَبَرًا حَقِيقَةً في حَقِّ المَرِيضِ، فَيَدُلُّ مَعْنى الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عَنى بِالمَوْجُودِ إمْكانَ اسْتِعْمالِ الماءِ وإنْ كانَ واجِدًا لِلْماءِ صُورَةً، ولَكِنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ، فَإنّا لَوْ لَمْ نُقَدِّرْ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَقِمْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ عائِدًا إلى المَرْضى، وذَلِكَ خِلافَ الإجْماعِ والنَّظْمِ. وإذا كانَ مَعْنى الوُجُودِ إمْكانَ الِاسْتِعْمالِ شَرْعًا وطَبْعًا، ولَوْ كانَ الماءُ عِنْدَهُ ودِيعَةً، فَلَيْسَ واجِدًا لِلْماءِ شَرْعًا، وإنْ كانَ في اسْتِعْمالِهِ التَّلَفُ فَلَيْسَ واجِدًا لِلْماءِ شَرْعًا. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إذَنْ أُرِيدَ بِهِ وُجُودًا لا يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا ظاهِرًا، وإذا بِيعَ بِثَمَنٍ أكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَدادُهُ. واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في مَن وجَدَ مِنَ الماءِ ما لا يَكْفِي لِتَمامِ طَهارَتِهِ: (p-٥١)فَفِي قَوْلِ: يَتَيَمَّمُ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَرْضَهُ الشَّيْئَيْنِ: إمّا الماءَ وإمّا التُّرابَ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الماءُ مُغْنِيًا عَنِ التَّيَمُّمِ كانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ شَرْعًا. وعَلى القَوْلِ الآخَرِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الماءَ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يَجِدَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الماءِ جُمْلَةً، وإذا وجَدَ مِنَ الماءِ ما لا يَكْفِيهِ فَقَدْ وجَدَ الماءَ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ التَّيَمُّمِ. فَإذا اسْتَعْمَلَهُ وفَقَدَ الماءَ، تَيَمَّمَ لِما لَمْ يَجِدْ. واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ فِيما إذا نَسِيَ الماءَ في رَحْلِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ، والصَّحِيحُ أنَّهُ يُعِيدُ، لِأنَّهُ إذا كانَ الماءُ عِنْدَهُ فَهو واجِدٌ، لَكِنَّهُ لا يَدْرِي أنَّهُ واجِدٌ، وأنَّ الشَّيْءَ عِنْدَهُ، والكَلامُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ عِنْدَ إنْسانٍ شَيْءٌ فَذَلِكَ الشَّيْءُ هو مَوْجُودٌ عِنْدَهُ، وإذا كانَ مَوْجُودًا فَهو واجِدٌ لِلْمَوْجُودِ إذْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ ولَيْسَ بِواجِدٍ لَهُ، إلّا أنَّهُ نَسِيَ أنَّهُ واجِدٌ لَهُ. والقائِلُ الآخَرُ يَقُولُ: إذا لَمْ يَعْلَمْهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ يَقُولُ: كانَ عِنْدِي ولَمْ أجِدْهُ، وقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ في دارِ رَجُلٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ وجَدْتَهُ أمْ لا؟ فَيَقُولُ: وجَدْتُهُ أوْ ما وجَدْتُهُ، فَإذا نَسِيَهُ في رَحْلِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ. فَيُقالُ: هَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ إنْ لَوْ طَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وعِنْدَنا لَوْ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ كانَ مَقْدُورًا، إلّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الرَّحْلِ، فَيَطْلُبُ مِنَ الرَّحْلِ فَلا يَجِدُهُ، والطَّلَبُ مِنَ الرَّحْلِ شَرْطٌ، حَتّى يُقالَ لِمَن طَلَبَ ولَمْ يَجِدْ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْ، والشّافِعِيُّ أوْجَبَ طَلَبَ الماءِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ: لَمْ أجِدْ إلّا إذا طَلَبَ، وإذا لَمْ يَطْلُبْ في مَظِنَّةِ الماءِ فَلا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: لَمْ أجِدْ. (p-٥٢)نَعَمْ؛ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: وجَدَ فُلانٌ لُقَطَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبَها، إنَّما لا يُقالُ: لَمْ يَجِدْ إلّا إذا طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ. وهَذا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أنَّ الواحِدَ مِنّا قَدْ يَقُولُ: أنا لا أجِدُ ما أتَوَصَّلُ بِهِ إلى كَذا، أوْ لَمْ أجِدْ أمْرَ فُلانٍ مُسْتَقِيمًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] . وإذا كانَ لَفْظُ الوُجُودِ لا يَقْتَضِي الطَّلَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] . ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] . لا أنَّهم طَلَبُوا، ولا أنَّهُ يُمْكِنُ الطَّلَبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِالطَّلَبِ. وإنْ كانَ قَدْ يُجابُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى طَلَبَ مِنهُمُ الثَّباتَ عَلى العَهْدِ، والطَّلَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو الأمْرُ بِهِ، فَيَصِحُّ إطْلاقُ قَوْلِهِ: ﴿وما وجَدْنا﴾ [الأعراف: ١٠٢]، لِأنَّهُ يَطْلُبُ مِنهم ما قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ. وإذا قالَ القائِلُ: فُلانٌ لا يَجِدُ ألْفَ دِينارٍ، فَمَعْناهُ: أنَّهُ لا يَتَّسِعُ طَلَبُهُ لَهُ، وإنْ تَمَحَّلَ وطَلَبَ.وعَلى الجُمْلَةِ لَوْ قَطَعْنا بِأنْ لا ماءَ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ حَتّى يَظْهَرَ عَدَمُ الماءِ في المَصادِرِ، ولَوْ ظَهَرَ وُجُودُهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، حَتّى يَجِبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ مِنَ الرُّفْقَةِ وفي مَواضِعِ إمارَةِ الماءِ. (p-٥٣)ورُبَّما نُسَلِّمُ لَهم إذا غَلَبَ الظَّنُّ بِعَدَمِ الماءِ، وهم يُسَلِّمُونَ لَنا إذا لَمْ يَبْعُدْ وُجُودُ الماءِ، فَيَرْتَفِعَ الخِلافُ. وفِي أصْحابِنا مَن يَقُولُ: إذا لَمْ يُتَيَقَّنْ عَدَمُ الماءِ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ، لِأنَّ عَدَمَ الماءِ شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا بُدَّ مِن تَيَقُّنِهِ. وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّهُ وإنْ طَلَبَ وبالَغَ فَلا يَحْصُلُ التَّيَقُّنُ مِن مَن عَدِمَ الماءَ وإنَّما يَحْصُلُ الظَّنُّ الغالِبُ، فَأمّا اليَقِينُ فَغَيْرُ مَظْفُورٍ بِهِ، وفي الوَقْتِ أمْكَنَ انْتِظارُ اليَقِينِ، فافْتَرَقا لِذَلِكَ. وإذا خافَ في الِاسْتِعْمالِ بِالوُضُوءِ فَواتَ الوَقْتِ، لَمْ يَتَيَمَّمْ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، ومالِكٌ يُجَوِّزُ التَّيَمُّمَ في مِثْلِ ذَلِكَ. ولِلشّافِعِيِّ مَسائِلُ تَدُلُّ عَلى ما يُقارِبُ مَذْهَبَ مالِكٍ، واسْتَقْصَيْناها في المَذْهَبِ. والَّذِي لا يَجُوزُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهَذا واجِدٌ، فَقَدَ عَدِمَ شَرْطَ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ فَلا يَتَيَمَّمُ. والقائِلُ الآخَرُ يَقُولُ: ما جازَ التَّيَمُّمُ في الأصْلِ إلّا لِحِفْظِ وقْتِ الصَّلاةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَوَجَبَ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى حِينِ وُجُودِ الماءِ. فَيُقالُ: ولَكِنْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إلّا أنَّ السَّفَرَ يَكْثُرُ وإعْوازُ الماءِ فِيهِ يَغْلِبُ، فَلَوْ جازَ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى حِينِ وُجُودِ الماءِ، تَكاسَلَ النّاسُ عَنْ إعادَةِ الصَّلاةِ، فَأُوجِبَتِ الصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ تَمْرِينًا عَلَيْهِ. وهَذا لا يَتَحَقَّقُ فِيما إذا كانَ فَوْتُ الصَّلاةِ نادِرًا في حالَةٍ خاصَّةٍ فاعْلَمْهُ. فَإنْ قِيلَ: جازَتْ صَلاةُ الخائِفِ لِأجْلِ الوَقْتِ مَعَ نُدُورِ الخَوْفِ. (p-٥٤)ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هُناكَ وُجِدَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلاةِ وهو الخَوْفُ، وهاهُنا عَدَمُ الشَّرْطِ وهو العَدَمُ. وقَدْ قِيلَ في حَقِّ المُسافِرِ والخائِفِ ما أُبِيحَ التَّيَمُّمُ، لِئَلّا يَفُوتَ الوَقْتُ، ولِذَلِكَ جازَ في أوَّلِ الوَقْتِ. فَيُقالُ: جَوازُهُ في أوَّلِ الوَقْتِ لا يُنافِي ما قُلْناهُ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ في أوَّلِ الوَقْتِ لَمْ يَجُزْ في وسَطِ الوَقْتِ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى قَدْرٍ يَنْطَبِقُ عَلى فِعْلِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ عُسْرٌ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَلَمْ يُمْكِنِ اعْتِبارُهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَسْتَقِيمُ لِأبِي حَنِيفَةَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَواتِ صَلاةِ الجِنازَةِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ وهو واجِدٌ. والثّانِي: أنَّهُ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ قَبْلَ الوَقْتِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تُعْتَبَرُ الحاجَةُ. واخْتَلَفَ في مَن حُبِسَ في حَبْسٍ؛ لا يَقْدِرُ عَلى ماءٍ ولا تُرابٍ نَظِيفٍ، فالشّافِعِيُّ يَقُولُ: يُصَلِّي ويُعِيدُ. وأبُو حَنِيفَةَ وزَفَرُ ومُحَمَّدٌ يَقُولُونَ: لا يُصَلِّي أصْلًا حَتّى يَقْدِرَ عَلى الماءِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى التَّيَمُّمَ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّلاةِ أوِ الوُضُوءِ، فَإذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِما فَرُبَّما يَقُولُ القائِلُ: إذا لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الشَّيْءِ لَمْ يَثْبُتِ المَشْرُوطُ دُونَهُ، ولَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ في حَقٍّ مِن عَدَمِ الماءِ والتُّرابِ، فَلا جَرَمَ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُصَلِّي لِعَدَمِ شَرْطِ العِبادَةِ. وقالَ المُزْنِيُّ: يُصَلِّي لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما أُرِيدَ في هَذا المَوْضِعِ لِتَكْمِلَةِ المَشْرُوطِ ولِحُسْنِ نِظامِهِ، لا لِأنَّهُ شَرْطٌ لِعَيْنِهِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَزِدْ (p-٥٥)رُتْبَتُهُ عَلى رُتْبَةِ الأرْكانِ، والعَجُزُ عَنْ بَعْضِ الأرْكانِ لا يُسْقِطُ القَدْرَ المَقْدُورَ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ها هُنا فَعَلى هَذا يُصَلِّي ولا يُعِيدُ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: أمّا الَّذِي ذَكَرَهُ المُزْنِيُّ مِن أنَّهُ يُصَلِّي فَصَحَّ، ولَكِنَّهُ يُصَلِّي مُراعاةً لِحَقِّ الوَقْتِ مَعَ العَجْزِ عَنْ كَمالِهِ، فَإذا قَدَرَ عَلى الكَمالِ وجَبَ الإتْيانُ بِهِ. وهَذا القِياسُ كانَ يَقْتَضِي مِثْلَهُ في تَرْكِ بَعْضِ الأرْكانِ في حَقِّ المَرِيضِ، أوْ تَرْكِ الوُضُوءِ في حَقِّ المُسافِرِ، إلّا أنَّ تِلْكَ الأعْذارَ عامَّةٌ، ويَكْثُرُ وُقُوعُها، فَتَكْلِيفُ القَضاءِ يَجُرُّ حَرَجًا. وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في مَسائِلِ الخِلافِ. وقَدِ احْتَجَّ المُزْنِيُّ بِما «رَوى في قِلادَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها حِينَ ضَلَّتْ، وأنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ نَدَبَهم لِطَلَبِ القِلادَةِ، صَلَّوْا بِلا وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ» . والتَّيَمُّمُ إذا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا فَقَدْ صَلَّوْا بِلا طَهارَةٍ أصْلًا، ومِنهُ قالَ المُزْنِيُّ: لا إعادَةَ، وهو نَصٌّ في جَوازِ الصَّلاةِ مَعَ عَدَمِ الطَّهارَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْها. فَإنْ قِيلَ: جَوازُ الصَّلاةِ كانَ لِعَدَمِ الماءِ، مِن حَيْثُ لا بَدَلَ لَهُ كالتُّرابِ الَّذِي لا بَدَلَ لَهُ الآنَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ، والشّافِعِيُّ لا يُجَوِّزُهُ، فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَنا: ”فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا“، ظَهَرَ مِنهُ إجْزاءُ التَّيَمُّمِ بِالحاجَةِ، ولا حاجَةَ قَبْلَ الوَقْتِ، وعَلى هَذا لا يُصَلِّي فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ واحِدٍ، والمَسْألَتانِ اسْتَقْصَيْناهُما في عِلْمِ الخِلافِ، وأصْلُهُما كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وهو تَقْيِيدُ التَّيَمُّمِ بِوَقْتِ الحاجَةِ والضَّرُورَةِ وهَذا بَيِّنٌ. (p-٥٦)ولَمّا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ جَعَلَ وُجُوبَ الطَّهارَةِ لِلْقِيامِ إلى الصَّلاةِ، وتَقْدِيرُهُ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، فَإذا شَرَعَ في الصَّلاةِ بِالتَّيَمُّمِ وصَحَّ الشُّرُوعُ ثُمَّ وجَدَ الماءَ، فَلَيْسَ هو قائِمًا إلى الصَّلاةِ، فَلا يَتَناوَلُهُ الأمْرُ بِالطَّهارَةِ. وتَتِمَّةُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنهُ أداءُ ما شَرَعَ فِيهِ، ومَتى صَحَّ مِنهُ أداءُ ما شَرَعَ فِيهِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ التَّيَمُّمُ شَرْطًا لِبَعْضِ الصَّلاةِ، فَإنَّ كَوْنَ التَّيَمُّمِ شَرْطًا لِبَعْضِ الصَّلاةِ لا يَتَحَقَّقُ مَعْناهُ، مَعَ أنَّ المَشْرُوطَ لا بَعْضَ لَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ شَرْطًا لِلْجَمِيعِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ البَعْضِ، فَإذا حَكَمْنا بِصِحَّةِ البَعْضِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ التَّيَمُّمَ لا بَعْضَ لَهُ، اقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ التَّيَمُّمِ شَرْطًا لِصِحَّةِ جَمِيعِ الصَّلاةِ، وخُرُوجَ الوُضُوءِ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا في حالَةِ كَوْنِ التَّيَمُّمِ شَرْطًا. ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ كَوْنَ التَّيَمُّمِ شَرْطًا مَوْقُوفٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَتْ صِحَّةُ الصَّلاةِ مَوْقُوفَةً، وهي صَحِيحَةٌ قَطْعًا بِلا وقْفٍ. وإنْ هم قالُوا: إذا وقَعَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَجِدَ الماءَ في خِلالِ الصَّلاةِ لَمْ تَكُنِ الصَّلاةُ صَحِيحَةً مِنَ الأوَّلِ، فَهَذا باطِلٌ، فَإنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى مَبْنِيٌّ عَلى وُجُودِ سَبَبِهِ، وعَلى تَوافُرِ شَرائِطِهِ، وقَدْ تَوافَرَتْ شَرائِطُ الصِّحَّةِ في أوَّلِ الصَّلاةِ، فَلا يُمْكِنُ الحُكْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ. فَإنْ قِيلَ: فَإذا تَخَرَّقَ الخُفُّ أوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، ألَيْسَ تَبْطُلُ الصَّلاةُ، مَعَ أنَّ القَدْرَ الَّذِي وقَعَ الشُّرُوعُ فِيهِ كانَ صَحِيحًا؟ والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ سَبَبُهُ أنَّ الحُكْمَ بِالصِّحَّةِ عَلى تَقْدِيرِ تَوافُرِ الشَّرائِطِ، وجَعَلْنا التَّيَمُّمَ شَرْطًا لِصِحَّةِ جُمْلَةِ الصَّلاةِ، ولِأنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ البَعْضِ، ولَيْسَ في حَقِّ الماسِحِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهُ جُعِلَ شَرْطًا (p-٥٧)لِلصَّلاةِ بَدَلًا عَمّا فاتَ، فَإنَّ الخُفَّ لا بَدَلَ لَهُ، والخُفُّ شَرْطٌ لِجَمِيعِ الصَّلاةِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَمْ تَصِحَّ، وها هُنا التَّيَمُّمُ هو الشَّرْطُ وقَدْ وُجِدَ، فَهَذا تَمامُ ما أرَدْنا بَيانَهُ مِن ذَلِكَ. وأبْعَدَ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ في أحْكامِ القُرْآنِ فَقالَ: كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فَإنَّما أباحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ مِن ماءٍ، لِأنَّهُ لَفْظٌ مُنْكِرٌ يَتَناوَلُ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ، سَواءٌ كانَ مُخالِطًا لِغَيْرِهِ أوْ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ، ولا يُمْنَعُ أحَدٌ أنْ يَقُولَ في نَبِيذِ التَّمْرِ ماءً، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ بِالظّاهِرِ. وهَذا جَهالَةٌ مُفْرِطَةٌ، فَإنَّ إطْلاقَ اسْمِ الماءِ لا يَنْصَرِفُ إلى النَّبِيذِ، ولا حاجَةَ فِيهِ إلى إطْنابٍ، وتَقْدِيرُ اشْتِمالِ اسْمِ الماءِ عَلَيْهِ كَتَقْدِيرِ اشْتِمالِهِ عَلى كُلِّ مَرَقَةٍ ونَبِيذٍ في الدُّنْيا، وذَلِكَ جَهْلٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَدَخَلَ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الماءِ، ولَوْ دَخَلَ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الماءِ لَمْ يَتَرَتَّبْ ماءٌ عَلى ماءٍ. وقَدْ قُلْتُمْ: لا يَتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ مَعَ وُجُودِ الماءِ، فَهَذا ما أرَدْنا بَيانَهُ مِن هَذا المَعْنى. ووَجَبَ التَّيَمُّمُ إلى المِرْفَقَيْنِ مِثْلَ الوُضُوءِ، لِأنَّ اسْمَ اليَدِ شامِلٌ لِلْعُضْوِ إلى المَنكِبِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الكَلامِ عَلَيْهِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: يَقْتَضِي اخْتِلافَ الفُقَهاءِ في ما يُتَيَمَّمُ بِهِ. فَقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ إلّا بِالتُّرابِ الطّاهِرِ، أوِ الرَّمْلِ الَّذِي يُخالِطُهُ التُّرابُ. وأبُو يُوسُفَ يَضُمُّ إلَيْهِ الرَّمْلَ الَّذِي لا تُرابَ فِيهِ. (p-٥٨)وأبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِالنَّوْرَةِ والزَّرْنِيخِ. وقالَ مالِكٌ: يَتَيَمَّمُ بِالحَصا والحَبَلِ، وإنْ تَيَمَّمَ بِالثَّلْجِ ولَمْ يَصِلْ إلى أرْضٍ أجْزَأهُ، وكَذَلِكَ الحَشِيشُ إذا كانَ مُمْتَدًّا. واشْتَرَطَ الشّافِعِيُّ أنْ يَعْلَقَ التُّرابُ بِاليَدِ فَيُتَيَمَّمُ بِهِ نَقْلًا إلى أعْضاءِ التَّيَمُّمِ، كالماءِ يُنْقَلُ إلى الأعْضاءِ، أيْ: أعْضاءُ الوُضُوءِ. ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَ الصَّعِيدِ لَيْسَ نَصًّا فِيما قالَهُ الشّافِعِيُّ، إلّا أنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرابُها طَهُورًا»، يُبَيِّنُ ذَلِكَ. واسْتَنْبَطَ الرّازِيُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ أنَّ الباءَ لَمّا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ، وجَبَ بِحُكْمِ الظّاهِرِ جَوازُ مَسْحِ بَعْضِ الوَجْهِ، مِثْلَ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ . والَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَإنَّ الباءَ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولَوْ طافَ بِبَعْضِ البَيْتِ لَمْ يَجُزْ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنّا لَمْ نُرِدْ تَكْلِيفَكم لِنَشُقَّ عَلَيْكُمْ، وإنَّما أرَدْنا بِتَكْلِيفِكُمُ اللُّطْفَ بِكم في مَحْوِ سَيِّئاتِكم وتَطْهِيرِكم مِن ذُنُوبِكُمْ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (p-٥٩)«”إذا تَوَضَّأ العَبْدُ فَغَسَلَ وجْهَهُ خَرَجَتْ خَطاياهُ وذُنُوبُهُ مِن وجْهِهِ، وإذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ ذُنُوبُهُ مِن يَدَيْهِ“ إلى آخِرِهِ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] إنَّما أرادَ بِهِ التَّطْهِيرَ مِنَ الذُّنُوبِ، ويَحْتَمِلُ التَّطْهِيرَ مِنَ الأحْداثِ والجَنابَةِ. فَكانَّهُ قالَ: هَذِهِ الأفْعالُ لَيْسَتْ واجِبَةً لِذَواتِها، وإنَّما هي لِمَقْصُودٍ، وهو حُصُولُ الطَّهارَةِ عَنِ الأحْداثِ بِها فَهو المَقْصُودُ والمَغْزى. وهَذا يَضْعُفُ مِن وجْهٍ، فَإنَّ الطَّهارَةَ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَتْ غَرَضًا لِلْخَلْقِ، حَتّى يُقالَ ما أرَدْنا تَضْعِيفَ الأمْرِ عَلَيْكُمْ، إنَّما أرَدْنا كَذا، فَلَيْسَتِ الجَنابَةُ نَجاسَةً مُنْكِرَةً في الطَّبْعِ، وإنَّما اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: طَهِّرُوا أنْفُسَكُمْ، فَسَمّى الوُضُوءَ طَهارَةً، وإنَّما صارَ طَهارَةً بِالشَّرْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ . يَجِبُ أنْ يُفِيدَ مَقْصُودًا لِلْعَبْدِ، لِيَكُونَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ المَقْصُودِ نَفْيُ الحَرَجِ، وجَعَلَ الحَدَثَ نَجاسَةٌ واجِبًا إزالَتُها، لَيْسَ بِنَفْيِ الحَرَجِ ولا يُحَقِّقُ لِلْعَبْدِ مَقْصُودًا، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْنُ الوُضُوءِ مَشْرُوعًا عِبادَةً لِدَحْضِ الآثامِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي افْتِقارَهُ إلى النِّيَّةِ، لِأنَّهُ شُرِعَ لِمَحْوِ الإثْمِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ”لِيُطَهِّرَكُمْ“ أيْ: لِيُحَقِّقَ نَظافَتَكم عاجِلًا، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، فَإنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِبَ التَّيَمُّمِ، وهو لا يُحَقِّقُ هَذا المَعْنى، إذْ (p-٦٠)لَيْسَتِ النَّظافَةُ في الوُضُوءِ ظاهِرَةً لِلْخَلْقِ ظُهُورًا يُقالُ إنَّ الشَّرْعَ أمَرَ بِها لِأجْلِ ذَلِكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب