الباحث القرآني

(p-٤٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ الآيَةُ . اخْتَلَفَ النّاسُ في المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ. فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ”إنَّهُ السُّلْطانُ الَّذِي يَتَرافَعانِ إلَيْهِ“. وقالَ السُّدِّيُّ: الرَّجُلُ والمَرْأةُ. قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والَّذِي يُشْبِهُ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ فِيما عَمَّ الزَّوْجَيْنِ مَعًا حَتّى يَشْتَبِهَ فِيهِ حالاتُهُما، وذَلِكَ أنِّي وجَدْتُ اللَّهَ تَعالى أذِنَ في نُشُوزِ الزَّوْجِ بِأنْ يَصْطَلِحا، وسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، وسَنَّ في نُشُوزِ المَرْأةِ بِالضَّرْبِ، وأذِنَ في خَوْفِها أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ بِالخُلْعِ، وذَلِكَ شَبِيهٌ أنْ يَكُونَ بِرِضا المَرْأةِ، وحَظَرَ أنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِمّا أعْطى شَيْئًا، إذا أرادَ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ، فَلَمّا أمِنَ فِيمَن خِفْنا الشِّقاقَ بَيْنَهُما بِالحَكَمَيْنِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُكْمَهُما غَيْرُ حُكْمِ الأزْواجِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ بَعَثَ حَكَمًا مِن أهْلِهِ، وحَكَمًا مِن أهْلِها، ولا يَبْعَثُ الحَكَمَيْنِ إلّا مَأْمُونِينَ بِرِضا الزَّوْجَيْنِ، ويُوكِلُهُما الزَّوْجانِ بِأنْ يَجْمَعا أوْ يُفَرِّقا إذا رَأيا ذَلِكَ، ووَجَدْنا حَدِيثًا بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَكَمَيْنِ وكِيلانِ لِلزَّوْجَيْنِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وهو أصَحُّ المَذاهِبِ لِلشّافِعِيِّ، وإنْ حُكِي عَنِ الشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ عَلى مُوافَقَةِ مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو أنَّ الحَكَمَيْنِ يَنْفَرِدانِ دُونَ رِضا الزَّوْجَيْنِ إذا رَأيا ذَلِكَ، وهو بَعِيدٌ، فَإنَّ إقْرارَ الزَّوْجِ بِالظُّلْمِ لا (p-٤٥٢)يُنافِي النِّكاحَ، ولا ظُلْمُ المَرْأةِ مُنافٍ لِذَلِكَ، والظُّلْمُ إذا ظَهَرَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ، وجَبَ دَفْعُهُ بِطَرِيقَةٍ، فَأمّا أنْ يَكُونَ ظُهُورُ ظُلْمِ الظّالِمِ بَيْنَهُما لِلْحَكَمَيْنِ طَرِيقًا إلى دَفْعِ النِّكاحِ دُونَ رِضا الزَّوْجَيْنِ فَلا، ولَيْسَ يَزِيدُ ظُهُورُ ذَلِكَ ظُلْمًا عَلى إقْرارِ الزَّوْجِ أوِ الزَّوْجَةِ بِالظُّلْمِ. نَعَمْ قَدْ يَقُولُ القائِلُ: إذا اسْتَمَرَّتِ الوَحْشَةُ، فَلا وجْهَ لِتَبْقِيَةِ الخُصُومَةِ ناشِبَةً بَيْنَهُما، فاشْتِباهُ الحالِ في ذَلِكَ، كاشْتِباهِ الحالِ في المُتَبايِعِينَ إذا تَخالَفا. وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّهُما إذا تَخالَفا فَلا يَتَصَوَّرُ بَقاءَ العَقْدِ عَلى نَعْتِ الِاخْتِلافِ لِيَكُونَ العَقْدُ عَلى وضْعَيْنِ مُتَضادَّيْنِ، وها هُنا لا شَيْءَ يُوجِبُ مَنعَ بَقاءِ العَقْدِ، وخَلَلًا في مَعْنى العَقْدِ، إنَّما يَظْهَرُ مِن أحَدِهِما ظُلْمٌ فَيَدْفَعُهُ الحاكِمُ فَأمّا فَسْخُ النِّكاحِ فَلا، ولَيْسَ كالإيلاءِ، فَإنَّ هُناكَ رَجَعَ النَّعْتُ إلى المَقْصُودِ وهو الِاسْتِمْتاعُ. وبِالجُمْلَةِ إنْ كانَ لِلْقَوْلِ الآخَرِ وجْهٌ، فَمِن حَيْثُ وُقُوعُ الخَلَلِ في السَّكَنِ المَقْصُودِ بِالنِّكاحِ، لِاسْتِمْرارِ الخُصُومَةِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا قَرِيبًا مِنَ الإيلاءِ، وقَدْ قالَ مالِكٌ: ولِلْحَكَمَيْنِ أنْ يُخالِعانِها دُونَ رِضاها، وهَذا بِعِيدٌ، فَإنَّ الحاكِمَ لا يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ الحَكَمانِ؟ .نَعَمْ سُمِّيا حَكَمَيْنِ -وإنْ كانَ الوَكِيلُ لا يُسَمّى حَكَمًا- لِأنَّهُ أشْبَهَ فِعْلَهُما، فَهُما يَجْتَهِدانِ ويَتَحَرَّيانِ الصَّلاحَ في إنْفاذِ القَضايا بِالعَدْلِ، إذا وكَّلا بِذَلِكَ مِن جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ، وما قَضى بِهِ الحَكَمانِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ (p-٤٥٣)ولَكِنْ بِرِضا الزَّوْجَيْنِ لا دُونَ رِضاهُما، واللَّهُ تَعالى إذا رَأيْناهُ يَقُولُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . فَكَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ جَوازُ الخَلْعِ دُونَ رِضا الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ حَظَرَ الشَّرْعُ أخْذَ شَيْءٍ مِنها دُونَ شَرِيطَةِ الخَوْفِ. ودَلَّتِ الآياتُ المُطْلَقَةُ، عَلى أنْ لا يَحِلَّ أكْلُ المالِ إلّا أنْ يَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم. ودَلَّ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ، عَلى «أنَّهُ لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ». وفِي رِوايَةٍ: بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب