الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ الآيَةَ.
رَوى إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا إذا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضَعُوا مَفاتِيحَهم مَعَ الأعْمى والأعْرَجِ وعِنْدَ الأقارِبِ، وكانُوا يَأْمُرُونَهم بِأنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ إذا احْتاجُوا إلى ذَلِكَ، وكانُوا يَتَّقُونَ الأكْلَ خَشْيَةَ أنْ لا تَكُونَ أنْفُسُهم بِذَلِكَ طَيِّبَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
(p-٣٢٣)ورَوى أيْضًا أنَّهم كانُوا إذا اجْتَمَعُوا لِلْأكْلِ، عَزَلُوا الأعْمى والأعْرَجَ والمَرِيضَ كَراهَةَ أنْ يُصِيبُوا مِنَ الطَّعامِ ما يُصِيبُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ المُرادَ بِهِ رَفْعُ الحَرَجِ عَنِ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ في بابِ الجِهادِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَقَدْ كانَ أحَدُهم لا يَحْلِبُ ناقَةً إلّا أنْ يَجِدَ مَن يَشْرَبُ مِن لَبَنِها، ولا يَأْكُلَ في بَيْتِ أحَدٍ تَكَرُّمًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الأكْثَرُونَ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ رُخْصَةً في الأوَّلِ، وأباحَ تَعالى الأكْلَ مِن مالِ مَن ذَكَرَهُ، وأباحَ أنْ يَأْكُلُوا مِنَ البُيُوتِ الَّتِي مَفاتِيحُها في أيْدِيهِمْ، وبُيُوتِ أصْدِقائِهِمْ دُونَ إذْنٍ، حَضَرُوا أمْ غابُوا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِما ظَهَرَ في الشَّرْعِ، مِن أنَّهُ لا يَحِلُّ مالُ أحَدٍ إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقَدْ كانَ في أزْواجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن كانَ لَهُنَّ الآباءُ والإخْوانُ، فَلَمّا عَمَّ بِالنَّهْيِ عُلِمَ بِهِ النَّسَخُ.
فَإنْ قِيلَ: فَما الَّذِي يَلِيقُ بِالظّاهِرِ؟ فَجَوابُنا أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ، إلّا ما يَتَّصِلُ بِالأداءِ، لِأنَّهُ رُفِعَ الحَرَجُ والجُناحُ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا مَخْصُوصًا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ الأمْرِ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن (p-٣٢٤)بُيُوتِكُمْ﴾، فَلَعَلَّ الأوْلى مِنَ الأقْوالِ أنَّهُ ورَدَ فِيمَن كانَ يَأْذَنُ ويَشِحُّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، وكانَ القَوْمُ يَتُوقُونَ لِبَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي رَوَيْناها، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إباحَةَ ذَلِكَ إنْ كانَ وارِدًا مَعَ طِيبَةِ النَّفْسِ، لا وجْهَ لِلنَّسْخِ فِيهِ.
فَإذا قِيلَ: فَإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَلِمَ إذا خَصَّصَهم بِالذِّكْرِ، وعِنْدَ الإذْنِ وطِيبِ النَّفْسِ الكُلُّ سَواءٌ؟
فالجَوابُ أنَّهم خُصُّوا بِالذِّكْرِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَقَدَّمُونَ عِنْدَ السَّفَرِ والغَزَواتِ إلى أقْرِبائِهِمْ، وإلى مَن خَلَّفُوهم مِنَ الزَّمْنى والعَرْجى والعُمْيانِ، أنَّ يَأْكُلُوا مِن مَنازِلِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلى هَذا السَّبَبِ. فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالذِّكْرِفَأمّا حَمْلُهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ بِلا إذْنٍ فَبَعِيدٌ.
ودَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ عَلى أُمُورٍ: مِنها أنَّهُ يَحِلُّ لِلْجَماعَةِ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى طَعامِها، وإنْ كانَ أكْلُها مِن ذَلِكَ الطَّعامِ يَتَفاضَلُ، وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهم لا يَسْتَوُونَ في قَدْرِ ما ظَهَرَ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ يَتَفاضَلُونَ في الأكْلِ، فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
ومِنها: أنَّ مُؤاكَلَةَ مَن يَقْصُرُ أكْلُهُ عَنْ أكْلِ الباقِينَ، لِأنَّ الأعْمى إذا لَمْ يُبْصِرْ، فَلا يُمْكِنُهُ أنْ يَأْكُلَ أكْلَ البَصِيرِ، فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وأباحَ انْفِرادَ المَرْءِ عَنِ الجَماعَةِ في الأكْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُظَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقْبَحًا في الشَّرْعِ كَما يَسْتَقْبِحُهُ أهْلُ المُرُوءَةِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ.
(p-٣٢٥)حَمَلَهُ الحَسَنُ عَلى سَلامِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، لِما فِيهِ مِنَ البَرَكَةِ والدُّعاءِ التَّصالُحِ وتَآلُفِ القُلُوبِ.
وذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ جَماعَةٍ، أنَّ المُرادَ بِهِ أنْ يُسَلِّمَ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ غَيْرُهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، ومِنَ السُّنَّةِ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، وهَذا ألْيَقُ بِالظّاهِرِ.
ولا خِلافَ في أنَّهُ لَوْ كانَ في الدّارِ غَيْرُهُ، صَرَفَ السَّلامَ إلَيْهِ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ تَخْصِيصٌ، وذَلِكَ يُقَوِّي قَوْلَ الحَسَنِ.
وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ السَّلامَ بِالشَّرْعِ صارَ كالمُخاطَبَةِ.
وقالَ الفُقَهاءُ في تَسْلِيمِ الرَّجُلِ في الصَّلاةِ: أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَنْوِيَ مَن خَلْفَهُ إنْ كانَ إمامًا أوْ يَنْوِيَ المَلائِكَةَ أوِ الحَفَظَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَرْءَ قَبْلَ دُخُولِ البَيْتِ هو مَندُوبٌ إلى أنْ يُسَلِّمَ عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، لِأنَّهُ كالدُّعاءِ، مِمّا يُجْرى فِيهِ الخِطابُ.
{"ayah":"لَّیۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِیضِ حَرَجࣱ وَلَا عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُوا۟ مِنۢ بُیُوتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ ءَابَاۤىِٕكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ إِخۡوَ ٰنِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخَوَ ٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَعۡمَـٰمِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ أَخۡوَ ٰلِكُمۡ أَوۡ بُیُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥۤ أَوۡ صَدِیقِكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُوا۟ جَمِیعًا أَوۡ أَشۡتَاتࣰاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُیُوتࣰا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ تَحِیَّةࣰ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةࣰ طَیِّبَةࣰۚ كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











