الباحث القرآني

(p-٢٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ الآيَةَ: اعْلَمْ أنَّ الزِّنا كانَ مَعْرُوفًا في اللُّغَةِ قَبْلَ الشَّرْعِ، مِثْلَ اسْمِ السَّرِقَةِ والقَتْلِ، وكانَ مَوْضُوعًا لِلْفِعْلِ الخاصِّ القَبِيحِ، وأُطْلِقَ عَلى فِعْلٍ خاصٍّ حَقِيقَةً، وجُعِلَ وطْءُ رِجْلٍ امْرَأةً في فَرْجِها مِن غَيْرِ نِكاحٍ ولا شُبْهَةِ نِكاحٍ بِمُطاوَعَتِها زِنًا، وذَلِكَ إنَّما عُلِمَ بِالسَّمْعِ، ولَوْلا السَّمْعُ لَحَسُنَ ذَلِكَ، لِأنَّ اسْتِمْتاعَهُ بِها وهي راضِيَةٌ، بِمَنزِلَةِ اسْتِخْدامِهِ لا فِيما يَنْتَفِعانِ بِهِ فَلا مَضَرَّةَ ولا ظُلْمَ. والأصْلُ أنَّ النَّفْعَ العاجِلَ لا يَحْرُمُ إلّا بِالسَّمْعِ، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في اسْتِقْباحِ هَذا الجِنْسِ: فَقَوْمٌ مِنَ العَرَبِ كانُوا يُسِيبُونَ الإماءِ، ويَطْلُبُونَ النَّسْلَ. ومِنهم مَن كانَ يَرْضى بِأنْ يَكُونَ نِساؤُهم بَغايا. ومِنهم مَن كانَ يَرْضى بِنِكاحِ الزّانِياتِ. ومَتى قِيلَ إنَّ في الزِّنا اخْتِلاطَ الأنْسابِ والجَهْلَ بِتَمْيِيزِها، والعَقْلُ يَشْهَدُ بِقُبْحِ ما يَرْفَعُ الأنْسابَ ويُبْطِلُهُ. (p-٢٨٨)فالجَوابُ، أنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ إنَّما يَجِبُ أنْ نَعْرِفَهُ، لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، فَإنْ عَرَفَ المَرْءُ بِالظّاهِرِ أنَّ الِابْنَ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ سُرَّ بِهِ، وإلّا لَمْ يَجِبْ أنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ، وإذا كانَتِ الأنْسابُ لا يَجِبُ مَعْرِفَتُها عَقْلًا، ولا حُكْمَ يَجِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِها مِن جِهَةِ العَقْلِ، لَوْلا العِلْمُ بِها لَما تَمَّ، فَمِن أيْنَ أنَّ العَقْلَ المُؤَدِّيَ إلى الجَهْلِ بِالأنْسابِ يُقَبَّحُ. ولَئِنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَتَخَصَّصِ الوَلَدُ بِوالِدٍ، فَمَن يُرَبِّي الوَلَدَ ويَنْهَضُ بِكِفايَتِهِ؟ فَيُقالُ: وحَيْثُ قِيلَ هَذا أبٌ، لَمْ يَجِبْ عَقْلًا أنْ يَقُومَ بِكِفايَتِهِ، وتَوَلُّدِهِ مِن مائِهِ مِن أيْنَ أوْجَبَ عَلَيْهِ عَقْلًا أنْ يَقُومَ بِمَئُونَتِهِ وكِفايَتِهِ وتَرْبِيَتِهِ؟ نَعَمْ إنَّ ذَلِكَ تَلَقِّي مِنَ السَّمْعِ. وحَيْثُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلى النّاسِ عَقْلًا السَّعْيُ فِيما فِيهِ صَلاحُهم وبَقاءُ جِنْسِهِمْ، وهَذا بَيِّنٌ. وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَسائِلَ، وأنَّ اسْمَ الزِّنا هَلْ يَتَناوَلُها؟ ولَيْسَ نَعْنِي بِهِ أنْ يَتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ، ولَكِنَّ الزِّنا صارَ في الشَّرْعِ اسْمًا لِمَحْظُورٍ خاصٍّ، فَهَلْ نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ المَحْظُورَ هَلْ وُجِدَ، فَنُرْجِعُ الخِلافَ إلَيْهِ؟ مِثْلَ قَوْلِنا: المُجامِعُ في الدُّبُرِ هَلْ يَكُونُ زانِيًا؟ وواطِئًا أُمَّهُ وأُخْتَهُ وابْنَتَهُ بِاسْمِ النِّكاحِ؟ هَلْ يَكُونُ تَحْرِيمُ فِعْلِهِ كَتَحْرِيمِ فِعْلِ مَن زَنا بِأجْنَبِيَّةٍ أوْ زَنا بِها قَبْلَ النِّكاحِ حَتّى يُسَمّى زِنًا؟ واخْتَلَفُوا في أحْكامٍ شَرْعِيَّةٍ لِاخْتِلافِ عَقائِدِهِمْ في أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْمِ الوَطْءِ، أوْ بِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ الحَلالُ، مِثْلَ تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ. (p-٢٨٩)واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ. واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ المَخْلُوقَةِ مِن ماءِ الزِّنا، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ تَحْرِيمَ بِنْتِهِ إنَّما كانَ لِمَكانِ النَّسَبِ، أوْ لِمَكانِ أنَّها تَوَلَّدَتْ مِن مائِهِ مُطْلَقًا. وإذا وطِئَها في دُبُرِها أوْ لاطَ بِغُلامٍ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في أنَّ الزِّنا أوْجَبَ الحَدَّ، لِكَوْنِهِ مُسْتَنْكَرًا في النُّفُوسِ والطِّباعِ، وهو مُؤَذِّنٌ بِالهُتْكَةِ والفَضِيحَةِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فاللِّواطُ أعْظَمُ وأشْنَعُ في هَذا البابِ. ومِنهم مَن يَرى أنَّ السَّبَبَ في تَعْظِيمِ تَحْرِيمِهِ، ما يَتَوَلَّدُ مِن فَسادِ النَّسْلِ واخْتِلاطِ الأنْسابِ. وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ كِتابَ اللَّهِ تَعالى لا يُنْبِئُ عَنْ دُخُولِ اللِّواطِ تَحْتَ اسْمِ الزِّنا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ . فَقِيلَ لَهم: لَمْ يَذْكُرْ في الظّاهِرِ الزّانِيَ بِها والزّانِيَةُ بِهِ، بَلْ أطْلَقَ ذَلِكَ، فانْطَلَقَ عَلى اللِّواطِ. فَأجابُوا بِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ الفِعْلَ مِنهُما لا مِن أحَدِهِما. ومَتى قِيلَ: إذا لَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ والسّارِقُ والسّارِقَةُ، بَلْ دَخَلَ فِيها السّارِقُ مِن غَيْرِها، فَكَذَلِكَ هاهُنا. فَأجابُوا بِأنَّ الزِّنا لا يَكُونُ إلّا بَيْنَهُما، ومِن فِعْلِهِما، والسَّرِقَةَ يَنْفَرِدُ بِها أحَدُهُما فافْتَرَقا. وهَذا رَكِيكٌ عِنْدَنا، وأوَّلُ ما فِيهِ أنْ لا يَدْخُلَ في عُمُومِهِ الزّانِي بِالمَجْنُونَةِ والصَّغِيرَةِ والمُكْرَهَةِ عَلى الزِّنا والحَرْبِيَّةِ، إذا لَمْ تَعْرِفْ أحْكامَ (p-٢٩٠)الإسْلامِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي لا خِلافَ في تَناوُلِ عُمُومِ اسْمِ الزِّنا لَها. ولِأنَّهُ تَعالى إذْ قالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾، فَلَيْسَ يَعْنِي بِهِ شَخْصَيْنِ فَقَطْ، وإنَّما ذَلِكَ لِلْجِنْسِ، وإذْ كانَتِ الألِفُ واللّامُ لِإبانَةِ الجِنْسِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ الرَّجُلَ الزّانِي مُطْلَقًا، وذَكَرَ جِنْسَ الزّانِياتِ، فَلا يَجِبُ أنْ يُفْهَمَ مِنهُ زِناهُ بِها حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ اللِّواطُ، وعَلى أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لا فَرْجَ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا لاطَ بِها مُطاوَعَةً، فَهي زانِيَةٌ وهو زانِي. نَعَمْ: نَقُولُ إنَّهُ لا يَتَناوَلُ لِواطَ الرَّجُلِ بِالرَّجُلِ، وهو لا يَقْدَحُ في المَقْصُودِ، بَعْدَ أنْ ثَبَتَ كَوْنُ اللِّواطِ في الجُمْلَةِ داخِلًا تَحْتَ اسْمِ الزِّنا، فَبَطَلَ ما تَوَهَّمُوهُ. نَعَمِ الوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ لا يُعَدُّ زِنًا، لا حَقِيقَةَ لُغَةً ولا شَرْعًا: أمّا اللُّغَةُ، فاسْمُ الزِّنا أُطْلِقَ حَقِيقَةً عَلى الكامِلِ في جِنْسِهِ، ولَهُ مُقَدِّماتٌ ووَسائِلُ لا يُعَدُّ زِنًا حَقِيقَةً، وإنَّما هو مُجاوِرَةٌ لِلزِّنا أوْ مُوَصِّلَةٌ إلَيْهِ. فَإذا ثَبَتَ الكَلامُ في الِاسْمِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في الدّاخِلِينَ تَحْتَ هَذا الِاسْمِ، فَقالَتِ الخَوارِجُ: الكُلُّ داخِلُونَ فَلا رَجْمَ عِنْدَهم. وأثْبَتَ غَيْرُهُمُ الرَّجْمَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن يَعْمَلُ بِالآيَةِ عُمُومًا ويَضُمُّ الرَّجْمَ إلى المُحْصَنِ بَعْدَ الجِلْدِ، وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ. فَإذا المُرادُ بِالآيَةِ البِكْرانِ، فَأمّا الثَّيِّبانِ المُحْصَنانِ فَحَدُّهُما الرَّجْمُ، وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ماعِزًا ولَمْ يَجْلِدْهُ، ولِذَلِكَ تَخَصَّصَتِ الآيَةُ بِخَبَرِ عُبادَةَ حَيْثُ رَوى: «والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ». (p-٢٩١)ويَجُوزُ بِهِ اسْتِخْراجُ جِنْسِ المُحْصَنِينَ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، مَعَ أنَّهم شَطْرُ الزُّناةِ وأكْبَرُ، ومَعَ أنَّ المُبالَغَةَ في الزَّجْرِ في اقْتِضاءِ ذِكْرِ الرَّجْمِ أوْلى مِنها بِاقْتِضاءِ ذِكْرِ الجَلْدِ، الَّذِي لا يَظْهَرُ لَهُ وقْعٌ، بِالإضافَةِ إلى الرَّجْمِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا﴾ . قَصَدَ بِهِ بَيانَ المُبالِغَةِ في الزَّجْرِ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ. فَكَيْفَ يَنْتَظِمُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ الرَّجْمُ مَشْرُوعًا في ذَلِكَ الوَقْتِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، وهم كُثْرُ النّاسِ أوْ شَطْرُهُمْ، ولا يَتَعَرَّضُ لَهُ أصْلًا ولا يَذْكُرُهُ؟ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: إنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما كانَ الرَّجْمُ مَشْرُوعًا، ثُمَّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى الرَّجْمَ بَعْدَهُ، فَصارَ ناسِخًا لِلْجَلْدِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، ولَيْسَ يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ التَّخْصِيصِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ لِلْكَلامِ قَرائِنُ أحْوالٍ، يُعْلَمُ بِها مَقْصُودُ المُتَكَلِّمِ ضَرُورَةً، وهَذا مِمّا لا يُمْكِنُ فِيهِ إغْفالُ الرَّجْمِ وإرادَةُ الجَلْدِ في حَقِّ الأبْكارِ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ما ذَكَرْناهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّجْمَ قَدْ كانَ في حَقِّ المُحْصَنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفَ النّاسُ في العَبْدِ، هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ، وكَذَلِكَ الأُمَّةُ؟ والصَّحِيحُ أنَّهم دَخَلُوا فِيهِ، ولَكِنْ خُصِّصُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] . (p-٢٩٢)ويَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الآيَةَ. ولا يُرادُ بِهِ العَبِيدُ والإماءُ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي بَيانَ الأكْثَرِ الأعْظَمِ مِنَ الزّاجِرِ. واخْتَلَفُوا في الذِّمِّيِّ هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ؟ ومَذْهَبُ مالِكٍ، أنَّ الذِّمِّيَّيْنِ لا يَحُدّانِ إذا زَنَيا، والظّاهِرُ يَنْفِي الفَرْقَ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ. إذا ثَبَتَ هَذا، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا﴾، وهَذا عامٌّ، إلّا أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الإمامَ هو الَّذِي يَتَوَلّى ذَلِكَ في حَقِّ الرَّعايا، والسَّيِّدُ في حَقِّ مَمْلُوكِهِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وإذا لَمْ يَكُنْ إمامٌ، فَإنْ أفْضى اسْتِيفاءَ الحُدُودِ مِن جِهَةِ صُلَحاءِ النّاسِ إلى هَرْجٍ وفِتْنَةٍ لَمْ يَجُزْ، وإنْ لَمْ يُفْضِ إلَيْهِ جازَ. ثُمَّ لَمْ يَخْتَلِفِ السَّلَفُ في أنَّهُ كانَ جَلْدُ الزّانِيَيْنِ في ابْتِداءِ الإسْلامِ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، ﴿فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] فَكانَ حَدُّ المَرْأةِ بِالحَبْسِ، والأذى بِالتَّعْيِيرِ، وكانَ حَدُّ الرَّجُلِ بِالتَّعْيِيرِ، ثُمَّ نُسِخَ في غَيْرِ المُحْصَنِ بِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾، مَعَ ما بَيَّنّا فِيهِ مِنَ الكَلامِ، وفي المُحْصَنِ الرَّجْمُ، وكَأنَّ حَدِيثَ عُبادَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] . وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا». وبَيَّنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَدِيثِ عُبادَةَ المُرادَ بِالسَّبِيلِ. إذا ثَبَتَ هَذا، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُحْصَنِ وغَيْرِ المُحْصَنِ كَما (p-٢٩٣)قَدَّمْناهُ مِن قَبْلُ، والشّافِعِيُّ يَضُمُّ النَّفْيَ إلى الجَلْدِ في حَقِّ البِكْرِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَنْفِيهِ، فَإنَّ النَّفْيَ يَجُوزُ أنْ لا يُذْكَرَ عِنْدَ ذِكْرِ مِائَةِ جَلْدَةٍ وإشْهارِ المَجْلُودِ بِهِ، وهَذا مِمّا شَرَحْناهُ في مَسائِلِ الفِقْهِ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَنْفِي الحَدَّ ولا ما يُثْبِتُهُ، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وأوْجَبَ الشّافِعِيُّ الرَّجْمَ عَلى الذِّمِّيَّيْنِ، كَما أوْجَبَ عَلى المُسْلِمَيْنِ، تَلَقِّيًا مِنَ الخَبَرِ النَّصَّ في حَقِّ الذِّمِّيِّينَ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ». ومالِكٌ يَقُولُ: إنَّما رَجَمَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ مِن ذِمَّةٍ، وتَحاكَمُوا إلَيْهِ فَحَكَمَ بَيْنَهُما بِحُكْمِ التَّوْراةِ، فَلَمْ يَكُنْ في قَتْلِهِ نَقْضُ ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا بُعْدَ في إجْراءِ أحْكامِهِمْ عَلَيْهِمْ، وهَذا بِعِيدٌ، فَإنَّ قَتْلَ الكافِرِ إنْ جازَ، فَإنَّما يَجُوزُ بِغَيْرِ وجْهِ الرَّجْمِ، والرَّجْمُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا، فَيَحْرُمُ بِحُكْمِ شَرْعِنا، فَكَيْفَ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلَيْهِمْ عَلى مُوجَبِ دِينِهِمْ؟ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فاجْلِدُوا﴾، فالظّاهِرُ يَقْتَضِي فِعْلَ أوَّلِ ما يُسَمّى جَلْدًا، فَإذا فَعَلَهُ واسْتَوْفى العَدَدَ، فَقَدْ وُفِّيَ الظّاهِرُ حَقَّهُ، وما زادَ عَلى ذَلِكَ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَتَخَيَّرَ الجَلّادُ بَيْنَ التَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَخَيَّرَ الإنْسانُ بَيْنَ عُقُوبَةِ مُسْلِمٍ وتَرْكِها. والمُفَسِّرُونَ والفُقَهاءُ، حَمَلُوا ظاهِرَ الآيَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن فِعْلِ الضَّرْبِ أوِ التَّأْدِيبِ. (p-٢٩٤)ورَوى عَلِيُّ بْنُ مُوسى القَمِّيُّ «أنَّهُ ﷺ أُوتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ أصابَ حَدًّا، وأُوتِيَ بِسَوْطٍ شَدِيدٍ، فَقالَ: دُونَ هَذا، وأُوتِيَ بِسَوْطٍ دُونَهُ فَقالَ: هَذا». ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ أمَرَ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ الحَدَّ فَقالَ: لا تَرْفَعْ إبْطَكَ. وعَنْهُ أنَّهُ اخْتارَ سَوْطًا بَيْنَ السَّوْطَيْنِ. فَيَجِبُ اتِّباعُ السُّنَّةِ في ذَلِكَ وهو المُتَعارَفُ في الضَّرْبِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ هَذا الجَلَدَ يُفَرَّقُ عَلى جِسْمِهِ، لِأنَّهُ المُتَعارَفُ المُتَعالَمُ، فَإنَّهُ إنْ جُمِعَ في مَكانٍ واحِدٍ خِيفَ عَلَيْهِ القَتْلُ، وخَرَجَ عَنْ طَرِيقَةِ الضَّرْبِ. ولا خِلافَ أنَّهُ يَتَّقِي في بابِ الضَّرْبِ مَواضِعَ المَقاتِلِ، والمَواضِعَ الَّتِي يَشِينُ الأثَرُ فِيها كالوَجْهِ والمَذاكِرِوَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنِ اسْمِ الجَلْدِ، وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِن مَعْنى الحَدِّ، والمَقْصُودُ بِهِ. وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾، تَشْدِيدُ الضَّرْبِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: التَّعْزِيرُ أشَدُّ الضَّرْبِ. وضَرْبُ الزِّنا أشَدُّ مِن ضَرْبِ الشّارِبِ. وضَرْبُ الشّارِبِ أشَدُّ مِن ضَرْبِ القاذِفِوَقالَ الثَّوْرِيُّ: ضَرْبُ الزِّنا أشَدُّ مِن ضَرْبِ القاذِفِ. وضَرْبُ القَذْفِ أشَدُّ مِن ضَرْبِ الشُّرْبِ. والظّاهِرُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ. * * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٢٩٥)فِي تَرْكِ الحَدِّ وتَضْيِيعِهِ، وقَدْ يَكُونُ في نُقْصانِهِ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ هَذِهِ المَحامِلِ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ: اخْتَلَفَ في المُرادِ بِالطّائِفَةِ، فَحَمَلَها بَعْضُهم عَلى العَشْرَةِ، وقالُوا أقَلُّها عَشْرَةٌ ولا نِهايَةَ لِلْأكْثَرِ، وقالَ آخَرُونَ: أقَلُّهُ رَجُلٌ إلى ألْفٍ، والأظْهَرُ أنَّهُ ثَلاثَةٌوَمِمّا احْتَجُّوا بِهِ مِن أنَّ حَدَّ الزِّنا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أشَدَّ مِن حَدِّ القَذْفِ والشُّرْبِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِضَرْبِ الشّارِبِ بِالجَرِيدِ والنِّعالِ، وضَرْبِ الزّانِي إنَّما يَكُونُ بِالسَّوْطِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ ضَرْبَ الشّارِبِ ما كانَ مُقَدَّرًا، والكَلامُ فِيما تَقَدَّرَ مِنهُ بِمَبْلَغٍ مَعْلُومٍ، وحِينَ أمَرَ بِضَرْبِ الشّارِبِ بِالنِّعالِ، كانَ حَدُّ الشُّرْبِ كالتَّعْزِيرِ. ومِمّا قالُوهُ أنَّ القاذِفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صادِقًا، فَلَمْ يُقْطَعْ بِجَرِيمَتِهِ، والزِّنا بِخِلافِهِ، فَكَيْفَ يُسَوِّي بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ، وهَذا هَوَسٌ، فَإنَّ الشَّرْعَ ما أوْجَبَ الحَدَّ إلّا عِنْدَ القَطْعِ بِكَذِبِهِ وبِقَوْلِهِ شَرْعًا، فَلا حاصِلَ لِما قالُوهُ، ولِذَلِكَ رُدَّتْ شَهادَتُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] الآيَةَ. وعَلى أنّا أظْهَرْنا مَزِيَّةَ الزِّنا بِزِيادَةِ الجَلَداتِ، فَمِن أيْنَ يَجِبُ ظُهُورُ المَزِيَّةِ ووَصْفُ الضَّرْبِ مِن جِهَةِ الشِّدَّةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب