الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ: دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْبَعَ حَدٌّ في هَذا البابِ، لا يَجُوزُ أنْ يَنْقَضِيَ مِنهُ شَيْءٌ. ودَلِيلٌ عَلى أنَّ القاذِفَ مُكَذَّبٌ شَرْعًا، إذا لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَإنْ كانَ في أمْرِ عائِشَةَ يُقْطَعُ بِتَكْذِيبِهِمْ في الغَيْبِ، وقالَ عُلَماؤُنا: مَن صَدَّقَ قَذَفَةَ عائِشَةَ فَهو كافِرٌ، لِأنَّهُ رادٌّ لِخَبَرِ اللَّهِ تَعالى الدّالِّ عَلى كَذِبِهِمْ. وعَلى هَذا قالَ أصْحابُنا فِيمَن وجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأةٍ فاعْتَرَفا بِالنِّكاحِ، أنَّهُ لا يَجِبُ تَكْذِيبُهُما، بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُما. (p-٣٠٩)وقالَ مالِكٌ: إنَّهُما يُحَدّانِ ما لَمْ يُقِيما بَيِّنَةً عَلى النِّكاحِ، وهَذا يُخالِفُ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذا بَنى أبُو حَنِيفَةَ جَوازَ بَيْعِ دِرْهَمٍ ودِينارٍ بِدِرْهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ إنْ تَخالَفَ بَيْنَهُما تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ. وقالَ الشّافِعِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا فِيمَن وصّى بِطَبْلٍ ولَهُ طَبْلانِ: طَبْلُ لَهْوٍ، وطَبْلُ حَرْبٍ، أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى طَبْلِ الحَرْبِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ وحَمْلِ أُمُورِهِمْ عَلى ما يَجُوزُ. إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ كَدَّرَ صَفْوِ هَذا المَعْنى بِإيجابِ الحَدِّ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ بِشَهادَةِ شُهُودِ الزَّوايا، بِناءً عَلى بُعْدٍ في إثْباتِ الزِّنا. وهَذِهِ الآياتُ إلى خاتِمَةِ الآياتِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ١٩]: تَدَلُّ عَلى وُجُوبِ حُسْنِ الِاعْتِقادِ في المُؤْمِنِينَ، ومَحَبَّةِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، والزَّجْرِ عَنْ إشْهارِ الفاحِشَةِ واسْتِنْباطِها بِدَقائِقِ الحِيَلِ والحِكَمِ بِالظَّنِّ والحُسْبانِ. وعَلى قَرِيبٍ مِنهُ يَدُلُّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ». وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ” «مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ “. ”ويُحِبُّ أنْ يَأْتِيَ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يَأْتُوا إلَيْهِ “» . رَواهُ ابْنُ عُمَرَ. وعَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (p-٣١٠)”لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ» “.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب