الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ يَمْنَعُ تَكْلِيفَ الزَّمِنِ القِيامَ لِلصَّلاةِ، ورُبَّما يُؤْخَذُ مِنهُ، وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الفِعْلِ غَيْرَ أنَّهُ يَلْحَقُهُ حَرَجٌ عَظِيمٌ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، طاقَتَها، ولَكِنْ قالَ: إلّا وُسْعَها. وأخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ أحَدًا إلّا ما اتَّسَعَتْ لَهُ قُدْرَتُهُ وإمْكانُهُ، دُونَ ما تَضْيِيقٍ عَلَيْهِ وتَعْنِيتٍ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . وقالَ في نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] .* * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾ يَقْتَضِي رَفْعَ المُؤاخَذَةِ بِالمَنسِيِّ. والمُؤاخَذَةُ مُنْقَسِمَةٌ إلى مُؤاخَذَةٍ في حُكْمِ الآخِرَةِ، وهو الإثْمُ والعِقابُ. وإلى مُؤاخَذَةٍ في حُكْمِ الدُّنْيا، وهو إثْباتُ التَّبِعاتِ والغَراماتِ، والظّاهِرُ نَفْيُ حُكْمِ جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ»، يَقْتَضِي رَفْعَ الخَطَإ مُطْلَقًا ورَفْعَ حُكْمِهِ، فَلا جَرَمَ قالَ الشّافِعِيُّ في المَنهِيّاتِ كُلِّها، الفِعْلُ المَنسِيُّ كَلا فِعْلٍ، فَإذا تَكَلَّمَ ساهِيًا، أوْ سَلَّمَ ساهِيًا، أوْ أتى بِالفِعْلِ الكَثِيرِ ساهِيًا، فَلا تَبْطُلُ صَلاتُهُ أصْلًا.* * * (p-٢٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ . اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ مَن قَتَلَ غَيْرَهُ بِمُثْقِلٍ وتَخْنِيقٍ وتَغْرِيقٍ، فَعَلَيْهِ ضَمانُهُ قَصاصًا أوْ دِيَةً، خِلافًا لِمَن جَعَلَ دِيَتَهُ عَلى العاقِلَةِ، وذَلِكَ يُخالِفُ الظّاهِرَ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ سُقُوطَ القَصاصِ عَنِ الأبِ، لا يَقْتَضِي سُقُوطَهُ عَنْ شَرِيكِهِ. ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ عَلى المَرْأةِ العاقِلَةِ، إذا مَكَّنَتْ مَجْنُونًا مِن نَفْسِها. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ . يُحْتَجُّ بِهِ في نَفْيِ الحَرَجِ والضِّيقِ المُنافِي ظاهِرُهُ الحَنِيفِيَّةَ السَّهْلَةَ السَّمْحَةَ، وهَذا بَيِّنٌ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾: يَحْتَمِلُ نَفْيَ ما يُثْقِلُ مِنَ التَّكالِيفِ، نَحْوُ قَتْلِ النَّفْسِ الَّذِي كُلِّفَ بَنُو إسْرائِيلَ. ويَجُوزُ أنْ يُعَبِّرَ عَمّا يُثْقِلُ بِأنَّهُ لا يُطِيقُهُ كَقَوْلِكَ: ما أُطِيقُ الكَلامَ، وما أسْتَطِيعُ أنْ أرى فُلانًا، ولا يُرِيدُ نَفْيَ القُدْرَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]: (p-٢٧٤)والمُرادُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ اسْتِثْقالُهُ فَقَطْ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نَفْيُ القُدْرَةِ رَأْسًا عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ جَمِيعًا، فَهَذا تَمامُ ما حَضَرَنا مِن مَعانِي القُرْآنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. تَمَّ الجُزْءُ الأوَّلُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّانِي وأوَّلُهُ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب