الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ الآيَةُ: قَدْ قِيلَ: إنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ. وقِيلَ: إنَّهم فَرُّوا مِنَ القِتالِ. وقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ الفِرارَ مِنَ الطّاعُونِ والوَباءِ والأراضِي السَّقِيمَةِ. وقِصَّةُ عُمْرَ في خُرُوجِهِ إلى الشّامِ مَعَ أبِي عُبَيْدَةَ مَعْرُوفَةٌ، وفِيها أنَّهُ رَجَعَ، ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إذا سَمِعْتُمْ أنَّ الطّاعُونَ في أرْضٍ فَلا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وإذا وقَعَ بِأرْضٍ وأنْتُمْ فِيها فَلا تَخْرُجُوا مِنها فِرارًا مِنهُ“،» فَحَمَدَ عُمَرُ اللَّهَ تَعالى وانْصَرَفَ. وبِالجُمْلَةِ، الفِرارُ مِنهُ يَجُوزُ أنْ يُكْرَهَ، لِما فِيهِ مِن تَخْلِيَةِ البِلادِ، ولا (p-٢٢٠)تَخْلُو مِن مُسْتَضْعَفِينَ يَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ مِنها، ولا يَتَأتّى لَهم ذَلِكَ، ويَتَأذَّوْنَ بِخُلُوِّ البِلادِ عَنِ المَياسِيرِ الَّذِينَ كانُوا أرْكانًا لِلْبِلادِ، ومَغُوثَةً لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. وإذا كانَ الوَباءُ بِأرْضٍ فَلا يَدْخُلْها، لِئَلّا يَلْحَقَهُ الغُمُومُ والكَرْبُ في المَقامِ مَعَ الوَجَلِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ مُهِمّاتِ دِينِهِ ودُنْياهُ. ولَمّا عَزَمَ عُمَرُ عَلى الرُّجُوعِ فَقالَ لَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: أفِرارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُها يا أبا عُبَيْدَةَ نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ، أرَأيْتَ لَوْ كانَتْ لَكَ إبِلٌ فَهَبَطْتَ بِها وادِيًا لَهُ عَدْوَتانِ، إحْداهُما خِصْبَةٌ والأُخْرى جَدْبَةٌ، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَها الخِصْبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ اللَّهِ، وإنْ رَعَيْتَها الجَدْبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ اللَّهِ؟ .ولا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الكُفّارَ أوْ قُطّاعَ الطَّرِيقِ، إذا قَصَدُوا بَلْدَةً ضَعِيفَةً لا طاقَةَ لِأهْلِها بِالقاصِدِينَ فَلَهم أنْ يَتَنَحَّوْا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ، وإنْ كانَتِ الآجالُ المُقَدَّرَةُ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب