الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ (p-٢٠٠)تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً. وقَدْ نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، تَزَوَّجَ امْرَأةً ولَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، وطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها. وكَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ دَلَّ السِّياقُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]: فَلَوْ كانَ الأوَّلُ بِمَعْنى ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً أوْ لَمْ تَفْرِضُوا، لَما عَطَفَ عَلَيْها المَفْرُوضَ لَها، فَعُلِمَ أنَّ مَعْناهُ: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَيَكُونُ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ. وقالَ تَعالى في مِثْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] . (p-٢٠١)وقالَ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] . مَعْناهُ: وجاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ وكُنْتُمْ مَرْضى أوْ مُسافِرِينَ. وهَذا مَوْجُودٌ في اللُّغَةِ، وهو في النَّفْيِ أظْهَرُ مِن دُخُولِها عَلَيْهِ بِمَعْنى: الواوِ، مِثْلُ ما قَدَّمْناهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] . وقَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوِ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، ”أوْ“ في هَذِهِ المَواضِعِ هي بِمَعْنى الواوِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: لَمّا دَخَلَتْ عَلى المَنفِيِّ كانَتْ بِمَعْنى الواوِ. فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ المَعْنَيَيْنِ، لِوُجُوبِ المُتْعَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ. وفِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الطَّلاقِ في حالَةِ الحَيْضِ قَبْلَ الدُّخُولِ. (p-٢٠٢)وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُتْعَةَ نَدْبٌ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وذَكَرُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأمْرٍ جَزْمٍ، فَإنَّ التَّقْوى لا تُدْرى. ولا شَكَّ أنَّ عُمُومَ الأمْرِ بِالإمْتاعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ . وإضافَةَ الإمْتاعِ إلَيْهِنَّ بِلامِ التَّمْلِيكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] يَظْهَرُ في الوُجُوبِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] تَأْكِيدٌ لِإيجابِها، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى في الإشْراكِ بِهِ ومَعاصِيهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . ومالِكٌ يَقُولُ: إنَّ الأصْلَ أنْ لا يَجِبَ لِلْمُطَلَّقَةِ شَيْءٌ إذا عادَ البُضْعُ سَلِيمًا إلَيْها، كَما لا يَجِبُ لِلْبائِعِ شَيْءٌ إذا رَجَعَ المَبِيعُ سَلِيمًا إلَيْهِ. فَقِياسُ ذَلِكَ نَفْيُ المُتْعَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّ هَذا القِياسَ، كانَ لِمَنعِ وُجُوبِ عِوَضِ البُضْعِ وهو المَهْرُ لِلْمُفَوَّضَةِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَنْفِي المُتْعَةَ الَّتِي وجَبَتْ في مُقابَلَةِ الأذى الحاصِلِ بِالطَّلاقِ، ولَيْسَ في قِياسِ الأُصُولِ ما يَدْفَعُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ لِلْمَمْلُوكَةِ مُتْعَةٌ، إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ الفَرْضِ والمَسِّ، لِأنَّ المُتْعَةَ تَكُونُ لِلسَّيِّدِ، وهو لا يَسْتَحِقُّ مالًا في مُقابَلَةِ تَأذِّي مَمْلُوكَتِهِ بِالطَّلاقِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ ذَلِكَ سِوى الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ، فَإنَّهُما زَعَما أنْ لا مُتْعَةَ في هَذِهِ الحالَةِ. وذَكَرَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ مَهْرَ المِثْلِ مُسْتَحَقٌّ بِالعَقْدِ، والمُتْعَةُ هي بَعْضُ مَهْرِ المِثْلِ، فَتَجِبُ لَها، كَما يَجِبُ نِصْفُ المُسَمّى إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ. (p-٢٠٣)وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: لَوْ رَهَنَها بِمَهْرِ المِثْلِ رَهْنًا، وطَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، كانَ رَهْنًا بِالمُتْعَةِ، ومَحْبُوسًا بِها، إنْ هَلَكَ هَلَكَ بِها. وذَلِكَ بَعِيدٌ، مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى سُقُوطِ مَهْرِ المِثْلِ بِالطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ولَيْسَتِ المُتْعَةُ بَدَلًا عَنِ البِضْعِ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ بِهِ حالُ الرَّجُلِ بِنَصِّ كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بَدَلًا عَنِ البِضْعِ. كَيْفَ؟ والمُتْعَةُ وجَبَتْ في حالَةِ سُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ بِضْعِها، والمَهْرُ في مُقابَلَةِ اسْتِحْقاقِهِ بِضْعِها، فَبَيْنَهُما تَضادٌّ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ أحَدَهُما يَدُلُّ لِاجْتِماعِهِما، والآخَرُ لِافْتِراقِهِما. وسَبَبُ المُتْعَةِ أذِيَّةٌ حَصَلَتْ بِالطَّلاقِ، وهو أيْضًا في طَرِيقِ النَّظَرِ مُشْكِلٌ، فَإنَّ الزَّوْجَ إذا جازَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَإنَّما أسْقَطَ حَقًّا لِنَفْسِهِ، فَمِن أيْنَ يَجِبُ عَلَيْهِ مالٌ لَها مِن جِهَةِ أنَّها لا تُرِيدُ فِراقَهُ؟ ولَوْ وجَبَ لَها شَيْءٌ، فَإنَّما يَجِبُ لِأنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْها حَقَّها، وذَلِكَ يَمْنَعُ كَوْنَ الطَّلاقِ مُباحًا. وعَلى أنَّهُ لَوْ كانَتِ المُتْعَةُ صَداقًا، أوْ عِوَضًا عَنْ صَداقٍ، لَما صَحَّ التَّرْغِيبُ في المُتْعَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ المَهْرَ بِالمَسِيسِ، والتَّرْغِيبُ في الأحْوالِ كُلِّها في الإمْتاعِ واحِدٌ. وذَلِكَ يُؤَكِّدُ قَوْلَ مالِكٍ في أنَّ مَحَلَّ المُتَعِ كُلِّها واحِدٌ، كَما أنَّ مَحَلَّ الصَّداقِ واحِدٌ، فالمُتْعَةُ في الأحْوالِ كُلِّها بَعْدَ الفِراقِ، والصَّداقُ قَبْلَهُ، (p-٢٠٤)فَدَلَّ مَجْمُوعُ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَعْرِيَةَ النِّكاحِ عَنِ المَهْرِ مُمْكِنَةٌ، وفي ذَلِكَ سُقُوطُ قَوْلِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ المُتْعَةَ عِوَضٌ عَنِ الصَّداقِ أوْ عَنِ البِضْعِ. نَعَمْ، لا خِلافَ أنَّ المُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لا تَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ، إذا وجَبَ لَها نِصْفُ المَهْرِ المُسَمّى، فَذَلِكَ يُوهِمُ كَوْنَ المُتْعَةِ قائِمَةً مَقامَ المَهْرِ، لِأنَّها وجَبَتْ حَيْثُ لا فَرْضَ، ولَمْ تَجِبْ عِنْدَ مَن أوْجَبَها حَيْثُ ثَبَتَ نِصْفُ المَفْرُوضِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ العِلَّةَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا رَجَعَ البِضْعُ إلَيْها مَعَ نِصْفِ المَفْرُوضِ حَصَلَ بِهِ التَّسَلِّي فَزالَ مَعْنى التَّأذِّي بِالفِراقِ، فَلَمْ تَجِبِ المُتْعَةُ لِعَدَمِ سَبَبِها، وهو التَّأذِّي بِالفِراقِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] عامٌّ في حَقِّ المُطَلَّقاتِ. واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في حَقِّ المُطَلَّقَةِ لِلدُّخُولِ بِها، وظاهِرُ العُمُومِ لا يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ، إلّا أنَّهُ رُبَّما قِيلَ: إنَّ المُطْلَقَةَ بَعْدَ المَسِّ، اسْتَحَقَّتِ المَهْرَ في مُقابَلَةِ وطْءٍ تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَرْجِعِ البِضْعُ إلَيْها سَلِيمًا، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا مِنَ التَّأذِّي بِالفِراقِ الَّذِي هو سَبَبُ المُتْعَةِ. ويُقالُ في مُعارَضَةِ ذَلِكَ: إنَّ المَهْرَ كانَ في مُقابَلَةِ وطْئاتِ العُمْرِ، وقَدْ عادَ إلَيْها ذَلِكَ مَعَ كَمالِ المَهْرِ، فَيَتَرَدَّدُ ويَتَفاوَتُ النَّظَرُ، فَلا جَرَمَ، اخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ فِيهِ. فَأمّا تَقْدِيرُ المُتْعَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ﴾ . (p-٢٠٥)وذَلِكَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ اعْتِبارَ حالِ الرَّجُلِ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ. وذَكَرَ بَعْضُ عُلَمائِنا أنَّ حالَها مُعْتَبَرٌ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا، ولَوِ اعْتَبَرْنا حالَ الرَّجُلِ وحْدَهُ، لَزِمَ مِنهُ أنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ بِامْرَأتَيْنِ إحْداهُما شَرِيفَةٌ والأُخْرى دَنِيَّةٌ، ثُمَّ طَلَّقَهُما قَبْلَ الدُّخُولِ ولَمْ يُسَمِّ لَهُما، أنْ يَكُونا مُتَساوِيَيْنِ في المُتْعَةِ، فَيَجِبُ لِلشَّرِيفَةِ مِثْلُ ما يَجِبُ لِلَدَنِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ، بَلْ هو في العُرْفِ مُنْكَرٌ. ويَلْزَمُ مِنهُ: أنَّ المُوسِرَ العَظِيمَ اليَسارِ، إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً دَنِيَّةً فَهو مِثْلُها، وبَيانُهُ: أنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِها، وجَبَ لَها مَهْرُ مِثْلِها إنْ لَمْ يُسَمِّ لَها شَيْئًا، ولَوْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَتْهُ المُتْعَةُ عَلى قَدْرِ حالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أضْعافَ مَهْرِ مِثْلِها، فَتَسْتَحِقُّ قَبْلَ الدُّخُولِ أضْعافَ ما تَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يُزادَ عَلى قَدْرِ المَهْرِ الواجِبِ بِأعْلى غاياتِ الِابْتِذالِ وهو الوَطْءُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب