الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾: فَأباحَ التَّعْرِيضَ بِالخِطْبَةِ وإضْمارَ نِكاحِها، مِن غَيْرِ إفْصاحٍ بِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلِ التَّعْرِيضَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَنزِلَةِ التَّصْرِيحِ، فَكَذَلِكَ لا يَحْصُلُ التَّعْرِيضُ بِالقَذْفِ كالتَّصْرِيحِ، وإذا خالَفَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ حُكْمِهِما، بِأنَّ بِهِ تَفاوُتَ ذَنْبِهِ ما بَيْنَ التَّعْرِيضِ والتَّصْرِيحِ، والحُدُودُ مِمّا يَسْقُطُ بِالشُّبُهاتِ، فَهي في حُكْمِ السُّقُوطِ والنَّفْيِ آكَدُ مِنَ النِّكاحِ، فَإذا لَمْ يُساوِ التَّعْرِيضُ في النِّكاحِ والتَّصْرِيحُ، وهو آكَدُ في بابِ الثُّبُوتِ مِنَ الحَدِّ، كانَ أوْلى أنْ لا يَثْبُتَ بِالتَّعْرِيضِ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ خَطَبَها بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ بِلَفْظِ التَّعْرِيضِ، لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما عَقْدُ النِّكاحِ، وكانَ تَعْرِيضُهُ بِالعَقْدِ مُخالِفًا لِلتَّصْرِيحِ، فالحَدُّ أوْلى أنْ لا يَثْبُتَ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِالتَّعْرِيضِ قَدْ يَحْصُلُ في الخِطْبَةِ، ولَكِنَّهُ دُونَ التَّصْرِيحِ فافْتَرَقا، وكَذَلِكَ في القَذْفِ، (p-١٩٨)وقَدْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيضُ بِالقَذْفِ لا لِلْمَقْذُوفِ، ولَكِنْ لِشَخْصٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ بِهِ، وذَلِكَ الشَّخْصُ لا يَدْرِي حالَهُ. «وعَرَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخِطْبَةِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وهي في العِدَّةِ وقالَ: ”لا تُفَوِّتِينا نَفْسَكِ“» وإنَّما كانَ يُرِيدُ خِطْبَتَها لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مالِكٍ في إيجابِهِ الحَدَّ بِالتَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ، والِاحْتِجاجُ بِالتَّعْرِيضِ بِالخِطْبَةِ عَلى مالِكٍ، وهو لَطِيفٌ.* * * وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ . دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ نِكاحِ المُعْتَدَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ . يَعْنِي: بِالتَّزْوِيجِ، لِرَغْبَتِكم فِيهِنَّ، ولِخَوْفِ أنْ لا يَسْبِقَكم إلَيْهِنَّ غَيْرُكُمْ، فَأباحَ لَهُمُ التَّوَصُّلُ إلى المُرادِ بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ دُونَ الإفْصاحِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأشْياءِ مِنَ الوُجُوهِ المُباحَةِ، وإنْ كانَتْ مَحْظُورَةً مِن وُجُوهٍ أُخَرَ، نَحْوُ ما أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ في ثَمَرِ خَيْبَرَ، عَلى ما بَيَّنَهُ الفُقَهاءُ في كُتُبِهِمْ. (p-١٩٩)ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ: أنَّ مَن عَقَدَ عَلى امْرَأةٍ نِكاحًا وهي في عِدَّةِ غَيْرِهِ، أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ. وبَلَغَ عُمَرُ، أنَّ امْرَأةً مِن قُرَيْشٍ تَزَوَّجَها رَجُلٌ مِن ثَقِيفٍ وهي في عِدَّتِها، فَأرْسَلَ إلَيْهِما وفَرَّقَ بَيْنَهُما وعاقَبَهُما وقالَ: لا تَنْكِحُها أبَدًا، وجَعَلَ الصَّداقَ في بَيْتِ المالِ، وفَشا ذَلِكَ في النّاسِ، فَبَلَغَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ فَقالَ: ”يَرْحَمُ اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما بالُ الصَّداقِ في بَيْتِ المالِ، إنَّهُما إنْ جَهِلا فَيَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَرُدَّهُما إلى السُّنَّةِ“، فَقِيلَ لَهُ: ”فَما تَقُولُ فِيهِ أنْتَ“ فَقالَ: ”لَها الصَّداقُ بِما اسْتَحَلَّ بِهِ مِن فَرْجِها، ويُفَرَّقُ بَيْنَهُما، وتُكْمِلُ عِدَّتَها مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ تُكْمِلُ عِدَّتَها مِنَ الآخَرِ، ثُمَّ يَكُونُ خاطِبًا“، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَخَطَبَ النّاسَ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ، رَدُّوا الجَهالاتِ إلى السُّنَّةِ“ . وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا تَحِلُّ لَهُ أبَدًا. قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: ولا بِمِلْكِ اليَمِينِ، مَعَ أنَّهم جَوَّزُوا التَّزْوِيجَ بِالمَزْنِيِّ بِها. وفِي اتِّفاقِ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى انْتِفاءِ الحَدِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ لا يُوجِبُ الحَدَّ، إلّا أنَّهُ مَعَ الجَهْلِ بِالتَّحْرِيمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ومَعَ العِلْمِ بِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب