الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾:
فَرَأى الشّافِعِيُّ أنَّهُ بَيانٌ لِما يَبْقى مَعَهُ الرَّجْعَةُ مِنَ الطَّلاقِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ .
وظَنَّ قَوْمٌ مِمَّنْ يَرى جَمْعَ الطَّلَقاتِ في قُرْءٍ واحِدٍ بِدْعَةً، أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، لِأنَّهُ لَوْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ مَعًا لَما جازَ أنْ يُقالَ: طَلَّقَها مَرَّتَيْنِ، وأنَّ مَن دَفَعَ إلى رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ، فَلا يُقالُ إنَّهُ أعْطاهُ مَرَّتَيْنِ حَتّى يُفَرَّقَ الدَّفْعُ.
ويُقالُ لِهَذا القائِلِ: لَوْ كانَ المُرادُ بِهِ بَيانَ ما ذَكَرَهُ، لَمْ يَكُنْ هَذا النَّظْمُ المَذْكُورُ دالًّا، لِأنَّهُ لَيْسَ التَّبْدِيعُ عِنْدَهُ مِن جِهَةِ جَمْعِ فِعْلِ الطَّلاقِ، فَإنَّهُ إنْ طَلَّقَها مَرَّتَيْنِ في قُرْءٍ واحِدٍ عِنْدَهُ فَهو حَرامٌ، وإنْ كانَ قَدْ طَلَّقَ مَرَّتَيْنِ حَقِيقَةً، فَيَحْرُمُ عِنْدَهُ أعْدادُ الطَّلَقاتِ في قُرْءٍ واحِدٍ، تَعَدَّدَ الإيقاعُ أوِ اتَّحَدَ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ ما يُنْبِئُ عَنْ مِيقاتِ تَحْرِيمِ المَرّاتِ وحِلِّها، فَلَيْسَ في اللَّفْظِ بَيانُ ما ذَكَرُوهُ.
نَعَمْ، إذا كانَ الطَّلاقُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى إسْقاطِ المِلْكِ ولا يَسْقُطُ بِهِ، فَيَحْسُنُ أنْ يُقالَ: إنَّما يَسْقُطُ لِمَرَّتَيْنِ، إذا كانَ يَسْقُطُ بِعَدَدٍ مِنهُ، ولَيْسَ كَإعْطاءِ دِرْهَمَيْنِ مَعًا، فَإنَّ الدَّراهِمَ الثّانِي لا يَتَعَلَّقُ بِالأوَّلِ في رُجُوعِهِما (p-١٦٥)إلى فائِدَةٍ واحِدَةٍ، ومَعْنًى واحِدٍ، حَتّى يُقالَ ذَلِكَ المَعْنى لا يَثْبُتُ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، بَلْ يَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ، أمّا الطَّلاقُ فَإسْقاطُ مِلْكِ النِّكاحِ، فَإذا لَمْ يَسْقُطْ مِلْكُ النِّكاحِ بِطَلْقَةٍ واحِدَةٍ، فالطَّلْقَتانِ مِنهُ في حالَةٍ واحِدَةٍ، كالطَّلْقَتَيْنِ في ساعَتَيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] .
لا أنَّ ذَلِكَ في حالَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ، بَعْدَ تَخَلُّلِ فاصِلٍ بَيْنَ الآخَرِ الأوَّلِ والثّانِي، فَإنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ مُتَّصِلٌ لا انْقِطاعَ لَهُ ولا انْفِصالَ فِيهِ.
ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ بَيانَ الرُّخْصَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ أيْ: لَكم أنْ تُطَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ وتُراجِعُوا بَعْدَهُما، فَإنْ طَلَّقْتُمُ الثّالِثَةَ فَلا رَجْعَةَ، إلّا أنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وهَذا لا يَقْتَضِي كَوْنَ مُخالَفَةِ الرُّخْصَةِ بِدْعَةً، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الرُّخْصَةُ في إثْباتِ الرَّجْعَةِ مَعَ صَرِيحِ إسْقاطِ المِلْكِ فِيما غَلَبَ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وجَعَلَ مُبَعَّضَهُ مُكَمَّلًا، وفاسِدَهُ صَحِيحًا، فَصَحِيحُهُ وصَرِيحُهُ في إسْقاطِ الرَّجْعَةِ، كَيْفَ لا يَكُونُ باتًّا لِلْمِلْكِ، وقاطِعًا لِلرَّجْعَةِ، بَدِيهَةً في قِياسِ الطَّلاقِ؟
نَعَمْ؛ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى الرَّجْعَةَ في مَواضِعَ فَقالَ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] .
ولَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إذا أخَذَ بِما هو الأصْلُ في إسْقاطِ مِلْكٍ هو لَهُ أنْ لا يَجُوزَ. (p-١٦٦)ورُبَّما احْتَجَّ بَعْضُ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] .
وظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الثَّلاثِ، لِما فِيهِ مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَنا مِنَ الطَّيِّباتِ.
وهَذا جَهْلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما نَهانا عَنْ تَحْرِيمِ طَيِّباتٍ أحَلَّها لَنا، مَعَ بَقاءِ سَبَبِ الحِلِّ، كَما كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ.
فَأمّا إذا كانَ الحِلُّ عارِضًا لِأجْلِ المِلْكِ، فَما دامَ المِلْكُ قائِمًا فَلَهُ الحِلُّ، فَإذا زالَ المِلْكُ زالَ الحِلُّ، كَما يَزُولُ الِانْتِفاعُ بِالبَيْعِ في العَبْدِ والجارِيَةِ والثَّوْبِ.
كَيْفَ والحِلُّ في حَقِّ الأجْنَبِيَّةِ، مَعَ أنَّ الأصْلَ في الأبْضاعِ التَّحْرِيمُ عَجَبٌ، فَأمّا رَفْعُ مِلْكٍ ثَبَتَ لَهُ، وحُصُولُ تَحْرِيمٍ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ إلى الأصْلِ في تَحْرِيمِ الأجْنَبِيّاتِ، حَيْثُ لا مِلْكَ، فَلا تَتَناوَلُهُ هَذِهِ الآيَةُ. (p-١٦٧)ومِنِ اعْتَقَدَ تَناوُلَ هَذِهِ الآيَةِ لِتَحْرِيمِ البَيْعِ والعِتْقِ وسائِرِ الإزالاتِ ثُمَّ خُصَّ بِدَلِيلٍ، فَهو جاهِلٌ جِدًّا لِمَعانِي الكَلامِ.
وما ذَكَرَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ الماجِشُونَ، واللَّيْثُ ابْنُ سَعْدٍ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، أنَّ طَلاقَ العِدَّةِ السُّنِّيَّ، أنْ يُطَلِّقَها واحِدَةً، ولا يُطَلِّقَها في تِلْكَ العِدَّةِ أُخْرى، فَإنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْها في قَطْعِ النِّكاحِ، إنَّما الحاجَةُ إلى الطَّلْقَةِ الأُولى، وهي تَبِينُ عِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الثّانِيَةِ، فَأيُّ مَعْنًى لِلثّالِثَةِ؟ .
وهَذا لازِمٌ عَلى أبِي حَنِيفَةَ، إذا سَلَكَ مَسْلَكَ النَّظَرِ في مُراعاةِ الحاجَةِ إلى قَطْعِ النِّكاحِ.
نَعَمْ؛ إذا راجَعَها فَلَهُ أنْ يُطَلِّقَها الثّانِيَةَ، أمّا الطَّلاقُ الثّانِي في القُرْءِ الثّانِي في عَدَمِ الحاجَةِ، كالطَّلاقِ الثّانِي في القُرْءِ الأوَّلِ. هَذا حَسَنٌ عَلى قِياسِ أُصُولِهِمْ.
فَإنْ قالَ مَن يَذُبُّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ، يُبِيحُ في القُرْءَيْنِ، فَيُبِيحُ في القُرْءِ الواحِدِ، فاعْتِبارُ الأقْراءِ مِن أيِّ أصْلٍ تَلَقَّوْهُ ولَيْسَ في إيقاعِ الثّانِيَةِ في القُرْءِ الثّانِي فائِدَةٌ أصْلًا، فَلا هو يَقْطَعُ النَّفَقَةَ ولا أنَّهُ يَقْطَعُ سَبَبًا مِنَ الأسْبابِ، إلّا أنْ يَقُولَ جاهِلٌ إنَّهُ يَقْطَعُ المِيراثَ، إنْ كانَ في حالَةِ الصِّحَّةِ وماتَ فَجْأةً، وهَذا جَهْلٌ عَظِيمٌ في إباحَةِ اعْتِقادِ الطَّلاقِ لِهَذا القَدْرِ مِنَ الغُرْمِ، وجَوَّزُوا الطَّلاقَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ في حَقِّ غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وفِيهِ قَطْعٌ لِلنِّكاحِ، ولَمْ يُجَوِّزُوا الطَّلْقَتَيْنِ، مَعَ أنَّ الثّانِيَةَ لا حاجَةَ إلَيْها في قَطْعِ هَذا النِّكاحِ، ولَيْسَ في إيقاعِها إلّا تَوَقُّعُ التَّدَرُّجِ بِهِ إلى مَنعِ التَّزَوُّجِ بِها ابْتِداءً، فَإذا لَمْ يَحْرُمْ قَطْعُ هَذا النِّكاحِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، فالنِّكاحُ الآخَرُ لِأنْ لا يَحْرُمَ قَطْعُهُ أوْلى، والنِّكاحُ الآخَرُ يَجُوزُ قَطْعُهُ بِالطَّلاقِ الثّالِثِ في القُرْءِ الثّالِثِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلَيْهِ، فَأيُّ مُسْتَنَدٍ (p-١٦٨)لَهم في اعْتِبارِ صُورَةِ الأقْراءِ، وغايَةُ ما ذَكَرُوهُ مُسْتَنَدًا لِاعْتِبارِ الأقْراءِ ما رَواهُ مالِكٌ عَنْ نافِعٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌالقِصَّةُإلى أنْ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ».
وهَذا الَّذِي قالُوهُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّهُ رُوِيَ في بَعْضِ الأخْبارِ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَها حَتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ قالَ: إنْ شاءَ طَلَّقَ وإنْ شاءَ أمْسَكَ» مِن غَيْرِ ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيادَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الزِّيادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، مَعَ أنَّهُ قِيلَ: إذا لَمْ تَنْقُلِ الزِّيادَةُ نَقْلَ الأصْلِ، فَذَلِكَ يُوجِبُ ضَعْفًا ووَهْيًا.وأحْسَنُ الأحْوالِ لِلْمُخالِفِ أنْ يَقْبَلَ مِنهم هَذِهِ الزِّيادَةَ، وهي مُوافِقَةٌ لِأصْلِنا، فَإنّا نَقُولُ عَلى مَذْهَبٍ لَنا صَحِيحٍ، إنَّهُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ في الحَيْضِ. ونَدَبْناهُ إلى الرَّجْعَةِ فَراجَعَها، فَإذا طَهُرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُكْرَهُ لَهُ طَلاقُها، لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ راجَعَ لِلطَّلاقِ فَقَطْ، لا لِغَرَضٍ آخَرَ، ويُكْرَهُ أنْ تَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلطَّلاقِ فَقَطْ فَلا جَرَمَ، قِيلَ: يُمْسِكُها إلى أنْ تَحِيضَ مَرَّةً أُخْرى وتَطْهُرَ، وهَذا وفْقَ مَذْهَبِنا ومُقْتَضى قَوْلِنا.
ومُسْتَنَدُ أبِي حَنِيفَةَ في إيجابِ الفَصْلِ بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ، هو هَذا الخَبَرُ الَّذِي يَرْوُونَهُ وبَيَّنّا وجْهَ الكَلامِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ نُقِلَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إذا طَلَّقَها ثُمَّ راجَعَها في ذَلِكَ الطُّهْرِ جازَ لَهُ إيقاعُ طَلْقَةٍ أُخْرى في ذَلِكَ الطُّهْرِ بِعَيْنِهِ، يُقَدِّرُ كَأنَّ الطَّلاقَ لاقاها في الحَيْضِ، فَإذا طَهُرَتْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُطَلِّقَها طَلْقَةً أُخْرى وقَدْ تَحَلَّلَتِ الرَّجْعَةُ؟ (p-١٦٩)وأبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ ذَكَرَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ ذَكَرَ هَذِهِ المَسْألَةَ في الأُصُولِ، ومَنَعَهُ مِن إيقاعِ التَّطْلِيقَةِ الثّانِيَةِ في ذَلِكَ الطُّهْرِ وإنْ راجَعَها، حَتّى يَفْصِلَ بَيْنَهُما بِحَيْضَةٍ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا هو الصَّحِيحُ عِنْدَنا، والرِّوايَةُ الأُخْرى غَيْرُ مَعْمُولٍ بِها.
ومِمّا جَعَلُوهُ مُسْتَنَدًا لِقَوْلِهِمْ في اعْتِبارِ الأقْراءِ ما رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: حَدَّثَنا «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُتْبِعَها بِطَلْقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ عِنْدَ القُرْئَيْنِ الباقِيَيْنِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لِابْنِ عُمَرَ:
”ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى، إنَّكَ قَدْ أخْطَأْتَ السُّنَّةَ، والسُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ“، وأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَراجَعْتُها، وقالَ: إذا هي طَهُرَتْ فَطَلِّقْ عِنْدَ ذَلِكَ أوْ أمْسِكْ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها ثَلاثًا أكانَ لِي أنْ أُراجِعَها؟
قالَ: ”لا؛ كانَتْ تَبِينُ فَتَكُونُ مَعْصِيَةً“»، وهَذا يَرْوِيهِ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.نَعَمْ؛ تَواتَرَتِ الأخْبارُ في سائِرِ أخْبارِ ابْنِ عُمَرَ حِينَ ذَكَرَ الطُّهْرَ الَّذِي هو وقْتٌ لِإيقاعِ طَلاقِ السُّنَّةِ: «ثُمَّ طَلِّقْها إنْ شِئْتَ»، ولَمْ يُخَصِّصْ ثَلاثًا مِمّا دُونَها كانَ ذَلِكَ طَلاقَها الاثْنَيْنِ أوِ الثَّلاثَ مَعًا، ولَيْسَ لَهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ: ”طَلِّقْ“ مَخْصُوصٌ بِالأقَلِّ، كَلَفْظِهِ لِوَكِيلِهِ: طَلِّقْ، لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ حَيْثُ لا تَكُونُ الطَّلَقاتُ مَمْلُوكَةً لَهُ، فَأمّا إذا كانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، فَمُطْلَقُ اللَّفْظِ يَتَناوَلُ الجِنْسَ الَّذِي يَمْلِكُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ خُصُّ مِنهُ الزَّوْجانِ إذا كانا مَمْلُوكَيْنِ، واخْتَلَفُوا فِيما إذا رَقَّ أحَدُهُما. (p-١٧٠)فالشّافِعِيُّ يَعْتَبِرُ الطَّلاقَ بِالرِّجالِ.
وأبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ عَدَدَهُ بِالنِّساءِ.
والبَتِّيُّ يَقُولُ: مِن أيِّ جانِبٍ جاءَ الرِّقُّ انْتُقِصَ عَدَدُ الطَّلاقِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الرَّوافِضِ، أنَّ الثَّلاثَ لا يَقَعْنَ إذا جُمِعَ بَيْنَهُنَّ، وإنَّما يُرَدُّ إلى واحِدٍ.
والحَجّاجُ بْنُ أرْطَأةَ كانَ عَلى هَذا المَذْهَبِ فِيما نَقَلَهُ أبُو يُوسُفَ عَنْهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ: تُرَدُّ إلى واحِدَةٍ.
وزَعَمُوا أنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ لِبَيانِ الطَّلاقِ المَشْرُوعِ، وحَصْرِ المَشْرُوعِ في المَذْكُورِ، وقالَ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فَإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ، ورَأوْا أنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَ البَدِيعَ في التَّصَرُّفاتِ لِما شُرِعَ عَلى وجْهٍ لَمْ يَثْبُتْ إلّا عَلى ما شُرِعَ، ولَمْ يُشْرَعْ إلّا مُفَرَّقًا، فَلا يَثْبُتُ إلّا مُفَرَّقًا، وقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ لَمّا قالَ: أرَأيْتَ لَوْ طَلَّقْتُها ثَلاثًا؟ إذًا عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتِ امْرَأتُكَ يَقْضِي عَلى هَذا الكَلامِ ويَسْتَأْصِلُهُ.
ولِأنَّ الطَّلَقاتِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ جَمِيعًا فَإنَّ سَبَبَ المِلْكِ النِّكاحُ، والنِّكاحُ بِالإضافَةِ إلى الثّانِي والثّالِثِ واحِدٌ.
وكَيْفَ لا، والأصْلُ أنْ يَزُولَ بِدَفْعِهِ، ولَكِنْ حَكَمَ بِالعَدَدِ مِنهُ نَظَرًا لِلْمالِكِ ورُخْصَةً، فَإذا جَمَعَ عادَ إلى الأصْلِ فَوَقَعَ.
وصَحَّ «أنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ البَتَّةَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-١٧١)وسَلَّمَ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلّا واحِدَةً، فَقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً،» ولَوْ كانَ لا يَقَعُ الثَّلاثُ لَمْ يَكُنْ لِهَذا مَعْنًى.
واحْتَجَّ مِن مَعْنى وُقُوعِ الثَّلاثِ بِما رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «طَلَّقَ رُكانَةُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ طَلَّقْتَها؟ أطْلَقْتَها ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ فارْتَجِعْها إنْ شِئْتَقالَ: فَراجَعَها»
ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ:
”ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبى بَكْرٍ، وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ تُرَدُّ إلى الواحِدَةِ؟ قالَ: نَعَمْ“».
وذَكَرَ عُلَماءُ الحَدِيثِ أنَّ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ مُنْكَرانِ.
وذَكَرُوا «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ واحِدَةً؛» أيْ: أنَّهم كانُوا يُطَلِّقُونَ طَلْقَةً واحِدَةً، هَذا الَّذِي يُطَلِّقُونَ ثَلاثًا، أيْ: ما كانُوا يُطَلِّقُونَ في كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً، وإنَّما كانُوا يُطَلِّقُونَ في جَمِيعِ العِدَّةِ واحِدَةً إلى أنْ تَبِينَ وتَنْقَضِيَ العِدَّةُ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾:
وظاهِرُ الفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ أنْ يَكُونَ الإمْساكُ عَقِيبَ الطَّلاقِ، والإمْساكُ إنَّما هو الرَّجْعَةُ لِأنَّها ضِدُّ حُكْمِ الطَّلاقِ، لِأنَّ حُكْمَ الطَّلاقِ (p-١٧٢)الفُرْقَةُ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ. فَسَمّى اللَّهُ تَعالى الرَّجْعَةَ إمْساكًا لِبَقاءِ الرَّجْعَةِ لَها بَعْدَ مُضِيِّ الثَّلاثِ حِيَضٍ، وارْتِفاعِ حُكْمِ البَيْنُونَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ.
وإنَّما أباحَ اللَّهُ تَعالى إمْساكًا عَلى وصْفٍ، وهو أنْ يَكُونَ بِمَعْرُوفٍ، وهو وُقُوعُهُ عَلى وجْهٍ يَحْسُنُ ويَجْمُلُ، ولا يُقْصَدُ بِهِ الإضْرارُ بِها عَلى ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] .
فَإنَّهُ إنَّما أباحَ لَهُ الرَّجْعَةَ عَلى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، ومَتى راجَعَ بِغَيْرٍ مَعْرُوفٍ كانَ عاصِيًا، والرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ.
وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ يَتَناوَلُ ما يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِهِ، والجِماعُ أقْوى مَقاصِدِ النِّكاحِ، فَكانَ إمْساكًا بِالمَعْرُوفِ فَتَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ وهَذا الظَّنُّ غَلَطٌ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ ما كانَ بِالقَوْلِ، فَإنْ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ ولا طَلاقَ إلّا بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ لا إمْساكَ إلّا بِالقَوْلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
ولا يَقُولُ عاقِلٌ إنَّهُ يَتَناوَلُ الجِماعَ، لِيُشْهِدَ عَلَيْهِ ذَوَيْ عَدْلٍ، إلّا أنْ يُقِرَّ بِالوَطْءِ، ويُشْهِدَ عَلى الإقْرارِ، وذَلِكَ خِلافُ المَشْرُوعِ لِأنَّ المَشْرُوعَ الشَّهادَةُ عَلى نَفْسِ الرَّجْعَةِ لا عَلى الإقْرارِ بِها. (p-١٧٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: أنَّ المُرادَ بِهِ الثّالِثَةَ.ورَوَوْا عَنْ أبِي رَزِينٍ أنَّهُ «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟
فَقالَ: أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ،» وهَذا الخَبَرُ غَيْرُ ثابِتٍ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ.وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ إنَّهُ بِتَرْكِها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ويَظْهَرُ هَذا المَعْنى في مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] .
والمُرادُ التَّسْرِيحُ بِتَرْكِ الرَّجْعَةِ إذْ يَبْعُدُ أنْ يَقُولَ: طَلِّقُوا واحِدَةً أُخْرى وقالَ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] .
ولَمْ يُرِدْ بِهِ إيقاعًا مُسْتَقْبَلًا، وإنَّما أرادَ بِهِ تَرْكَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.نَعَمْ، الثّالِثَةُ مَذْكُورَةٌ في مَساقِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
فالثّالِثَةُ مَذْكُورَةٌ في صِلَةِ هَذا الخِطابِ، مُفِيدَةٌ لِلْبَيْنُونَةِ المُوجِبَةِ (p-١٧٤)التَّحْرِيمِ، إلّا بَعْدَ زَوْجٍ، ووَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عَلى فائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ، وهي وُقُوعُ البَيْنُونَةِ بِالثِّنْتَيْنِ عِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ.
وعَلى أنَّ المَقْصِدَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ عَدَدِ الطَّلاقِ المُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ، ونَسْخُ ما كانَ جائِزًا مِن إيقاعِ الطَّلاقِ بِلا عَدَدٍ مَحْصُورٍ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ هو الثّالِثَةَ، لَما أبانَ عَنِ المَقْصِدِ في إيقاعِ التَّحْرِيمِ بِالثَّلاثِ، إذْ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَما دَلَّ عَلى وُقُوعِ البَيْنُونَةِ المُحَرِّمَةِ لَها، إلّا بَعْدَ زَوْجٍ، وإنَّما عُلِمَ التَّحْرِيمُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ الثّالِثَةَ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ بِمَعْنى الثّالِثَةِ، كانَ قَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] الرّابِعَةَ، لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، قَدِ اقْتَضى طَلاقًا مُسْتَقْبَلًا بَعْدَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ وهو تَرْكُها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
وهَذا صَحِيحٌ عِنْدَنا، إلّا أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنِ التَّسْرِيحُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ بِمَعْنى الطَّلاقِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ لَفْظِ السَّراحِ صَرِيحًا عَلى ما قالَهُ أصْحابُنا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرادَ بِهِ بَيانَ اللَّفْظِ، وإنَّما أرادَ بِهِ تَخْلِيَةَ سَبِيلِها، حَتّى تَبِينَ بِالطَّلاقِ المُتَقَدِّمِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، مِن غَيْرِ (p-١٧٥)اعْتِبارِ لَفْظٍ آخَرَ، فَلْيُطْلَبْ لِكَوْنِ السَّراحِ صَرِيحًا مَأْخَذٌ آخَرٌ عَلى هَذا الرَّأْيِ.قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] تَبْعُدُ دَلالَتُهُ عَلى الوَطْءِ مُضافًا إلَيْها حَتّى يُقالَ: إنَّ المُرادَ بِهِ حَتّى تَطَأ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وإنَّما المُرادُ بِهِ حَتّى تَجْتَمِعَ بِزَوْجٍ غَيْرِهِ، والِاجْتِماعُ يَحْتَمِلُ الوَطْءَ، ويَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، ودَلَّ خَبَرُ رِفاعَةَ عَلى اعْتِبارِ الوَطْءِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، فَإنَّهُ قالَ: يَكْفِي النِّكاحُ.
ولَئِنْ قِيلَ: تَرْكُ دَلالَةِ الغايَةِ المَذْكُورَةِ لِمُجَرَّدِ خَبَرِ رِفاعَةَ بَعِيدٌ.
فَيُقالُ: وما بَيَّنَ اللَّهُ تَفْصِيلَ الغايَةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . فَذَكَرَ الوَطْءَ شَرْطًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وراءَ هَذا الشَّرْطِ شَرْطٌ آخَرُ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] .
ويَجُوزُ أنْ تَغْتَسِلَ وتَتَوَقَّفَ الِاسْتِباحَةُ عَلى شَرْطٍ آخَرَ.
وذِكْرُ شَرْطٍ وبَيانٍ تَوَقَّفَ الحُكْمُ عَلَيْهِ، لا يَمْنَعُ اعْتِبارَ شَرْطٍ آخَرَ، (p-١٧٦)والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فاعْتَبَرَ الطَّلاقَ وحِلُّ المَحَلِّ ثابِتٌ قَبْلَهُ، وقالَ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٣٠] وانْقِضاءُ العِدَّةِ مُعْتَبَرٌ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآيَةُ.وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] .
فَهَذا يَمْنَعُ أخْذَ شَيْءٍ مِنهُ دُونَ رِضاها، إذا كانَ النُّشُوزُ مِنهُ.وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ فَقَيَّدَ بِحالَةِ خَوْفِ الشِّقاقِ.وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ (p-١٧٧)لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] .ومَعْنى الفاحِشَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نُشُوزًا مِن قِبَلِها، أوْ زِنًا يَخْرُجُ صَدْرُهُ، ويَحْمِلُهُ عَلى المُخاصَمَةِ.
وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ، إباحَةَ أخْذِ المَهْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] .
وقالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . (p-١٧٨)قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] مُحْكَمٌ تُعَضِّدُهُ الأُصُولُ، وهو أنَّهُ إذا جازَ لَهُ أخْذُ المالِ مِنها بِرِضاها في غَيْرِ الخُلْعِ، فَهو في حالِ الخَلْعِ جائِزٌ.
وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في حالَةِ الضَّرُورَةِ وخَوْفِ الشِّقاقِ وهو باطِلٌ، فَإنَّ الغَرَضَ مِن ذَكْرِ حالِ الشِّقاقِ، بَيانُ الخُلْعِ في غالِبِ الحالِ، وإلّا فَعُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، مَعَ ظُهُورِ العِلَّةِ فِيهِ، وهو كَوْنُ المَبْذُولِ حَقًّا لَها، ولَها أنْ تَهَبَ مَن شاءَتْ أوْلى بِالِاعْتِبارِ.
وكَذَلِكَ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ:
«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ» .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الخُلْعِ هَلْ هو فَسْخٌ أمْ طَلاقٌ؟
فالَّذِي لا يَراهُ طَلاقًا يَقُولُ:
قَدْ قالَ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ .
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ .
ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فَلَوْ كانَ الخُلْعُ طَلاقًا، لَكانَ (p-١٧٩)الخُلْعُ بَعْدَ ذِكْرِ طَلْقَتَيْنِ ثالِثًا، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] بَعْدَ ذَلِكَ، دالًّا عَلى الطَّلاقِ الرّابِعِ.
وهَذا غَلَطٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ أفادَ حُكْمَ الِاثْنَتَيْنِ إذا أوْقَعَهُما عَلى غَيْرِ وجْهِ الخُلْعِ، وأثْبَتَ مَعَهُما الرَّجْعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَهُما إذا كانَ عَلى وجْهِ الخُلْعِ، فَعادَ الخُلْعُ إلى الثِّنْتَيْنِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُما.
أوِ المُرادُ بِذَلِكَ بَيانُ الطَّلاقِ المُطْلَقِ، والطَّلاقِ بِعِوَضٍ، والطَّلاقِ الثَّلاثِ بِعِوَضٍ كانَ أوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ الحِلَّ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ.
وظَنَّ ظانُّونَ أنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخْتَلِعَةَ يَلْحَقُها الطَّلاقُ فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾، وذَلِكَ بَيانُ الطَّلاقِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ بِعِوَضٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
فَتَكُونُ الثّالِثَةُ حاصِلَةً بَعْدَ الخُلْعِ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الثّالِثَةَ بَعْدَ الخُلْعِ قَوْلُهُ تَعالى في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: (p-١٨٠)﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ .
فَأباحَ لَهُما التَّراجُعَ بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ الثّالِثَةِ، بِشَرِيطَةِ زَوالِ ما كانا عَلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ، لِتَرْكِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَنْدَما بَعْدَ الفُرْقَةِ ويُحِبَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَعُودَ إلى الأُلْفَةِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الثّالِثَةَ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ الخُلْعِ.
وزَعَمُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، يَبْعُدُ أنْ يَرْجِعَ إلى قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، لِأنَّ الَّذِي تَخَلَّلَ مِنَ الكَلامِ يَمْنَعُ بِناءَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، بَلِ الأقْرَبُ عَوْدُهُ إلى ما يَلِيهِ كَما في الِاسْتِثْناءِ، بِلَفْظِ التَّخْصِيصِ أنَّهُ عائِدٌ إلى ما يَلِيهِ ولا يَعُودُ إلى ما تَقَدَّمَهُ إلّا بِدَلالَةٍ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] .
صارَ مَقْصُورًا عَلى ما يَلِيهِ، غَيْرَ عائِدٍ إلى ما تَقَدَّمَهُ، حَتّى لا يُشْتَرَطَ الدُّخُولُ في أُمَّهاتِ النِّساءِ.
وذَكَرُوا أنَّ هَذا أبْعَدُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ عَطْفَهُ عَلى ما يَلِيهِ وما تَقَدَّمَهُ، أقْرَبُ مِن إخْراجِ ما يَلِيهِ بِالكُلِّيَّةِ وتَرْكِ العَطْفِ عَلَيْهِ.
وهَذا الَّذِي تَوَهَّمَهُ هَؤُلاءِ باطِلٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، لَيْسَ يَدُلُّ عَلى الثّالِثِ إلّا بِتَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى عَدَدٍ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ. (p-١٨١)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾، لا يَدُلُّ عَلى طَلْقَتَيْنِ لا تَعْرِيضًا ولا تَصْرِيحًا، حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] مُرَتَّبًا عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ مَسُوقٌ لِبَيانِ جَوازِ بَذْلِ العِوَضِ، لا لِبَيانِ عَدَدِ الطَّلاقِ والمُقابِلِ لِلْعِوَضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَدِ الطَّلاقِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الرَّجْعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] بَيانُ تَمامِ ذَلِكَ العَدَدِ، الَّذِي لا يَقْتَرِنُ بِهِ الِاسْتِدْراكُ.
ثُمَّ جَوازُ الِافْتِداءِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والعَدَدُ، وذَلِكَ بَيِّنٌ بِأوَّلِ الخاطِرِ، ولَيْسَ فِيهِ شُبْهَةٌ عَلى مُتَأمِّلٍ.
{"ayah":"ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِیحُۢ بِإِحۡسَـٰنࣲۗ وَلَا یَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُوا۟ مِمَّاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ شَیۡـًٔا إِلَّاۤ أَن یَخَافَاۤ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَا فِیمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











