الباحث القرآني

(p-١٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾: واخْتَلَفَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعُلَماءُ السَّلَفِ في الثَّلاثَةِ: فَقالَ قَوْمٌ: الثَّلاثَةُ مِنَ الحَيْضِ، فَما لَمْ تَغْتَسِلِ المَرْأةُ مِنَ الحَيْضِ فَزَوْجُها أحَقُّ بِها. وقالَتْ عائِشَةُ: إذا دَخَلَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها. فالثَّلاثَةُ إذًا مِنَ الأطْهارِ. وأمّا اسْمُ الأقْراءِ فَيَتَناوَلُ الحَيْضَ والطُّهْرَ جَمِيعًا. واخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِما، أوْ مُشْتَرِكًا اشْتِراكًا لا يَظْهَرُ رُجْحانُ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ عَلى الآخَرِ. وقالَ قَوْمٌ: هو حَقِيقَةٌ في الحَيْضِ ومَجازٌ في الطُّهْرِ، وذَلِكَ بِحَسَبِ النَّظَرِ في مَوْضِعِ الِاشْتِقاقِ، واخْتُلِفَ فِيهِ: فَمِنهم مَن قالَ: القُرْءُ مِنَ الوَقْتِ، وعَلى ذَلِكَ شَواهِدُ مِنَ اللُّغَةِ. وقالَ آخَرُونَ: هو مِنَ الجَمْعِ والتَّأْلِيفِ، وعَلى ذَلِكَ شَواهِدُ. فَإنْ كانَتْ حَقِيقَتُهُ الوَقْتَ، فَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الحَيْضَ أوْلى بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ في الأصْلِ إنَّما كانَ وقْتًا لِما يَحْدُثُ فِيهِ، (p-١٥٣)والحَيْضُ هو الحادِثُ، ولَيْسَ الطُّهْرُ شَيْئًا أكْبَرَ مِن عَدَمِ الحَيْضِ، وزَوالِ العارِضِ، والرُّجُوعِ إلى ما كانَ في الأصْلِ، فَكانَ الحَيْضُ أوْلى بِمَعْنى الِاسْمِ. وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإنَّ الحَيْضَ والطُّهْرَ وصْفانِ يَعْتَوِرانِ عَلى المَرْأةِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما وقْتٌ مَعْلُومٌ أقَلُّهُ وأكْثَرُهُ. وهم يَقُولُونَ: لَكِنَّ الطُّهْرَ إنَّما يُعْلَمُ بِغَيْرِهِ لا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ الطُّهْرَ لا نِهايَةَ لِأكْثَرِهِ إذْ هو عَدَمُ الحَيْضِ، وإنَّما يُعْلَمُ بِوُجُودِ الحَيْضِ. قالُوا: وإنْ كانَ القُرْءُ اسْمًا لِلضَّمِّ والجَمْعِ، فَهو أوْلى بِالدَّمِ المُجْتَمِعِ. ولا يُتَيَقَّنُ كَوْنُهُ حالَةَ الطُّهْرِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، ولَيْسَ يَبِينُ لَنا أنَّ الدَّمَ يَجْتَمِعُ في حالَةِ الطُّهْرِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَجْتَمِعَ في حالَةِ الحَيْضِ ويَسِيلَ فِيهِ، فَلا مُسْتَنَدَ لِهَذا القَوْلِ. وزَعَمُوا أنَّ حَدَّ الحَقِيقَةِ وُجِدَ في الحَيْضِ، لِأنَّ اسْمَ القُرْءِ لا يَنْتَفِي عَنْهُ أصْلًا، ولا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في الطُّهْرِ، لِأنَّهُ يُوجَدُ الطُّهْرُ ولا يُسَمّى قُرْءًا بِحالٍ مِثْلِ طُهْرِ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ، فَيَظْهَرُ أنَّ الطُّهْرَ سُمِّيَ قُرْءًا لِمُجاوَرَتِهِ لِلْحَيْضِ، فالحَيْضُ بِذَلِكَ أوْلى. وادَّعَوْا تَطَرُّقَ المَجازِ إلى قَوْلِنا مِن حَيْثُ اللُّغَةُ مِن وجْهَيْنِ، ومِن وجْهٍ ثالِثٍ وهو أنَّ مُقْتَضى قَوْلِنا الِاكْتِفاءُ بِقُرْءَيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ، وإطْلاقُ اسْمِ الجَمْعِ عَلى شَيْئَيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ مَجازٌ عَلى خِلافِ الحَقِيقَةِ، وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مِثْلِ حَمْلِ أشْهُرِ الحَجِّ عَلى شَهْرَيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ، (p-١٥٤)وإذا جُعِلَ لِلْقُرْءِ بَدَلٌ، وهو الأشْهَرُ، لا جَرَمَ كانَتِ الأشْهُرُ ثَلاثَةً تامَّةً مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا حَطِيطَةٍ، فَلْيَكُنِ الطُّهْرُ كَذَلِكَ. والَّذِي تَوَجَّهَ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ عَلى هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلاءِ مِن مَواضِعِ الِاشْتِقاقِ، لا يَصِحُّ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ، فَإنَّهُ لَوْ قَدَّرَ التَّصْرِيحَ بِمَحالِّ الِاشْتِقاقِ عَلى ما قالُوهُ، لَمْ يَنْتَظِمِ الكَلامُ. وإذا كانَ الِاسْمُ مُشْتَقًّا مِن شَيْءٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَرَّحَ بِمَوْضِعِ الِاشْتِقاقِ يَسْتَقِيمُ مَعْنى الكَلامِ، مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢] . والزّانِي مُشْتَقٌّ مِنَ الزِّنا، فَلَوْ ذَكَرَ مَوْضِعَ الِاشْتِقاقِ وعَلَّقَ عَلَيْهِ الحَدَّ، يَسْتَقِيمُ مَعْنى الكَلامِ. وها هُنا: إنْ كانَ اشْتِقاقُ القُرْءِ مِنَ الوَقْتِ، فَإذا ذُكِرَ الوَقْتُ في نَفْسِهِ، أوِ الضَّمُّ بِلَفْظِ الثَّلاثِ، لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُسْتَقِيمَ النَّظْمِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: ”والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ، أوْ ثَلاثَةَ اجْتِماعاتٍ“، ولَمْ يُضِفِ الوَقْتَ إلى شَيْءٍ، والِاجْتِماعَ إلى شَيْءٍ، لَمْ يَصِحَّ مَعْنى الكَلامِ في إرادَةِ الحَيْضِ والطُّهْرِ جَمِيعًا.نَعَمْ إنَّما يَسْتَقِيمُ النَّظَرُ إلى مَوْضِعِ الِاشْتِقاقِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَجْعَلَ القُرْءَ مُشْتَقًّا مِنَ الانْتِقالِ مِن حالٍ إلى حالٍ، فَعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ الكَلامُ، إذا ذَكَرَ مَوْضِعَ الِاشْتِقاقِ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: (p-١٥٥)والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ أدْوارٍ، أوْ ثَلاثَةَ انْتِقالاتٍ، فَهي مُتَّصِفَةٌ بِحالَتَيْنِ فَقَطْ. فَتارَةً تَنْتَقِلُ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ. وتارَةً تَنْتَقِلُ مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ. فَيَسْتَقِيمُ مَعْنى الكَلامِ في دَلالَتِهِ عَلى الحَيْضِ والطُّهْرِ جَمِيعًا، فَيَصِيرُ الِاسْمُ مُشْتَرِكًا. أوْ يُقالُ: إذا ثَبَتَ أنَّ القُرْءَ هو الِانْتِقالُ، فَخُرُوجُها مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ غَيْرُ مُرادٍ بِالآيَةِ أصْلًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ في الحَيْضِ طَلاقًا سُنِّيًّا مَأْمُورًا بِهِ. وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ طَلاقًا عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ، وهو الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ، فَإنَّ الطَّلاقَ لِلْعِدَّةِ ما كانَ في الطُّهْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ القُرْءِ مَأْخُوذًا مِنَ الانْتِقالِ. فَإذا كانَ الطَّلاقُ في الطُّهْرِ سَبَبًا، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ انْتِقالاتٍ، فَأوَّلُها: هِيَ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الطَّلاقُ، والَّذِي هو الِانْتِقالُ مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ لَمْ يُجْعَلْ قُرْءًا، لِأنَّ اللُّغَةَ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، لَكِنْ عَرَفْنا بِدَلِيلٍ آخَرَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ، واللَّفْظُ دَلَّ عَلى الِانْتِقالِ، والِانْتِقالُ مَحْصُورٌ في الحَيْضِ والطُّهْرِ، فَإذا خَرَجَ أحَدُهُما عَنْ كَوْنِهِ مُرادًا، بَقِيَ الآخَرُ، وهو الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ مُرادًا، فَعَلى هَذا عِدَّتُها ثَلاثَةُ انْتِقالاتٍ؛ أوَّلُها: الطُّهْرُ، وعَلى هَذا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ (p-١٥٦)ثَلاثَةِ أقْراءٍ كامِلَةً، إذا كانَ الطَّلاقُ في حالَةِ الطُّهْرِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ حَمْلًا عَلى المَجازِ بِوَجْهٍ ما، وهَذا نَظَرٌ دَقِيقٌ في غايَةِ الِاتِّجاهِ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ. وأكْثَرُ ما يَرِدُ عَلى هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ: مِنها: أنَّ ذَلِكَ خِلافُ ما قالَتْهُ عامَّةُ العُلَماءِ، مِن أنَّ القُرْءَ طُهْرٌ أوْ حَيْضٌ، وذَلِكَ إحْداثُ قَوْلٍ ثالِثٍ. وهَذا لا وجْهَ لَهُ، فَإنَّ القُرْءَ حَقِيقَةٌ في الِانْتِقالِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ مِنَ الانْتِقالِ: فَإنَّهُ مُتَرَدِّدٌ في اللُّغَةِ بَيْنَ الحَيْضِ والطُّهْرِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ القُرْءُ اسْمًا لِنَفْسِ الطُّهْرِ، أوِ اسْمًا لِنَفْسِ الحَيْضِ حَقِيقَةً فَلا، والدَّلِيلُ عَلى مَوْضِعِ الِاشْتِقاقِ قَوْلُهُمْ: قَرَأ النَّجْمُ: إذا طَلَعَ، وقَرَأ النَّجْمُ: إذا أفَلَ، بِمَعْنى تَبَدُّلِ الأحْوالِ عَلَيْهِ. نَعَمْ؛ وضْعُ اللُّغَةِ يَقْضِي أنْ يَكُونَ انْتِقالُها مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ قُرْءًا ومِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ قُرْءًا ثانِيًا، ومِنَ الطُّهْرِ الثّانِي إلى الحَيْضِ الثّانِي قُرْءًا ثالِثًا، وتَنْقَضِي عِدَّتُها بِدُخُولِها في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ، غَيْرَ أنَّ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ في خاصَّةِ الحَيْضِ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِقالَ -وهُوَ مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ- لَيْسَ مُرادًا بِالآيَةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ في ذَلِكَ شَيْءٌ لا يَبْعُدُ فَهْمُهُ مِن دَقائِقِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، وهو أنَّ الِانْتِقالَ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، إنَّما جُعِلَ قُرْءًا لِدَلالَتِهِ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ، فَإنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ في الغالِبِ، فَحَيْضَتُها عَلَمٌ عَلى بَراءَةِ رَحِمِها، والِانْتِقالُ مِن حَيْضٍ إلى طُهْرٍ بِخِلافِهِ، فَإنَّ الحائِضَ يَجُوزُ أنْ تَحْبَلَ مِن أعْقابِ حَيْضَتِها، وإذا تَمادى أمَدُ الحَمْلِ، وقَوِيَ الوَلَدُ انْقَطَعَ دَمُها، ولِذَلِكَ تَمْدَحُ العَرَبُ بِحَبَلِ نِسائِهِمْ في حالَةِ الطُّهْرِ، ومَدَحَتْ عائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ بِقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: (p-١٥٧) ؎ومُبَرَّأٌ مِن كُلِّ غَبْرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءِ مُغِيلٍ تَعْنِي: أنَّ أُمَّهُ لَمْ تُحَمِلْ بِهِ في الحَيْضَةِ الثّانِيَةِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ الِاسْتِبْراءُ بِحَيْضَةٍ، لِأنَّ المَسْبِيَّةَ لا تَعْرِفُ حَبَلَها فَتَسْتَبْرِئُ بِحَيْضَةٍ، فَإذا حاضَتْ عَلِمَتْ بَراءَةَ رَحِمِها، إلّا أنَّ الِاحْتِياطَ في العِدَّةِ أكْثَرُ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِدَلالَةِ واحِدَةٍ دُونَ الدَّلالاتِ الثّالِثَةِ، فَيَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِها ما يَقْرُبُ مِنَ اليَقِينِ، أوْ ما يَتَضاعَفُ بِهِ الظَّنُّ ويَقْوى، وإذا تَقَرَّرَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فالِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، جُعِلَ قُرْءًا مُعْتَبِرًا لِهَذا المَعْنى. فَإنْ قالُوا: فَإذا كانَ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ جُعِلَ قُرْءًا، لِدَلالَةِ ذَلِكَ الِانْتِقالِ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ، فَذَلِكَ الِانْتِقالُ لَمْ يَدُلَّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ لِأجْلِ الطُّهْرِ، وإنَّما دَلالَتُهُ لِلْحَيْضِ، فالحَيْضُ هو الأصْلُ في الدَّلالَةِ، ومَتى كانَ هو الأصْلَ في البَراءَةِ والدَّلالَةِ عَلَيْها، فَهو أوْلى بِأنْ يُجْعَلَ أصْلًا في العِدَّةِ مِنَ الطُّهْرِ، فَإنَّ الطُّهْرَ يُقارِنُ الحَمْلَ، فَكَيْفَ يَقَعُ بِهِ الِاسْتِبْراءُ؟ وإنَّما يَقَعُ الِاسْتِبْراءُ بِما يُنافِيهِ وهو الحَيْضُ، فَيَكُونُ دَلالَةً عَلى بَراءَةِ رَحِمِها مِنَ الحَمْلِ. ورُبَّما قَرَّرُوا ذَلِكَ فَقالُوا: إنَّ الحَيْضَةَ الثّانِيَةَ اعْتُبِرَتِ احْتِياطًا، لِأنَّ في التَّكْرارِ زِيادَةَ دَلالَةٍ عَلى البَراءَةِ. فَلا جَرَمَ، قِيلَ: إنَّ الِاسْتِبْراءَ يُكْتَفى فِيهِ بِحَيْضَةٍ واحِدَةٍ، ويُعْتَبَرُ في العِدَّةِ الكامِلَةِ زِيادَةَ عَدَدٍ، لِزِيادَةِ الدَّلالَةِ عَلى قَدْرِ رُتْبَةِ العِدَّةِ، فَإذا (p-١٥٨)تَعَذَّرَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الثَّلاثَةُ ها هُنا مِثْلُ الواحِدَةِ في الِاسْتِبْراءِ، فَلْيَكُنِ العَدَدُ المُعْتَبَرُ في العِدَّةِ الكامِلَةِ مِن جِنْسِ ما اعْتُبِرَ في الِاسْتِبْراءِ، ولْيَكُنِ العَدَدُ عَدَدًا يَزِيدُ في الدَّلالَةِ مِن جِنْسِ الأصْلِ، والطُّهْرُ لا دَلالَةَ فِيهِ، فاعْتِبارُ العَدَدِ مِنَ الطُّهْرِ لا مَعْنى لَهُ، فَعَدَدُ الثَّلاثَةِ يَجِبُ أنْ يُوجَدَ مِنَ الحَيْضِ، فَإذا شَرَعَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ فَلْيَقُلْ: يُعْتَبَرُ تَمامُ دَلالَةِ هَذِهِ الثّالِثَةِ، كَما دَلَّتِ الحَيْضَتانِ مِن قَبْلُ، فاعْتِبارُ العَدَدِ مِنَ الطُّهْرِ الَّذِي لا دَلالَةَ لِأصْلِهِ مِمّا وجَّهَ لَهُ. ورُبَّما قالُوا: الحَمْلُ إذا ظَهَرَ كانَ أوْلى مِنَ الحَيْضِ، لِأنَّ الوَضْعَ أقْوى مِنَ الحَيْضِ، فَتَفاوُتُ ما بَيْنَ الحَيْضِ والطُّهْرِ، كَتَفاوُتِ ما بَيْنَ الحَيْضِ والحَمْلِ، ثُمَّ الحَمْلُ أصْلٌ فَلْيَكُنِ الحَيْضُ أصْلًا. الجَوابُ: أنَّ الَّذِي قالُوهُ لَيْسَ كَلامًا في مُقْتَضى اللَّفْظِ، وإنَّما هو قِياسٌ في مَعانِي الفِقْهِ، ولَيْسَ الكَلامُ فِيهِ، وإنَّما الكَلامُ في اللَّفْظِ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ: يَتَرَبَّصْنَ ثَلاثَةَ انْتِقالاتٍ، وعَرَفْنا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الِانْتِقالاتِ كُلَّها مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ، ومِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ عَلى الثَّلاثَةِ، فَعَرَفْنا أنَّهُ إنَّما عَنى بِهِ الِانْتِقالَ الَّذِي هو مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ. فَهَذا ما فَهِمْناهُ مِنَ اللَّفْظِ، وجازَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْتَرِنَ بِالعِدَّةِ قَصْدانِ وراءَ بَراءَةِ الرَّحِمِ، كالِاخْتِلافِ بِالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، ووُجُوبِها إلى سِنِّ اليَأْسِ، في حَقِّ الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضِها لِعِلَّةٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ كُلُّ ما قالُوهُ. ودَلَّ عَلى ما قُلْناهُ، أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (p-١٥٩)«وقالَ ﷺ لِعُمَرَ حِينَ طَلَّقَ ابْنُهُ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ: مُرْهُ فَلْيُراجِعْها حَتّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ يُجامِعُها ولْيَدَعْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ لْيُطَلِّقْها إنْ شاءَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ أنْ تُطَلَّقَ لَها النِّساءُ». وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الطُّهْرِ فَدَلَّ أنَّ العِدَّةَ: الطُّهْرُ، وأمَرَ بِإحْصاءِ العَدَّةِ عَقِيبَ الطُّهْرِ، فَلْيَكُنِ المَحْصِيُّ بَقِيَّةَ الطُّهْرِ. وأبُو حَنِيفَةَ لا يَرى ذَلِكَ أصْلًا، ولا يُحْصِي عَقِيبَ الطَّلاقِ شَيْئًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] لا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عِدَّةً ماضِيَةً قَبْلَ الطَّلاقِ، كَما يُقالُ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» أيْ: لِرُؤْيَةٍ ماضِيَةٍ.فَإنْ قِيلَ: الطَّلاقُ لَيْسَ بِعِدَّةٍ بِالِاتِّفاقِ، ولا يَخْطُرُ بِبالِ عاقِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعُمَرَ: «حَتّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شاءَ طَلَّقَ فَتِلْكَ العِدَّةُ»، مَعْناهُ: فَتِلْكَ العِدَّةُ الماضِيَةُ، أعْنِي الحَيْضَةَ الماضِيَةَ، أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ، فَإذا كانَ الطَّلاقُ في الطُّهْرِ والِانْتِقالِ مِنهُ إلى الحَيْضِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ البِدْعِيِّ ثَلاثَةَ انْتِقالاتٍ: أوَّلُها: الِانْتِقالُ مِمّا سَنَّ الطَّلاقَ فِيهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا الطُّهْرُ، وهَذا بَيِّنٌ ظاهِرٌ في تَحْقِيقِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ مِن مَعْنى الآيَةِ. فَإنْ قِيلَ: العِدَّةُ وأحْكامُها ثابِتَةٌ في حالَتَيِ الطُّهْرِ والحَيْضِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ”لِعِدَّتِهِنَّ“؟ . (p-١٦٠)قِيلَ: العِدَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العَدِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِزَمَنٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ العِدَّةِ، وذَلِكَ الطُّهْرُ، فَإنَّ عَدَدَ الثَّلاثِ مَأْخُوذٌ مِنهُ وهَذا بَيِّنٌ. قالُوا: فالمَرْأةُ قَبْلَ الدُّخُولِ يَجُوزُ طَلاقُها في الحَيْضِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مُطْلَقُ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؟ الجَوابُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ذَواتِ العِدَّةِ، فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ. قالُوا: فَإذا طَلَّقَها في طُهْرٍ جامَعَها فِيهِ، فَبَقِيَّةُ الطُّهْرِ مَحْسُوبَةٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ سُنِّيًّا. الجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ مِن هَذا العُمُومِ بِدَلِيلٍ، وذَلِكَ لا يُنافِي دَلالَةَ اللَّفْظِ عَلى ما تَعَلَّقْنا بِهِ، وعَلى أنَّ في حَقِّ الَّتِي جُومِعَتْ في طُهْرِها، وإنَّما خَرَجَ الطَّلاقُ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِوُجُودِ ما يُحْتَمَلُ خُرُوجُ الطُّهْرِ بِهِ، عَنْ أنْ يَكُونَ عِدَّةً تُحْصى بِأنْ يُبَيِّنَ حَمْلَها، حَتّى لَوْ كانَتْ آيِسَةً لَمْ يَحْرُمْ طَلاقُها في طُهْرٍ جامَعَها فِيهِ. ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وإنْ كانَ عامًّا في حَقِّ المَنكُوحَةِ الحُرَّةِ، والمَنكُوحَةِ الأمَةِ، ولَكِنَّ الإجْماعَ انْعَقَدَ عَلى أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ المَنكُوحَةِ عَلى النِّصْفِ فَتَرَكْناهُ لِذَلِكَ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾: قالَ قائِلُونَ: لَمّا وعَظَها بِتَرْكِ الكِتْمانِ، دَلَّ عَلى وُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِها (p-١٦١)فَبَنى عَلَيْهِ وُقُوعَ الطَّلاقِ عَلَيْها بِقَوْلِها إذا قالَتْ: حِضْتُ، وقَدْ عَلَّقَ الطَّلاقَ عَلى حَيْضِها. وهَذا عِنْدَنا لا يَقْوى، فَإنَّهُ لَيْسَ النَّهْيُ عَنِ الكِتْمانِ دالًّا عَلى أنَّ قَوْلَها حُجَّةٌ عَلى الزَّوْجِ في قَطْعِ نِكاحِها، كَما لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الطَّلاقِ عَلى ضُرَّتِها، كَيْفَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ لَيْسَ يَظْهَرُ في مَعْنى الحَيْضِ لِأنَّ الدَّمَ إنَّما يَكُونُ حَيْضًا إذا سالَ، ولا يَكُونُ حَيْضًا في الرَّحِمِ، لِأنَّ الحَيْضَ حُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِالدَّمِ الخارِجِ، فَما دامَ في الرَّحِمِ فَلا حُكْمَ لَهُ. نَعَمْ؛ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ دَمٍ سائِلٍ لا يَكُونُ حَيْضًا، وإنَّما يَكُونُ حَيْضًا بِالعادَةِ والوَقْتِ وبَراءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الحَمْلِ، فَهي إذا قالَتْ: حِضْتُ ثَلاثَ حِيَضٍ، وهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي يَقِفُ عَلَيْها الحَيْضُ مِن قِبَلِها، فالقَوْلُ قَوْلُها، وإنَّما التَّصْدِيقُ مُتَعَلِّقٌ بِحَيْضٍ قَدْ وُجِدَ ودَمٍ قَدْ سالَ. وبِالجُمْلَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ لَيْسَ يَظْهَرُ في الحَيْضِ، وإنَّما تَظْهَرُ دَلالَتُهُ عَلى الحَمْلِ، وهو مِمّا يُعْرَفُ بِغَيْرِ قَوْلِها، وإذا عُلِّقَ الطَّلاقُ عَلى حَمْلِها فَقالَتْ: أنا حامِلٌ، يَقَعُ الطَّلاقُ ما لَمْ تَسْتَبْرِئْ ويَظْهَرْ حَمْلُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ذَلِكَ مَنعَها مِنَ التَّزَوُّجِ، ومَنعَها مِن إهْلاكِ الوَلَدِ وإجْهاضِ الجَنِينِ، وهَذا لا يَبْعُدُ فَهْمُهُ مِنَ الآيَةِ، فالمُعْتَمَدُ فِيهِ الإجْماعُ. * * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾: ولَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا في النَّهْيِ عَنِ الكِتْمانِ، وإنَّما هو عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٦٢)﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: ٢] . وقَوْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] . * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ الآيَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ بَعْلًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، ولَكِنْ قالَ بِرَدِّهِنَّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ سَبَبٍ يَزُولُ بِهِ النِّكاحُ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: زالَ النِّكاحُ، ولَهُ الِاسْتِدْراكُ، كَما يَزُولُ المِلْكُ في زَمَنِ الخِيارِ عَلى قَوْلٍ، ولَهُ الِاسْتِدْراكُ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ إطْلاقِ العُمُومِ في المُسَمَّياتِ، ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ ما انْتَظَمَهُ العُمُومُ، فَلا يَمْنَعُ ذَلِكَ اعْتِبارُ عُمُومٍ فِيما شَمِلَهُ، في غَيْرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ المَعْطُوفُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ عامٌّ في المُطَلَّقاتِ ثَلاثًا، وفِيما دُونَها لا خِلافَ فِيهِ. ثُمَّ قَوْلُهُ: ”وبُعُولَتُهُنَّ“: حُكْمٌ خاصٌّ فِيمَن كانَ طَلاقُها دُونَ الثَّلاثِ، ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ الِاقْتِصارَ بِحُكْمِ قَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، عَلى ما دُونَ الثَّلاثِوَنَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ. * * * (p-١٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: يَقْتَضِي وُجُوبَ حُقُوقٍ لَها في التَّحَصُّنِ والنَّفَقَةِ والمَهْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَيْها وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَيانَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] . فَأخْبَرَ أنَّهُ جُعِلَ قَيِّمًا عَلَيْها بِما أنْفَقَ مِن مالِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ: إذا أعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ لَمْ يَكُنْ قَيِّمًا عَلَيْها، وإذا لَمْ يَكُنْ قَيِّمًا عَلَيْها فَهي كَلَحْمٍ عَلى وضَمٍ فَلا بُدَّ لَها مِن قَوّامٍ، ولَمْ يُشْرَعِ النِّكاحُ إلّا لِتَحْصِينِها وحاجَتِها إلى القَوّامِ، فَإذا زالَ هَذا المَعْنى، فالأصْلُ أنْ لا يَثْبُتَ الرِّقُّ عَلى الحُرَّةِ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: لِكَوْنِهِ قَوّامًا عَلَيْها، يَمْنَعُها مِنَ الحَجِّ وصَوْمِ التَّطَوُّعِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ في مَواضِعَ: مِنها في الأمَةِ، ومِنها في الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ، ومِنها في الحامِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآيَةُ. ومِنهُ ما قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن (p-١٦٤)عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] . وقَوْلُهُ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ خُصَّ مِنهُ ما قَبْلَ الدُّخُولِ، وخُصَّ مِنهُ المُطَلِّقُ ثَلاثًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب