الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾: لَيْسَ في نَظْمِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى الجِماعِ، ولا عَلى الحَلِفِ عَلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وإنَّما قالَ: ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ) . (p-١٤٨)واخْتَلَفَتْ تَصَرُّفاتُ العُلَماءِ في ذَلِكَ. فَمِنهم مَن جَرى عَلى العُمُومِ، ومِنهم مَن خَصَّ. فَمِمَّنْ خَصَّ ذَلِكَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، صارا إلى أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يَقْرَبُها لِأجْلِ الرَّضاعِ، لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا، وإنَّما يَكُونُ مُؤْلِيًا إذا كانَ عَلى وجْهِ الغَضَبِ. ومِنهم مَن لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ اليَمِينِ المانِعَةِ مِنَ الجِماعِ، والكَلامِ والِاتِّفاقِ، ولا بَيْنَ الرِّضا والغَضَبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ قَصْدُ المُضارَّةِ، حَتّى لَوْ آلى في حالَةِ رِضاها، كانَ بِهِ مُؤْلِيًا. والأوَّلُونَ يَقُولُونَ: ما قَصَدَ حَقَّها ولا مُضارَّتَها. وفِي قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ما يَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ قَصْدِ الإضْرارِ. فالأكْثَرُونَ اعْتَبَرُوا اليَمِينَ عَلى تَرْكِ الجِماعِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا آلى أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ومَضَتِ المُدَّةُ لَمْ يَكُنْ مُؤْلِيًا. وأبُو حَنِيفَةَ يُوقِعُ بِهِ الطَّلاقَ، وإنْ لَمْ يَبْقَ الإيلاءُ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ رَأى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ يَدُلُّ عَلى ما قالَهُ. ولَكِنَّ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ﴿تَرَبُّصُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُدَّةَ الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَقٌّ لَهُ خالِصٌ، فَلا يَفُوتُ بِهِ حَقٌّ لَهُ، ولا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مُطالَبَةٌ، أنَّهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ لَهُ. * * * (p-١٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: والفَيْءُ في اللُّغَةِ: الرُّجُوعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] . أيْ: تَرْجِعَ إلى أمْرِ اللَّهِ. وعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ يَظُنُّ الظّانُّ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا حَلَفَ أنْ لا يُجامِعَها عَلى وجْهِ الضِّرارِ، ثُمَّ قالَ: قَدْ فِئْتُ إلَيْكِ، وقَدْ أعْرَضْتُ عَمّا عَزَمْتُ عَلَيْهِ مِن هِجْرانِ فِراشِكِ بِاليَمِينِ، أنْ يَكُونَ قَدْ فاءَ إلَيْها، سَواءٌ كانَ قادِرًا عَلى الجِماعِ أوْ عاجِزًا. وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلَيْها، لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلّا الجِماعَ. وأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ فِيمَن آلى وهو مَرِيضٌ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ المُؤْلِي مِنها، مَسِيرَةُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وهي رَتْقاءُ أوْ صَغِيرَةٌ، أوْ هو مَجْبُوبٌ أنَّهُ إذا فاءَ إلَيْها بِلِسانِهِ، ومَضَتِ المُدَّةُ والعُذْرُ قائِمٌ، فَذَلِكَ في صَحِيحٍ. والشّافِعِيُّ يُخالِفُهُ عَلى أحَدِ مَذْهَبَيْهِ، ووَجْهُ قَوْلِهِ: أنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: واللَّهِ لا أُجامِعُ فُلانَةً، فَلا يَكُونُ حانِثًا بِقَوْلِهِ: أُجامِعُكِ، وإنَّما يَكُونُ حانِثًا (p-١٥٠)بِما يَكُونُ مِنهُ مُخالِفًا، وإنَّما يَكُونُ مُخالِفًا بِما يَكُونُ بِهِ حانِثًا، ثُمَّ لا يَكُونُ حانِثًا بِمُجَرَّدِ القَوْلِ، وكَذَلِكَ لا يَكُونُ قَدْ فاءَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وإنَّما هو وعْدُ الفَيْئَةِ، إذْ لَوْ كانَ قَدْ فاءَ حَقًّا لَما احْتاجَ بَعْدَهُ إلى تَحْقِيقِ مُقْتَضى قَوْلِهِ بِالجِماعِ، وهَذا بَيِّنٌ. نَعَمْ، اخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في المَجْبُوبِ إذا آلى. فَفِي قَوْلٍ: لا إيلاءَ لَهُ. وفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إيلاؤُهُ ويَفِيءُ بِاللِّسانِ. والأوَّلُ أصَحُّ وأقْرَبُ إلى مُقْتَضى الكِتابِ، فَإنَّ الفَيْءَ هو الَّذِي يُسْقِطُ اليَمِينَ. والفَيْءُ بِالقَوْلِ لا يُسْقِطُهُ. فَإذا بَقِيَتِ اليَمِينُ المانِعَةُ مِنَ الحِنْثِ، بَقِيَ حُكْمُ الإيلاءِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب