الباحث القرآني
(p-١٤٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ فِيهِ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَتَّخِذَ يَمِينَهُ حُجَّةً مانِعَةً مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، فَإذا طُلِبَتْ مِنهُ المُعاوَنَةُ عَلى البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ قالَ: قَدْ حَلَفْتُ. فَيَجْعَلُ اليَمِينَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نُدِبَ إلى فِعْلِهِ، أوْ أُمِرَ بِهِ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، فَلا جَرَمَ قالَ الشّافِعِيُّ:
الأيْمانُ لا تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ، ولا تُحِلُّ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَنْ فِعْلٍ، وإنَّ الَّذِي حَلَّ لِكَوْنِهِ صَلاحًا، لا يَصِيرُ حَرامًا بِاليَمِينِ، فَإنْ حَلَفَ حالِفٌ أنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَلْيَفْعَلْ ولْيَدَعْ يَمِينَهُ.
ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى﴾ [النور: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] .
قالَ ابْنُ سِيرِينَ: حَلَفَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في يَتِيمَيْنِ كانا في حِجْرِهِ، وكانا فِيمَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، أحَدُهُما مِسْطَحٌ وقَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وقَدْ أشْهَدَ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَصِلَهُما ولا يُصِيبانِ مِنهُ خَيْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:
وفِي الخَبَرِ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ» . (p-١٤٤)وهُوَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ كَثْرَةَ الحَلِفِ، وهو نَوْعٌ مِنَ الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِابْتِذالِ لِاسْمِهِ في كُلِّ حَقٍّ وباطِلٍ، ومَن أكْثَرَ مِن ذِكْرِ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ عُرْضَةً، كَقَوْلِ القائِلِ:
؎”قَدْ جَعَلْتَنِي عُرْضَةً لِلَوْمِكَ“
وذَمَّ اللَّهُ تَعالى مُكْثِرَ الحَلِفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] .
والمَعْنى: لا تُعَرِّضُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى، ولا تَبْتَذِلُوهُ في كُلِّ شَيْءٍ، لِأنْ تَبَرُّوا إذا حَلَفْتُمْ، وتَتَّقُوا المَأْثَمَ فِيها، إذا قَلَّتْ أيْمانُكُمْ، لِأنَّ كَثْرَتَها تُبْعِدُ عَنِ البِرِّ والتَّقْوى، وتُقَرِّبُ مِنَ المَأْثَمِ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْهاكم عَنْ كَثْرَةِ الأيْمانِ والجُرْأةِ عَلَيْها، لِما في تَوَقِّي ذَلِكَ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، فَكُونُوا بَرَرَةً أتْقِياءَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
فَأفادَتِ الآيَةُ المَعْنَيَيْنِ، ومُتَضَمَّنُهُما النَّهْيُ عَنِ ابْتِذالِ اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ واعْتِراضِهِ بِاليَمِينِ في كُلِّ شَيْءٍ، حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا، والنَّهْيُ أيْضًا عَنْ جَعْلِ اليَمِينِ مانِعَةً مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ.
ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اليَمِينَ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبًا لِلْكَفّارَةِ كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ المُعَظَّمَ، صارَ مُتَعَرِّضًا لِلِابْتِذالِ بِوَصْفِ الحِنْثِ، ووَصْفُ (p-١٤٥)الحِنْثِ راجِعٌ إلى اليَمِينِ، فَكانَتِ اليَمِينُ سَبَبًا، ولَيْسَتِ اليَمِينُ عِبادَةً لا يُمْكِنُ جَعْلُها سَبَبًا لِلْكَفّارَةِ.
فَإنَّ الإكْثارَ مِنَ العِباداتِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، والإكْثارَ مِنَ اليَمِينِ مَنهِيٌّ عَنْهُ.
والإكْثارُ مِنَ العِباداتِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى، والإكْثارُ مِنَ اليَمِينِ تَعْرِيضُ الِاسْمِ لِلِابْتِذالِ.
فَصَحَّ عَلى هَذا المَعْنى جَعْلُ اليَمِينِ سَبَبًا، عَلى خِلافِ ما رَآهُ أبُو حَنِيفَةَ، وجازَ لِأجْلِهِ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ عَلى الحِنْثِ، وجازَ لِأجْلِهِ فَهْمُ إيجابِ الكَفّارَةِ في اليَمِينِ، عَلى فِعْلِ الغَيْرِ وعَلى فِعْلِ نَفْسِهِ، وعَلى ما يَجِبُ فِعْلُهُ، وعَلى ما لا يَجِبُ، وهو أصْلُ الشّافِعِيِّ في الأيْمانِ
{"ayah":"وَلَا تَجۡعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرۡضَةࣰ لِّأَیۡمَـٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصۡلِحُوا۟ بَیۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











