الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾: فالحَرْثُ المُزْدَرَعُ، وهو في هَذا المَوْضِعِ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وتُسَمّى النِّساءُ حَرْثًا لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الأوْلادِ. وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مَوْضِعُ الحَرْثِ. (p-١٤١)واشْتُهِرَ عَنْ مالِكٍ إباحَةُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ يَحْتَمِلُ كَيْفَ شِئْتُمْ، ويِحْتَمِلُ أيْنَ شِئْتُمْ فَلَفْظُ ”أنّى“ يَحْتَمِلُهُما جَمِيعًا. ورُوِيَ «عَنْ جابِرٍ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: ”مَن أتى امْرَأتَهُ وهي مُدْبِرَةٌ جاءَ ولَدُهُ أحْوَلَ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ ما كانَ في الفَرَجِ“» . ومالِكٌ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وأنَّ عُمُومَ ذَلِكَ يَقْتَضِي إباحَةَ وطْئِهِنَّ في المَوْضِعِ الَّذِي جَوَّزْنا وطْأهُنَّ فِيهِ. قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦] دالٌّ عَلى الإباحَةِ المُطْلَقَةِ لا عَلى مَوْضِعِ الإباحَةِ، كَما لَمْ يَدُلَّ عَلى وقْتِ الإباحَةِ في الحائِضِ وغَيْرِها. ومِمّا تَعَلَّقَ بِهِ مَن حَرَّمَ الوَطْءَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ، بِما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الوَطْءِ في الَّذِي يُنازِعُنا فِيهِ فَإنَّهُ مَوْضِعُ الأذى. (p-١٤٢)وهَذا المَعْنى كانَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ وطْءِ المُسْتَحاضَةِ، لَوْلا الحَرَجُ في تَحْرِيمِ وطْئِها، لِطُولِ أمَدِ الِاسْتِحاضَةِ. ومَعْنى الأذى لَيْسَ يَسْتَقِلُّ بِتَحْرِيمِ الوَطْءِ، لَوْلا إيماءُ الشَّرْعِ إلَيْهِ. فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ”لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الحَرْثِ“، لا يَظْهَرُ دَلالَتُهُ عَلى تَحْرِيمِ الوَطْءِ فِيهِ، كالوَطْءِ فِيما دُونَ الفَرْجِ، ولَكِنْ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ مَأْخُوذٌ مِن غَيْرِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ . إذْ يَدُلُّ عَلى أنَّ في المَأْتِيِّ اخْتِصاصًا، وأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى مَوْضِعِ الوَلَدِ. ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّهُ كانَ لا يَرى بِذَلِكَ بَأْسًا، ويَتَأوَّلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ولَوْ لَمْ يُبَحْ مِثْلُهُ مِنَ الأزْواجِ، لَما صَحَّ ذَلِكَ. ولَيْسَ المُباحُ مِنَ المَوْضِعِ الآخَرِ مِثالَهُ، حَتّى يُقالَ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ وتَتْرُكُونَ مِثْلَهُ مِنَ المُباحِ. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، إذْ مَعْناهُ: وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم مِمّا فِيهِ تَسْكِينُ شَهْوَتِكُمْ، ولَذَّةُ الوِقاعِ حاصِلَةٌ بِهِما جَمِيعًا، فَيَجُوزُ التَّوْبِيخُ عَلى هَذا المَعْنى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب