الباحث القرآني

فَرْضُ الجِهادِ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ الآيَةُ.ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في أنَّ القِتالَ كانَ مَحْظُورًا قَبْلَ الهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . (p-٧٩)الآيَةُ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ كانَتْ أمْوالُهم بِمَكَّةَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كُنّا في عِزٍّ ومَنَعَةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلّاءَ، فَقالَ: ”إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ“، فَلَمّا حَوَّلَهُ إلى المَدِينَةِ انْكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ٧٧] الآيَةُ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] قالَ: نَسَخَ هَذا كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةُ.واخْتَلَفَ السَّلَفُ في أوَّلِ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، فَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ ابْنِ أنَسٍ وغَيْرِهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ (p-٨٠)يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الآيَةُ.وقالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في إباحَةِ قِتالِ مَن قاتَلَهُمْ، والثّانِيَةُ نَزَلَتْ في الإذْنِ بِالقِتالِ عامَّةً لِمَن قاتَلَهُمْ، ومَن لَمْ يُقاتِلْهم مِنَ المُشْرِكِينَ. فَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الإذْنِ بِالقِتالِ في المَدِينَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾، فَكانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ إلى أنْ أُمِرَ بِقِتالِ الجَمِيعِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ القِتالِ، فَإنَّ جَوازَ دَفْعِ المُقاتِلِ عَنْ نَفْسِهِ ما كانَ مُحَرَّمًا قَطُّ، حَتّى يُقالَ إنَّهُ أُذِنَ فِيهِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم دِينًا، ويَرَوْنَ ذَلِكَ جائِزًا اعْتِقادًا، ولَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ القِتالِ. وقالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّهُ ﷺ لَمّا انْصَرَفَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ إلى المَدِينَةِ، حِينَ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ (p-٨١)عَنِ البَيْتِ، صالَحَهم عَلى أنْ يَرْجِعَ عامَهُ القابِلَ، ويُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَلَمّا كانَ في العامِ القابِلِ، تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ لِعُمْرَةِ القَضاءِ، وخافُوا أنْ لا تَفِيَ لَهم قُرَيْشٌ، وأنْ يَصُدُّوهم عَنِ البَيْتِ ويُقاتِلُونَهُمْ، وكَرِهَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِتالَهم في الشَّهْرِ الحَرامِ في الحَرَمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا الَّذِينَ صالَحُوهُمْ، ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ فَنَبَذُوا في الحَرَمِ بِالقِتالِ، ودَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِن القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] يَعْنِي: أنَّ شِرْكَهم بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أعْظَمُ مَن قَتَلَكم إيّاهم في الحَرَمِ، والَّذِي كانَ مِنهم مِن تَعْذِيبِ مَن أسْلَمَ وظَفِرُوا بِهِ، لِيَفْتِنُوهم عَنِ الدِّينِ، أعْظَمُ مِن قِتالِكم إيّاهم في الشَّهْرِ الحَرامِ. وقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] . مَعْناهُ: حَتّى لا يَكُونَ الشِّرْكُ الَّذِي هو باعِثٌ عَلى الفِتْنَةِ، ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ العُلَماءُ الجِزْيَةَ مِن وثَنِيِّي العَرَبِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في حَقِّهِمْ: (p-٨٢)﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] . فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقِتالِهِمْ، حَتّى لا يَكُونَ الشِّرْكُ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ أمَرَ بِقِتالِ الشَّماسِنَةِ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ القِتالَ ويَرَوْنَ ذَلِكَ رَأْيًا، وأنَّ الرُّهْبانَ مِن رَأْيِهِمْ أنْ لا يُقاتِلُوا، فَأمَرَ أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُقْتَلُوا، ثُمَّ قالَ: قَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ وحَمَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى المُقاتَلَةِ دِينًا واعْتِقادًا، فالآيَةُ عَلى هَذا ثابِتَةُ الحُكْمِ لا نَسْخَ فِيها. وعَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُسْلِمِينَ، كانُوا مَأْمُورِينَ -بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ- بِقِتالِ مَن قاتَلَ دُونَ مَن كَفَّ عَنْهُمْ، سَواءٌ كانَ مِمَّنْ يَتَدَيَّنُ بِالقِتالِ أوْ لا يَتَدَيَّنُ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ قالَ: ذَلِكَ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، فَعَلى هَذا لا نَسْخَ في الآيَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، عامٌّ في الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ، وهم يُقْتَلُونَ إذا كانَتِ المُصْلَحَةُ في قَتْلِهِمْ، عَلى ما عُرِفَ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ. (p-٨٣)وإذا كانَتِ المَرْأةُ مُقاتِلَةً بِالمالِ والرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ، وكانَتْ ذاتَ عِزٍّ في قَوْمِها، فَيَجِبُ قَتْلُها، وإذا كانَتِ المَصْلَحَةُ في اسْتِرْقاقِها، فَنَفَعَ الِاسْتِرْقاقُ إذا أوْفى عَلى قَتْلِها، فَلا يَجُوزُ قَتْلُها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب