الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] الآيَةَ.
لِأنَّ المَقْصُودَ بِذَلِكَ ألّا يَكُونَ مُحَقَّقًا لِحُكْمِ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَإنَّهُ إذا قالَ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ كانَ كاذِبًا، وإنْ قالَ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُحَقِّقًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: أيُّ مَعْنًى في ذَلِكَ، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَفْعَلَ فاعِلٌ فِعْلًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، هَلْ ذِكْرُ ذَلِكَ وعَدَمُ ذِكْرِهِ إلّا بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، وهَلْ هَذا إلّا بِمَثابَةِ مَن يَقُولُ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ إنْ كُنْتَ فاعِلًا وإنْ كُنْتَ قادِرًا وإنْ شِئْتَ، وأيُّ أثَرٍ لِذِكْرِ شَرْطٍ لِلْفِعْلِ لا مَحالَةَ في العَقْلِ. والجَوابُ: أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، غَيْرَ أنَّهُ إذا قالَ القائِلُ لَأفْعَلَنَّ في وقْتِ كَذا، فَقَدْ أوْهَمَ أنَّهُ يَفْعَلُ لا مَحالَةَ، وأبانَ أنَّ شَرْطَ الفِعْلِ يُوجَدُ، فَإذا لَمْ يَفْعَلْ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وهو مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى، أوْ عائِقٌ آخَرُ، كانَ كاذِبًا في قَوْلِهِ عُرْفًا، وإذا قالَ لَأفْعَلَنَّ كَذا إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ إنْ شاءَ زَيْدٌ، فَلَمْ يَقْطَعْ بِأنَّهُ يَفْعَلُ، بَلْ رَدَّدَ ومَيَّلَ القَوْلَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أدْرِي هَلْ أفْعَلُ أمْ لا، فَهَذا هو المَعْنى فِيهِ. وكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أدَّبَ رَسُولَهُ ﷺ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] .
أيْ كُنْ مُتَذَكِّرًا لِلْعَوائِقِ وناظِرًا في العَواقِبِ، ولَعَلَّ عائِقًا يَعْتَرِضُ دُونَ مَرامِكَ، فَرَدَّدَ القَوْلَ فِيما لا يَعْلَمُهُ، لِئَلّا يَجْرِي ما يُنْسَبُ فِيهِ إلى خُلْفٍ في القَوْلِ عُرْفًا.
ومِن أجْلِهِ قالَ عُلَماؤُنا: إذا حَلَفَ واسْتَثْنى لَمْ يَحْنَثْ إذا كانَ مَوْصُولًا، وإنِ انْفَصَلَ يُؤَثِّرُ الِاسْتِثْناءُ.
(p-٢٦٧)ورُوِيَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إذا قالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أنْتَ حُرٌّ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَهو حُرٌّ، وإذا قالَ لِامْرَأتِهِ أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ بِطالِقٍ».
وهَذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، واهِي السَّنَدِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ.
وقِيلَ لِلْمُعْتَزِلَةِ: عِنْدَكم أنَّ فِعْلَ الفاعِلِ لا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَما مَعْنى قَوْلِهِ عِنْدَكم لَأفْعَلَنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو يَفْعَلُ وإنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ.
فَأجابُوا بِأنَّ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ألّا يُلْجِئَنِي إلَيْهِ، أوْ يَقْطَعَنِي عَنْهُ بِاخْتِرامٍ أوْ مَوْتٍ، فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قاطِعًا عَلى الخَبَرِ، فَيَحْسُنُ مِنهُ الخَبَرُ.
وقالَ آخَرُونَ مِنهم: الغَرَضُ بِالِاسْتِثْناءِ إخْراجُ الخَبَرِ عَنْ أنْ يَكُونَ قَطْعًا وخَبَرًا تامًّا مِن غَيْرِ إرادَةِ ما يُجْرى مَجْرى الشَّرْطِ، فَكَأنَّهُ وضَعَ في اللُّغَةِ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّوَقُّفَ في الخَبَرِ، وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يُؤَثِّرُ في هَذا الخَبَرِ، سَواءٌ وقَعَ مِمَّنْ لَهُ قَصْدٌ إلى ما ذَكَرْناهُ أوْ مَن لا قَصْدَ لَهُ. فَحَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي أُولى.
ومِمّا قِيلَ لِلْمُعْتَزِلَةِ: إذا قالَ القائِلُ عَبْدِي حُرٌّ إنْ شاءَ اللَّهُ فَلا يُعْتِقُ، وقِياسُ قَوْلِكم أنَّهُ يُعْتِقُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ تَعَبُّدًا، وجَوابُهم عَنْهُ عَلى ما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، أنَّهُ لَمْ يُخَصِّصِ المُسْتَثْنى المَشِيئَةَ بِطَرِيقِ التَّعَبُّدِ، ولَوْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ لَصارَ حُرًّا بِأنْ يَنْوِيَ بِالِاسْتِثْناءِ مَشِيئَةَ التَّعَبُّدِ فَقَطْ.
نَعَمْ إذا أُطْلِقَ الِاسْتِثْناءُ فَلا حُرِّيَّةَ، فَأمّا إذا قُيِّدَ الِاسْتِثْناءُ، صارَ كَأنَّهُ قالَ لِلْمَمْلُوكِ: أنْتَ حُرٌّ إنْ أرادَ اللَّهُ مِنِّي إعْتاقَكَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ ذَلِكَ مَعَ سَلامَةِ الأحْوالِ، وإنَّما تَصِحُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَتى قِيلَ لا بُدَّ في (p-٢٦٨)الِاسْتِثْناءِ مِن تَقْيِيدٍ، حَتّى يَصِيرَ كالشَّرْطِ، ويَجْرِيَ مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: أنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدّارَ، وإنْ شاءَ زَيْدٌ، فَيُمْكِنُ عِنْدَ ذَلِكَ ادِّعاءُ مُخالِفَةِ الإجْماعِ عَلى المُعْتَزِلَةِ، فَأمّا إذا قِيلَ بِالوَجْهِ الآخَرِ، وهو أنَّ الِاسْتِثْناءَ يُخْرِجُ الخَبَرَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا، إلى أنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِيهِ مَوْقُوفًا فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ.
{"ayah":"وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَ ٰلِكَ غَدًا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











