الباحث القرآني

(p-٢٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ الآيَةَ. السُّلْطانُ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ: الحُجَّةَ والدِّيَةَ والقَوَدَ، ويَحْتَمِلُ الجَمْعَ لا جَرَمَ، الشّافِعِيُّ يُخَيِّرُ بَيْنَ القَتْلِ وغَيْرِهِ، لِأنَّ الكُلَّ بِالإضافَةِ إلى اللَّفْظِ سَواءٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ. لا يُقْتَلُ غَيْرُ قاتِلِهِ، ولا يُمَثَّلُ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَعَدّى إلى غَيْرِ القَلِيلِ مِنَ الحَمِيمِ والغَرِيبِ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سُلْطانًا نَهاهُ عَنِ التَّعَدِّي، وعَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] . فَإنْ كانَ لِبَعْضِ القَبائِلِ طَوْلٌ عَلى الأُخْرى، فَكانَ إذا قُتِلَ مِنهُمُ العَبْدُ لا يَرْضَوْنَ إلّا بِأنْ يُقْتَلَ الحُرُّ مِنهُمْ، وهَذا في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ بِأنْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ القاتِلِ. ذَكَرَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ، في قَوْلِهِ: لِوَلِيِّهِ، ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِ المَرْأةِ عَنْ مُطْلَقِ الوَلِيِّ، فَلا جَرَمَ، لَيْسَ لِلنِّساءِ حَقُّ القِصاصِ، كَذَلِكَ قالَ، ولا أثَرَ لِعَفْوِها ولَيْسَ لَها الِاسْتِبْقاءُ. ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ هاهُنا الوارِثُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ (p-٢٦٠)والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . وقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]: فاقْتَضى ذَلِكَ إثْباتَ القَوَدِ لِسائِرِ الوَرَثَةِ. احْتَجَّ إسْماعِيلُ في ذَلِكَ بِوُجُوهٍ رَكِيكَةٍ مِنها: أنَّ الوَلِيَّ في ظاهِرِهِ عَلى التَّذْكِيرِ وهو واحِدٌ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ ما كانَ بِمَعْنى الجِنْسِ اسْتَوى فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. ومِمّا ذَكَرَهُ أنَّ المَرْأةَ لا تَسْتَحِقُّ كُلَّ القِصاصِ، والقِصاصُ لا بَعْضَ لَهُ، فَلَزِمَهُ مِن ذَلِكَ إخْراجُ الزَّوْجِ مِن جُمْلَةِ الأوْلِياءِ في القِصاصِ، وعَلى أنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ بِنَفْسِها لا تَسْتَحِقُّ، ولَكِنَّها مَعَ غَيْرِها كالوَرَثَةِ، واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ سَبَبَ الوَرَثَةِ واحِدٌ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ هاهُنا، فَلَزِمَهُ ألّا يُثْبِتَ القِصاصَ بَيْنَ الزَّوْجِ والأخِ ولا الأخِ مِنَ الأُمِّ. وذَكَرَ فِيما ذَكَرَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصاصِ تَقْلِيلُ القَتْلِ، والمَقْصُودَ بِكَثْرَةِ القَتْلِ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ. ولَزِمَ عَلى هَذا ألّا يَجِبَ القِصاصُ عَلى المَرْأةِ بِقَتْلِ الرَّجُلِ، ولا عَلى الرَّجُلِ بِقَتْلِ المَرْأةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب