الباحث القرآني

(p-٢٤٨)(p-٢٤٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الإسْراءِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أهْلِ الحَقِّ في أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ السَّمْعِ، وأنَّهُ لا وُجُوبَ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ، ولا يَقْبُحُ ولا يِحْسُنُ بِالعَقْلِ، خِلافًا لِمَن عَدا أهْلِ الحَقِّ، في كَوْنِ العَقْلِ طَرِيقًا إلى مَعْرِفَةِ وُجُوبِ الواجِباتِ، وتَحْرِيمِ المُحَرَّماتِ، وإباحَةِ المُباحاتِ، ثُمَّ الأكْثَرُونَ مِنهم عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقْتَصِرَ بِبَعْضِ المُكَلَّفِينَ عَلى دَلِيلِ العَقْلِ دُونَ السَّمْعِ، إذا كانَتْ مَصْلَحَتُهُ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، وأنَّهُ يَقَعُ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَنْهَضُ بِما كَلَّفَهُ دَلِيلُ العَقْلِ والغَرَضُ بِالشَّرائِعِ المُصْلِحَةِ، وإذا كانَ المَعْلُومُ مِن حالِ بَعْضِهِمْ نُهُوضَهُ بِالتَّكالِيفِ العَقْلِيَّةِ تَلَقِّيًا مِن دَلِيلِ العَقْلِ، لَمْ يَكُنْ لِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فائِدَةٌ، وإنَّما يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَهُمُ الرَّسُولَ إلى مَن وقَعَ في المَعْلُومِ أنَّ تَمَسُّكَ المُتَمَسِّكِ بِالشَّرِيعَةِ داعِي إلى المَصْلَحَةِ في التَّكالِيفِ العَقْلِيَّةِ، فَيُرْسِلُ الرَّسُولُ إلَيْهِ بِأُمُورٍ سَمْعِيَّةٍ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى كَوْنَها داعِيَةً إلى المُسْتَحَسَناتِ العَقْلِيَّةِ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمْعِيّاتِ ما يُعْلَمُ كَوْنُهُ داعِيًا إلى المُسْتَقْبَحاتِ العَقْلِيَّةَ. (p-٢٥٠)فَإذا لَمْ يَقَعْ في المَعْلُومِ كَوْنُ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ داعِيًا إلى الواجِبِ العَقْلِيِّ، ولا ناهِيًا عَنِ القَبِيحِ العَقْلِيِّ، لَمْ يَكُنْ لِلْإرْسالِ فائِدَةٌ، ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِن أحْوالِ المُكَلَّفِينَ جُمْلَةً، ورُبَّما عَلِمَ مِن أحْوالِ بَعْضِهِمْ، فَيَجِبُ إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، ورُبَّما لا يُعْلَمُ ذَلِكَ، فَلا يَجِبُ إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ. وفِيهِمْ مَن يَقُولُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرُّسُلِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى مُظاهَرَةِ الحُجَّةِ وأقْوى في مَعْنى اللُّطْفِ. وهَذا الإخْفاءُ بِبُطْلانِهِ، إذْ يَلْزَمُ مِنهُ إبْقاءُ الرَّسُولِ أبَدًا أوْ تَوالِي الرُّسُلِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى اللُّطْفِ، ولا شَكَّ أنَّ إبْقاءَ إبْلِيسَ في الدُّنْيا مَعَ أعْوانِهِ أبْعَدُ عَنِ اللُّطْفِ مِن تَوالِي الرُّسُلِ، ومُظاهَرَةِ الحُجَّةِ بِهِمْ. ورُبَّما قالُوا: العَبْدُ لا يُعَرّى مِن مَصالِحَ في دِينِهِ لا يَعْلَمُها إلّا بِالسَّمْعِ، كَما لا يُعَرّى عَنْ مَصالِحَ في الدُّنْيا لا تُعْلَمُ إلّا بِالخَبَرِ. وهَذا تَحَكُّمُ، ومِن أيْنَ وجَدَ ذَلِكَ؟ وإذا ثَبَتَ أنَّ الأصَحَّ مِن قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ المَذْهَبُ الأوَّلُ، فَقالَ لِلْمُعْتَزِلَةِ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ؟ وعِنْدَكم يَجُوزُ في المَعْلُومِ أنْ يَنْهَضَ العَبْدُ بِالمَصالِحِ العَقْلِيَّةِ، مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلى أفْعالٍ تَكُونُ لُطْفًا في تِلْكَ المَصالِحِ وتُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، وعِنْدَكم في تِلْكَ الحالِ يَجِبُ أنْ لا يَبْعَثَ رَسُولًا ويُعَذِّبَ دُونَ الرَّسُولِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: وما كُنّا نَفْعَلُ ما يَجِبُ عَلَيْنا فِعْلُهُ، دُونَ أنْ نَبْعَثَ رَسُولًا لا يَجُوزُ لَنا بَعْثُهُ في بَعْضِ الأحْوالِ. وهُمُ اخْتَلَفُوا في الجَوابِ عَنِ الآيَةِ، فَقالَ قائِلُونَ: المُرادُ بِهِ عَذابُ (p-٢٥١)الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا﴾ [القصص: ٥٩] . وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى حَسَبِ ما يَقَعُ في المَعْلُومِ كَوْنُهُ مَصْلَحَةً، وإنْ كانَ الِاسْتِئْصالُ مَصْلَحَةً دُونَ ابْتِعاثِ الرُّسُلِ، وجَبَ عِنْدَهم ذَلِكَ، فَإنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إنَّما اسْتَحَقَّهُ مَنِ اسْتَحَقَّهُ لِمُخالَفَةِ التَّكالِيفِ، فَإذا حَصَلَتِ المُخالَفَةُ قَبْلَ الرُّسُلِ، فَأيُّ مَعْنًى لِتَرْكِ ذَلِكَ؟ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ، فَلا اسْتِئْصالَ، لا بَعْدَ الرُّسُلِ ولا قَبْلَهُمْ، وهَذا بَيِّنٌ حَسَنٌ. وأجابُوا مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالُوا: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ فِيما طَرِيقُهُ السَّمْعُ، حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، فَأمّا ما كانَ طَرِيقُهُ العَقْلَ فَلا، وهَذا بَعِيدٌ، فَإنَّ التَّكالِيفَ إذا كانَتْ مُنْقَسِمَةً، وأقْوى القِسْمَيْنِ التَّكالِيفُ العَقْلِيَّةُ، والسَّمْعِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْها، لِكَوْنِها داعِيَةً إلَيْها ولُطْفًا بِها، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وعِنْدَهم أنَّهُ يَجِبُ العَذابُ عَلى تَرْكِ التَّكالِيفِ العَقْلِيَّةِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: وما كُنّا نَفْعَلُ ما يَجِبُ عَلَيْنا فِعْلُهُ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إبانَةٌ عَنْ وجْهِ العَدْلِ في أفْعالِهِ، أوِ القَهْرِ وإنْفاذِ المَشِيئَةِ، وذَلِكَ عِنْدَهم عَلى إطْلاقٍ قَبِيحٍ، وهو عَلى أصْلِهِمْ مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، ويَعْنِي بِذَلِكَ بَعْضَ السَّمْعِيّاتِ دُونَ بَعْضٍ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ بِمَثابَةٍ. واسْتَدَلَّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ عَلى رَدِّ قَوْلِ بَعْضِ أصْحابِنا في أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ أطْفالَ المُشْرِكِينَ، لِأنَّهُ إذا كانَ لا يُعَذِّبُ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ، فَهَؤُلاءِ الأطْفالُ لَمْ يَعْلَمُوا الرُّسُلَ ولا لَهم مُكْنَةٌ في مَعْرِفَتِهِمْ، فَكَيْفَ يُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِ آبائِهِمْ؟ (p-٢٥٢)وهَذا مَنِ المُحْتَجُّ بِهِ جَهِلٌ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، مَن يَجُوزُ إنْفاذُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، فَيُعَذَّبُ عَلى تَرْكِ ما كُلِّفَ، فَأمّا الأطْفالُ فَلا يُعَذَّبُونَ عِنْدَنا عَلى تَرْكِ ما كُلِّفُوا، وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ حُكْمًا مِنهُ نافِذًا، وقَضاءً ماضِيًا، كَما يُؤْلِمُ الأطْفالَ والبَهائِمَ في الدُّنْيا، فَسَقَطَ ما قالُوهُ جُمْلَةً. واسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذا في أنَّ أهْلَ الجَزائِرِ إذا سَمِعُوا بِالإسْلامِ فَآمَنُوا، فَلا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى، وهَذا صَحِيحٌ. ومَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ العَذابَ مِن جِهَةِ العَقْلِ عِنْدَنا. وهو مَضْمُونٌ عَلى قائِلِهِ عِنْدَنا. ولِأبِي حَنِيفَةَ في ذَلِكَ خِلافٌ، ولَهُ مَأْخَذٌ فِيهِ يَسْتَقِيمُ عَلى نَظَرِ الفُقَهاءِ مِن غَيْرِ اسْتِمْدادٍ مِن أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، حَتّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ أبا حَنِيفَةَ بَنى تِلْكَ المَسْألَةَ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِنها، وذَكَرْنا ذَلِكَ المَأْخَذَ في مَسائِلِ الخِلافِ في الكِتابِ الَّذِي أفْرَدْناهُ لِلرَّوايا. ثُمَّ أبانَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْ لَمْ يُهْلِكِ القُرى قَبْلَ انْبِعاثِ الرُّسُلِ، فَلَيْسَ لِأنَّهُ يُقَبِّحُ ذَلِكَ مِنهُ إنْ فَعَلَ، ولَكِنَّهُ وعِيدٌ مِنهُ ولا خُلْفَ في وعْدِهِ، فَإذا أرادَ إهْلاكَ قَرْيَةٍ مَعَ تَحْقِيقِ وعْدِهِ، كانَ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] . لِيَعْلَمَ أنَّ مَن هَلَكَ إنَّما هَلَكَ بِإرادَتِهِ، فَهو الَّذِي يُسَبِّبُ الأسْبابَ ويَسُوقُها إلى غاياتِها، لِيَحِقِّ القَوْلُ السّابِقُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب