الباحث القرآني

﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٣ - ١٥] ﴿هُوَ الْغَفُورُ﴾ يعني ذا المغفرة، والمغفرة سَتْرُ الذنب والعفوُ عنه، فليست المغفرةُ سَتْر الذنب فقط بل سَتْره وعدم المؤاخذة عليه؛ كما جاء في الحديث الصحيح «أنَّ الله يخلو بعبده المؤمن يوم القيامة ويُقَرِّره بذنوبه حتى يُقِرَّ بها ويعترف، فيقول الله عز وجل: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن -أو قال: يا ابن عمر- سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. ذنوبُنا كثيرة؛ ذنوب قلبية، وذنوب قولية، وذنوب فعلية، ما أكثرها! لكنَّ الله تعالى -ولله الحمد- يسترها. ويُذكر أنَّ بني إسرائيل كانوا إذا أذنبَ الواحدُ منهم ذنبًا وجده مكتوبًا على باب بيته؛ فضيحةً وعارًا والعياذ بالله، لكن نحن -ولله الحمد- قد سَتَر الله علينا، تُبْ إلى الله واستغفرْ من الذنب فتُمحى آثارُه نهائيًّا، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ أي: الساترُ لذنوب عباده المتجاوزُ عنها. ﴿الْوَدُودُ﴾ مأخوذة من الودِّ، والودُّ هو خالص المحبَّة، فهو جل وعلا ودودٌ. وما معنى (ودود)؟ هل معناه أنَّه محبوبٌ أو أنَّه حابٌّ؟ والجواب: يشمل الوجهين جميعًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]، فهو جل وعلا وادٌّ؛ يحبُّ الأعمالَ، ويحبُّ الأشخاصَ، ويحبُّ الأمكنةَ، وهو كذلك أيضًا محبوبٌ يحبُّه أولياؤه؛ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١]، فكلَّما كان الإنسان أَتْبع لرسول الله ﷺ كان أحبَّ إلى الله، فهو جل وعلا وادٌّ، وهو أيضًا مودودٌ؛ أي إنَّه يُحِبُّ ويُحَبُّ، يحبُّ سبحانه وتعالى الأعمالَ ويحبُّ العاملين، ويحبُّ الأشخاصَ؛ يعني أنَّ محبَّة الله قد تتعلَّق بشخصٍ معيَّنٍ؛ مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم خيبر قال: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». فباتَ الناسُ ثم غَدَوا إلى رسول الله ﷺ كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»؟ قالوا: يشتكي عينيه. فدعا به فأتى، فبَصَق في عينيه فبرأ كأنْ لم يكن به وجعٌ في الحال، ثم أعطاه الراية وقال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ»[[أخرج البخاري (٣٠٠٩) واللفظ له، ومسلم (٢٤٠٦ / ٣٦) من حديث سهلٍ رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ يوم خيبر: «لَأُعْطينَّ الرَّايةَ غدًا رجلًا يُفتَح على يديه، يحبُّ اللَّهَ ورسولَه ويحبُّه اللَّهُ ورسولُه». فبات الناسُ ليلتهم: أيُّهم يُعطى، فغَدَوْا كلُّهم يرجوه، فقال: «أين عليٌّ؟». فقيل: يشتكي عينيه. فبَصَق في عينيه ودعا له، فبَرَأ كأنْ لم يكن به وجع، فأعطاه فقال: أُقاتلهم حتى يكونوا مِثْلنا؟ فقال: «انفُذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأَخْبِرهم بما يجب عليهم، فواللهِ لَأنْ يهدي الله بك رجلًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم».]]. الشاهد قوله: «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فهنا أثبت أنَّ الله يحبُّ هذا الرجل بعينه؛ علي بن أبي طالب. ولَمَّا بعث رجلًا على سريَّةٍ صار يقرأ لهم في الصلاة، ويختم القراءة بـ(قل هو الله أحد)، فلمَّا رجعوا إلى النبيِّ ﷺ أخبروه بذلك؛ لأنَّ عمله هذا غير معروف، أنَّ الإنسان كلَّما قرأ في الصلاة يجعل آخر قراءته (قل هو الله أحد)، فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ»؟ فسألوه فقال: إنها صفة الله، وأنا أحبُّ أن أقرأها. فقال النبي ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ»[[أخرج البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣ / ٢٦٣)، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله ﷺ بَعَث رجلًا على سَرِيَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ(قل هو الله أحد)، فلمَّا رجعوا ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «سَلُوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك». فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها. فقال رسول الله ﷺ: «أَخْبِروه أنَّ الله يحبُّه».]]، فهنا تجدون المحبة عُلِّقت بشخص معيَّن؛ محبة الله. وقد تكون محبَّة الله بمعيَّنين بأوصافهم؛ مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة ٤]،﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف ٤]، هذا ما فيه شخص معيَّن، لكن فيه شخص موصوف بصفة. كذلك يحبُّ الله سبحانه وتعالى الأماكن؛ أَحَبُّ البِقاع إلى الله مساجدها[[أخرج مسلم (٦٧١ / ٢٨٨) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أحَبُّ البلادِ إلى الله مساجدُها، وأبغَضُ البلادِ إلى الله أسواقُها».]]، وأخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ مكة أحبُّ البقاع إلى الله[[أخرج النسائي في الكبرى (٤٢٤٠) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ وهو في سوق الحزورة بمكة: «واللهِ إنَّكِ لَخَيرُ أرضِ الله وأحبُّ البلادِ إلى الله، ولولا أني أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ».]]، هذه المحبَّة متعلِّقة بالأماكن، فالله تعالى يُحِبُّ ويُحَبُّ، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب