الباحث القرآني

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الاستفهام هنا داخل على النفي، الاستفهام (ألم) الهمزة داخلة على النفي، وإذا دخلت الهمزة على النفي صار معناها التقرير كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]؛ يعني قد شرحنا لك صدرك، وألا يعلم من خلق؛ يعني قد علم من خلق، فإذا أتى حرف النفي بعد همزة الاستفهام فهو للتقرير. وقوله: ﴿يَرَوْا﴾ يحتمل أن يراد بالرؤية هنا الرؤية العلمية، أو الرؤية البصرية؛ فالبلاد التي مرّوا بها مدمرة رؤيتها أيش؟ بصرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، والبلاد التي لم يروها لم يمروا بها تكون رؤيتها علمية يتناقلها أهل الأخبار. وقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي: أتلفنا، و﴿كَمْ﴾ هنا للتكثير؛ يعني أمم أهلكناهم. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ القرن، بعضهم حدده بمئة سنة، أو أربعين سنة، وبعضهم حدده قال: المراد بالقرن القوم الذين يهلكون مثلًا في خلال سبعين سنة، ربما يهلك هؤلاء الموجودون ويخلفون غيرهم، وعلّلوا ذلك بمثل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]] قرنه وهم الصحابة في حدود المئة هلكوا. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ الضمير يعود على القرن باعتباره جنسًا؛ أي: مكنا هؤلاء القرون في الأرض. ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يعني جعلنا لهم ما يتمكنون به، ويثبتون به ما لم نمكن لكم، بل أعظم وأعظم، والسابقون أشد قوة من اللاحقين، وأكثر أموالًا وأولادًا، وعمروا الأرض أكثر مما عمروها. وقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فيه التفات من الغَيْبة إلى؟ أتمّ؟ * طالب: إلى الخطاب. * الشيخ: نعم، إلى الخطاب، وهو الحضور؛ الالتفات يكون من الغَيْبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغَيْبة، ومن الإظهار إلى الإضمار، المهم له أنواع، وفائدته تنبيه السامع أو القارئ على ما سيأتي من بعد؛ وجه ذلك أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقّف أيش الذي طرأ فيكون هذا الالتفات منبهًا لمن؟ للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾. أو القارئ على ما سيأتي من بعد، وجه ذلك؟ أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقف، أيش الذي طرأ؟ فيكون هذا الالتفات منبِّهًا لمن؟ للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام ٦]، المراد بـ ﴿السَّمَاءَ﴾ هنا المطر، وعُبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، و﴿مِدْرَارًا﴾ حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، أي: حال كونه مدرارًا يدرُّ عليهم، كلما احتاجت أرضهم إلى الماء نزل الماء. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، ﴿الْأَنْهَارَ﴾ يحتمل أنها أنهار الثلوج التي تتسرب من قمم الجبال، ويحتمل أنها الأودية التي تكون من المطر، وسواء هذا أو هذا لا شك أن الأرض ستكون خصبة، وستأكل منها أنعامهم وأنفسهم. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: أتلفناهم، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الباء) هنا للسببية، أي: بسبب ذنوبهم، والذنوب بمعنى المعاصي. ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: خلقنا من جديد من بعدهم قومًا آخرين، وهل القوم الآخرون عصوا أو أطاعوا؟ منهم من عصى، ومنهم من أطاع، ولكن الله قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون ٤٤]. * في هذه الآية الكريمة: تهديد المكذِّبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة، وجه ذلك أن الله قرَّر أنهم قد رأوا الأمم التي أهلكت من قبل. * ومن فوائدها: الاستدلال بالأعلى على الأدنى، وجه ذلك أنهم لما كانوا أقوى من هؤلاء أرسل الله عليهم السماء مدرارًا، وجعل الأنهار تجري من تحتهم، ومع ذلك أهلكهم، فمَن دونهم من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى وغيرته، حيث أهلك أولئك القوم مع ما عندهم من القوة والنَّعْمَة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما يحصل من النعم واندفاع النِّقم فإنه من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الذنوب من أسباب الهلاك، ولكن هل المراد الهلاك الحسي؟ يعني أن يموت الناس، أو يفقدوا الأموال، أو ما أشبه ذلك، أو يشمل الهلاك الحسي والمعنوي الذي هو موت القلوب؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، يعني يشمل هذا وهذا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فجعل تولِّيهم من أسباب الذنوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله تبارك وتعالى وسلطانه، حيث يُهْلِك أقوامًا وينشئ آخرين؛ لأن الأمر أمره عز وجل، والملك ملكه، والسلطان سلطانه، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء من إهلاك وإنشاء.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب