الباحث القرآني

ثم قال عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: على الأرض ﴿فَانٍ﴾ أي: داثر من الجن والإنس والحيوان والأشجار، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف ٧، ٨] أي: خالية، وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه ١٠٥، ١٠٦] أي: يذر الأرض قاعًا صفصفًا، أو يذر الجبال بعد أن كانت عالية شامخة ﴿قَاعًا﴾ كالقيعان مساوية لغيرها صفصفًا ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه ١٠٧]. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧] أي: يبقى الله عز وجل ذو الوجه الكريم. وكان بعض السلف إذا قرأ هاتين الآيتين وصل بَعْضَهما ببعض، قال: ليتبين بذلك كمال الخالق ونقص المخلوق؛ لأن المخلوق فانٍ والرب باقٍ، وهذه ملاحظة جيدة أن تصل فتقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وهذا هو محط الحمد والثناء على الله عز وجل، أن تفنى الخلائق إلا الله عز وجل. وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فيه إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى، ولكنه وجه لا يُشبه أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؛ يعني أنت تُؤمن بأن لله وجهًا، لكن يجب أن تؤمن بأنه لا يماثل أوجه المخلوقين بأي حالٍ من الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولما ظن أهل التعطيل أن إثبات الوجه يستلزم التمثيل أنكروا أن يكون لله وجهًا، وقالوا: المراد بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ثوابه، أو أن كلمة ﴿وَجْهُ﴾ زائدة، وأن المعنى: (وَيَبْقَى ربك) ولكنهم ضلوا سواء السبيل، خرجوا عن ظاهر القرآن وحرَّفوه، وخرجوا عن طريق السلف الصالح، ونحن نقول: إن لله وجهًا -لإثباته في هذه الآية- لا يُماثِل أوجه المخلوقين لنفي المماثلة في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وبذلك نسلم، ونُجري النصوص على ظاهرها المراد بها. وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ أي: ذو العظمة ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ أي: إكرام من يُطيع الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج ٣٥] فإذن الإكرام: أي أنه يُكرم من يستحق الإكرام من خلقه، ويحتمل أن يكون لها معنًى آخر؛ وهو أنه يُكرم من أهل العباد فيمن خلقه، فيكون الإكرام هذا المصدر صالحًا للمفعول والفاعل، فهو مُكْرِم ومُكْرَم. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٢٨] وهذه الآية تكررت عدة مرات في هذه السورة، وبينا معناها: أنه بأي نعمة من نِعَم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ وهذا كالتحدي لهم؛ لأنه لن يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل هذه النِّعم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب