الباحث القرآني

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فسعي غيره لا ينفعه، ليس لك إلا ما سعيت، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦] فإن قال قائل: أليس العالم الذي يدل على الخير إذا فعله غيره فله مثله؟ قلنا: بلى، لكن دلالته على الخير من سعيه، أليس من سَنَّ في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها؟ بلى، لكن كونه سنها هذا من سعيه. واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إهداء القرب لا ينفع من أُهدي إليه، فلو صليت وقلت: اللهم اجعل ثوابها لأبي لم ينفعه، ولو صُمْتَ وقلت: اللهم اجعل ثوابه لأبي لم ينفعه؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأما سعي غيره فلا ينفعه إلا أن ما وردت به السنة، فلا بد من القول به، فالصوم عن من مات وعليه صيام جاءت به السنة، قال النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، الحج عن من لا يستطيع الحج يجوز؛ لأن «امرأة سألت النبي ﷺ قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (١٨٥٥) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الفضل رديف النبي ﷺ، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع.]]. إذن هذا الحج، الصوم والحج الواجب، الصوم الواجب، والحج الواجب، الصدقة جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «سأله سعد بن عبادة رضي الله عنه، له مِخْراف –يعني: حائط يُخرف- نخل، هل يتصدق به لأمه فينفعها؟ فقال النبي ﷺ: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٥٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن سعد بن عبادة رضي الله عنه تُوفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إن أمي تُوفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها.]]، وسأله رجل آخر «قال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها -يعني: ماتت بغتة- وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها، قال: «نَعَمْ»[[أخرج البخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) عن عائشة، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم».]]، فهذه ثلاث جاءت بها السنة، والعتق كذلك، فما جاءت به السنة فهو على العين والرأس، ويكون مُخَصِّصًا لقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]، وذهب بعض العلماء إلى أن إهداء القرب للأموات جائز سواء كان مما جاءت به السنة أو لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن قضايا أعيان، قضية بعينها، فقال: نعم، فيُقال: ومثلها جميع الطاعات، من باب القياس. وهؤلاء يحملون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]، أن المعنى أنه لا يمكن أن يأخذ من عمل غيره، لكن إذا أهدى إليه العامل فإن هذا لا بأس به، كما أن الإنسان ليس له التصرف إلا في ماله، ولو أعطاه شخص مالًا لتصرف فيه، لو أعطاه مالًا يتصرف فيه، وهذا القول هو الذي عليه الإمام أحمد -رحمه الله- وأصحابه في المشهور عنهم؛ أن أي قربة فعلها الإنسان وجعل ثوابها لميت أو حي نفعه ذلك، وقد نقل الجمل في حاشيته على الجلالين في هذا الموضع نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: أنه يجوز إهداء القرب، وأن الميت ينتفع بذلك، وذكر لهذا أكثر من عشرين وجهًا، فمن أحب أن يراجعه فليراجعه، والكتاب اسمه الفتوحات الإلهية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب