الباحث القرآني

قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] نفى أن يكون لهم بذلك علم؛ لأن هذا هو الواقع، هل شهدوا خلق الملائكة؟ لا، ولهذا قال الله في آية أخرى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف ١٩]، والجواب: لا، لكن: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف ١٩] حين لا يجدون جوابًا، هؤلاء الذين قالوا: الملائكة بنات الله، يقول عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨]، و﴿عِلْمٍ﴾ هنا مجرورة بحرف الجر، وحرف الجر هنا عند المعربين ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] حرف جرٍ زائد، الفائدة منها توكيد النفي، ولهذا نعطيكم قاعدة مفيدة: جميع الحروف الزائدة يقصد بها التوكيد هي من أدوات التوكيد كل الحروف الزائدة سواء الباء أو اللام أو غيرها فإنها تفيد التوكيد، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم ٢٨] يعني: لا قليل ولا كثير؛ لأنهم لم يشهدوا خلقهم. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (إن) هنا بمعنى ما، والضابط أنه إذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي بمعنى (ما)، إن هذا إلا بشر؛ أي: ما هذا إلا بشر ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] أي: ما هذا إلا ملك كريم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم ١٠] أي: ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤] أي: ما هم إلا يظنون، والأمثلة على هذا كثيرة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يعني: ما يتبعون إلا الظن، والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين. وانتبه لهذه النقطة: أن الظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين، كم هذا يا أخ؟ ثلاثة. بمعنى التهمة الثاني رجحان الشيء الثالث اليقين. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦] المراد اليقين، ما يكفي الظن في اليوم الآخر، لا بد يتيقن، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، والتحري هنا يعني: الظن الغالب، وهنا ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤] ظن الاتهام؛ يعني: يظنون ظنًّا هو وَهْمٌ ليس له أصل. بعض العلماء أخذ من هذه الآية: أنه لا يجوز العمل بالظن في المسائل الفقهية وغيرها، وهذا خطأ؛ لأن كثيرًا من المسائل الفقهية ظنية؛ إما لخفاء الدليل، أو خفاء الدلالة، ليس كل مسألة في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين أبدًا، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن إذا تعذر اليقين مما أحله الله. والحمد لله، من نعمة الله أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، فليس كل ظنٍ منكرًا، لكن الظن الذي ليس له أصل يُبنى عليه هذا هو المنكر، هؤلاء الذين سموا الملائكة تسمية الأنثى هل لهم بذلك علم؟ أبدًا، ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنيًّا على هوى؛ يعني: أنه لم يطرأ ببالهم أنهم إناث، لكن تبعوا آباءهم. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ﴾ أيُّ ظنٍ هذا؟ المبني على الوهم لا على القرائن، ﴿لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يفيد شيئًا من الحق؛ لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب