الباحث القرآني

﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨]، ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ يعني: هو صاحب العطاء الذي يُعطي، فالرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم، وكلمة ﴿الرَّزَّاقُ﴾ أبلغ من كلمة الرازق؛ لأن الرزاق صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله تعالى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، كل دابة في الأرض على الله رزقها من إنسان وحيوان، من طائر وزاحف، من صغير وكبير. هل يمكن أن نحصي أنواع المخلوقات التي على الأرض؟ لا يمكن، لو قلت لك: احص العوالم التي في الأرض؟ ما استطعت فضلًا عن أفرادها، كل فرد منها فإن الله تعالى متكفِّل برزقه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦]، فإذا كان الأمر كذلك صار رزق الله كثيرًا باعتبار المرزوق، من يحصي المرزوقين؟ لا أحد يحصيهم، أيضًا هو كثير باعتبار الواحد منهم، كم لله عليكم من رزق؟ كثير لا يُحصَى، رزق الله لك دار عليك ليلًا ونهارًا، رزقك عقلًا، وصحة، ومالًا، وولدًا، وأمنًا، وأشياء لا تحصى، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]؛ ولهذا جاء اسم الرزاق بالتشديد الدال على الكثرة. وقوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ أي: صاحب القوة التي لا قوة تضادها كما قال الشاعر الجاهلي يقول: ؎أَيْــنَ الَمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــــالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ هذا وهو جاهلي، فقوة الله عز وجل لا يضاهيها قوة، قوته عز وجل لا يعتريها ضعف بخلاف قُوَّةِ المخلوق، المخلوق قُوَّتُه تنتهي إلى ضعف كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم ٥٤]، أما الرب عز وجل فإن قُوَّته لا يلحقها ضعف بأي وجه من الوجوه، ولما قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ماذا قال الله؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وصدق الله عز وجل. وقوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ يعني: الشديد، شديد في قوته، شديد في عقابه، شديد في كل ما تقتضي الحكمة الشدة فيه، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور ٢] هذه شِدَّةٌ ﴿لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾، الله عز وجل أرحم الراحمين، ومع ذلك يوصينا، بل ينهانا أن تأخذنا الرأفة في الزانية والزاني ﴿لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾، وهذا دليل على القوة. من قُوَّتِه عز وجل: أنه سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهل تعب؟ لا؛ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف ٣٣]. ومن قُوَّتِه وقُدْرَتِه: أنه جلَّ وعلا يبعث الناس كنفس واحدة ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، والأمثلة على هذا كثيرة، فهو جلَّ وعلا له القوة البالغة التي لا يمكن أن يضاهيها أيُّ قوة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب