الباحث القرآني

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ﴾ قال المفسر: (يعملون ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بالمعاصي ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم). ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ﴾ هذه الجملة فيها أداة حصر وهي (إنما)، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فكأنه قال: لا سبيل إلا على هؤلاء ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ يعني الطريق إلى اللوم والقدح والمؤاخذة ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، سواء بأموالهم أو دمائهم أو أعراضهم، فإن النبي ﷺ أعلن في حجة الوداع فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩ / ٢٩) من حديث نفيع بن الحارث.]]، فظلم الناس يدور على هذه الأشياء الثلاثة: الدماء والأموال والأعراض، فمن اغتاب أحدًا فقد ظلمه، ومن أخذ ماله فقد ظلمه، ومن خانه في معاملة بينه وبينه فقد ظلمه، وهذه لا حصر لأمثلتها. المهم أن الذين يظلمون الناس عليهم اللوم، وقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (يعملون)، وكأنه تحاشى أن يجمع بين البغي وبين قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فقال: (يعملون) من أجل أن يكون الفعل (يبغون) له معنى مستقل، وبغير الحق له معنى مستقل. والصواب إبقاء الآية على ظاهرها، ومعنى يبغون أي: يعتدون، من بغى على غيره، أي: اعتدى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠]؛ فقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾ معناها يعتدون على غيرهم ويتجاوزون حدهم في معاملتهم، ويكون قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ صفة كاشفة تبين أن كل بغي فهو بغير حق، فإبقاء النص القرآني على ظاهره هو الواجب، لا سيما أن هذا التفسير يجعله قاصرًا. إذن ﴿يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٢] أي: يعتدون فيها ويتجاوزون الحد ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى ٤٢] بيان للواقع، فهو صفة كاشفة؛ إذ إن كل بغي فإنه بغير حق، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فسرها بأنها المعاصي، ونعم المعاصي كلها بغير حق، لكن لا تفهم من هذا أن ذلك خاص بحق الله، بل هو عام في حق الله وغيره، فالبغي في حق الله محرم، وكذلك البغي في حق الآدمي. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٤٢] أولئك المشار إليه الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، والإيلام بمعنى الإيجاع، أي أنه موجع. في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ﴾: * فيها من الفوائد: أن من ظلم الناس فإنه مؤاخذ، وجهه أنه حصر المؤاخذة بمن ظلم الناس وبغى في الأرض بغير الحق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البغي ظلم لا حق فيه؛ لقوله: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى ٤٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق بالعذاب الأليم؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٤٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء عظيم؛ لأنه أتى به بالجملة الاسمية على هذه الصيغة المعينة: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٤٢].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب