الباحث القرآني

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر ٧٩، ٨٠]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ قيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾، ﴿جَعَلَ﴾ أي: صيَّرها مُسَخَّرةً لكم، والجَعْل هنا جَعْلٌ كونيٌّ؛ لأن الجَعْل المضاف إلى الله عز وجل يكون كونًا ويكون شرعًا؛ يعني يكون جَعْلًا كونيًّا ويكون جَعْلًا شرعيًّا؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة ١٠٣] هذا الجَعْل شرعيٌّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦] هذا جَعْلٌ كونيٌّ، وفي قوله تعالى هنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ جَعْلٌ كونيٌّ. و﴿الْأَنْعَامَ﴾ جمع نَعَم، قال المؤلف؛ المفسِّر: (قيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم). بل والظاهر ما هو أعمُّ من ذلك، وهو ما أنعمَ الله به علينا من الحيوان الذي سخَّره لنا من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ وفِيَلةٍ وغيرها، كل شيء. وقوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قسَّم الله سبحانه وتعالى هذه الأنعام إلى قِسْمين: قِسْم تُركب، وقِسْم تؤكل؛ يعني ولا تُركب. وعلى هذا فتكون (مِن) في الموضعين للتبعيض، وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحلَّ محلَّها كلمة (بعض)، فهنا احذفْ (مِن) وقُل: (لتركبوا بعضَها وبعضَها تأكلون) يستقيم الكلام، فهذه علامة (مِن) التبعيضية أنْ يحلَّ محلَّها كلمة (بعض). وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ هذا التقسيم لا يعني الانقسام؛ بمعنى أنَّه يمكن أن يوجد من الأنعام ما يُؤكَل وما يُركب؛ مثل الإبل فإنها تُؤكَل وتُركب. (﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ من الدَّرِّ والنَسْل والوَبَر والصوف) يعني: والشعر، وغير ذلك من المنافع كنَقْل البضائع وغيرها، ولهذا جاءت كلمة (منافع) جمع منفعة بصيغة منتهى الجموع، وصيغة منتهى الجموع ما كانت على وزن (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل). (﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ هي حَمْل الأثقال إلى البلاد) ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ فسَّرها المؤلف بأنها حَمْل الأثقال، ولكن الذي يظهر أنها غير ذلك وأنها قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ [النحل ٦، ٧]؛ يعني ما يكون في قَلْب الإنسان من محبَّة الفخر والخُيَلاء وغيرها، وإنْ كانت هذه الحاجات قد تكون ممنوعة كالفخر والخيلاء، لكن لا شكَّ أن هذه حاجةٌ لكلِّ إنسان أنَّه يجد فرحًا وسرورًا إذا غَنِم كثيرًا من المواشي من الإبل والبقر والغنم والظباء والأرانب وغيرها، يجد الإنسانُ لهذا طعمًا في نفسه. ويمكن أن يقال أيضًا: ومن الحاجات في النفس الاتِّجار بها؛ فإنَّ بعض الناس يتَّجر بهذه الأنعام، والله سبحانه وتعالى لم يذكر نوع الحاجة، فيشمل كلَّ ما يقع في القلب من مثل هذه الأمور. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، (﴿وَعَلَيْهَا﴾ في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ السُّفُن في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾ ) بيَّن الله عز وجل أنَّ هذه الأنعام نُحمَل عليها وكذلك السُّفُن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف ١٢ - ١٤]. * في هذه الآية من الفوائد: بيانُ نعمة الله عز وجل علينا بهذه الأنعام؛ حيث جعلها لنا مُسَخَّرة مُذَلَّلة. * ومن فوائد هذه الآية: جواز ركوبها وأكْلها، ومن المعلوم أنَّ هذا ليس على إطلاقه؛ فإنَّ الذي يُركب لا يُركب على وجهٍ يشقُّ عليه، لو أراد الإنسان أن يركب على بهيمة وهي لا تطيق أكثر من واحد فأردفَ عليها، قلنا: هذا لا يجوز؛ لِمَا في ذلك من المشقَّة، وكذلك أيضًا ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ليس على إطلاقه؛ إذْ من هذه الأنعام ما لا نأكله مثل الحُمُر، فإنها لا تؤكل، ولكنَّها يُحمَل عليها وتُركب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الأصل جواز كلِّ ما يُنتفع به من وجوه الانتفاع في هذه الأنعام؛ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، وبناءً على ذلك يجوز أن يركب ما لا يُركب عادةً إذا لم يشقَّ عليه لأنَّ ذلك من المنافع؛ فلو كان مع الإنسان بقرةٌ واحتاج إلى أن يركب عليها قُلنا له: اركبْ؛ لأنَّ هذه من المنافعِ، واللهُ تعالى أطلقَ المنافع ما لم يشقَّ عليها، فإنْ شقَّ عليها كان ممنوعًا؛ لأنَّ إيذاء الحيوان محرَّم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جوازُ ما يقع في قلب العبد من الفرح والسرور بهذه الأنعام، بشرط ألَّا يؤدِّي ذلك إلى الكبرياء والخُيَلاء، فما دام هذا الفرح في نطاق الأمر المباح فإنَّ الإنسان لا يُلام عليه، بل هو مما جعله الله له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ نعمة الله عز وجل بحملنا على هذه الأنعام وعلى الفُلك؛ يعني أنَّ الله سَخَّر لنا ما نركبه في الماء وما نركبه في البر. وهُنا تسخيرٌ ثالثٌ حَدَث بعد نزول القرآن، وهو ما نُحمَل عليه في الجوِّ، فيكون الله عز وجل أنعم علينا بمراكب جوِّية وبحرية وبرِّية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب