الباحث القرآني

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخره. ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أي: ابتدأ خلقكم، والخلق بمعنى الإيجاد مع التقدير، قال الشاعر: ؎وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي فهو إيجاد بتقدير. ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ قال: (بخلقِ أبيكم آدم منه)، فالأصل أننا من تراب؛ من هذه الأرض ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥]، فالأرض هي الأول والآخر بالنسبة لبني آدم إلى يوم البعث. (﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مَنِيٍّ) وهذا باعتبار نسل آدم عليه الصلاة والسلام، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ هذا الطور الثالث، والثاني باعتبار نسل آدم، والعلقة قال: (دم غليظ) مثل الخيط، ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، وطوى الله تعالى ذكر المضغة وإنشاء الخلق الآخر إلى قوله: (﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ بمعنى أطفالًا)، وإنما قال: (بمعنى أطفالًا)؛ لأنها حالٌ من الكاف في ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾، وهي جمع، و(طفل) مفرد، وعلى هذا فيتعيَّن أن يكون طفلٌ بمعنى أطفالًا، وقيل: إن ﴿طِفْلًا﴾ بمعنى المفرد، وإن المعنى: ثم يخرج كل واحد منكم طفلًا، فيكون ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ جمعًا باعتبار المجموع؛ أي: أن كل واحد منا يخرج طفلًا، وعلى هذا فلا حاجة إلى تأويل (طفل) بمعنى أطفال. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ قال: (﴿ثُمَّ﴾ يُبْقيكم ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ )، وإنما قدَّر ذلك لأن اللام تحتاج إلى متعلق، وعلى هذا فمتعلقها محذوف، والتقدير: ثم يبقيكم. (﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ تتكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين) هذا بلوغ الأشد، أقوى ما يكون الإنسان من ثلاثين سنة إلى أربعين، ثم يبدأ بالانحدار شيئًا فشيئًا، ولكن قد يكون هناك عوامل توجِبُ أن تبقى قوته مدة من الزمن أكثر، وقد تكون هناك عوامل توجِبُ أن تنهدم قوته قبل تمام الأربعين، لكن في الأصل أنه إذا تم الإنسان أربعين سنة بدأ في الضعف. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾؛ أي: كامل قوتكم. (﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ بضم الشيء وكسرها) يعني: ﴿شِيُوخًا﴾ و﴿شُيُوخًا﴾، والقراءتان سبعيتان، وهذه طريق المؤلف إذا ذكر الوجهين جميعًا فمعناه أن القراءتان سبعيتان، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾؛ يعني كبارًا تبلغوا سن الشيخوخة. قال: (﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل الأشد والشيخوخة) قال: (فعل ذلك بكم لتعيشوا ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ )، والمفسِّر يُقدِّر ذلك لوجود حرف العطف، وهو قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾، (﴿أَجَلًا مُسَمًّى﴾ وقتًا محدودًا) والمسمى بمعنى المعيَّن، وهو بمعنى المحدود. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تكونون من ذوي العقول وتفهمون حكمة الله عز وجل في تقديره وتشريعه، فأنتم ترون الآن أن القدر يكون فيه المقدَّر شيئًا فشيئًا حتى يكبر، وهكذا الشرع تكون فيه الشرائع شيئًا فشيئًا حتى تكمُلَ، وهذه من سُنة الله تعالى الكونية وسنته الشرعية؛ أن الأمور لا تأتي دفعة واحدة، بل تتطور حتى تبلغ الكمال، وهذا من الحكمة البالغة. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ليس المراد بذلك عقل الإدراك بل المراد بذلك عقل التدبير والرشد؛ لأن العقل عقلان: عقل إدراك تتوقف عليه التكاليف الشرعية، ولهذا يقال: من شروط صحة الصلاة العقل، والمراد به عقل الإدراك. وعقل تدبير ورشد، وهو حسن التصرف، ولهذا نقول: إن الكفار لا يعقلون، مع أنهم بالنسبة لعقل الإدراك أقوياء أشداء أذكياء، لكن عقل التدبير والتصرف هم خالون منه. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ في هذه الآيات بيَّن الله سبحانه وتعالى منشأ بني آدم وغاية بني آدم. * ففيها من الفوائد: * أولًا: بيان أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا وحده وأنه لا خالق إلا الله، وقد قال الله تبارك وتعالى في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، ما الجواب؟ جوابنا: أنه لم يُخْلَقوا من غير شيء، وليسوا هم الخالقين، إذن فلهم خالق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن أصل بني آدم هو التراب؛ لقوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾، والتراب معروف أنه يختلف، ومن ثَمَّ اختلفت طبائع بني آدم، واختلفت ألوان بني آدم، واختلفت ألسنة بني آدم، كما اختلف أصْلُهم، فالتراب -كما تعرفون- منه الرمل والطين والسباخ، وغير ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: انتقال هذا الأصل إلى أصل آخر، وهو الماء، النطفة، المني، ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق ٥ - ٧]، وفي آية أخرى: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات ٢٠]؛ يعني: غليظ لا يندفع ولا يجري؛ لأنه غير سائل، ليس كالماء المائع الذي يسيل، بل هو ماء مهين؛ أي: ضعيف لا يتحرك. * ومن فوائد الآية الكريمة: تطور خلق الإنسان في بطن أمه. وهنا لم يذكر الله عز وجل إلا النطفة والعلقة؛ لأن النطفة هي الأصل، والعلقة هي أصل مادة الحياة؛ إذ إن الحياة لا تكون إلا بالدم وهو أصل المادة، ولهذا لو تفرغ دم الإنسان لهلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل أنه بعد هذه الحال في بطن أمه يخرج طفلًا متكاملًا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله قسَّم الناس بعد خروجهم أطفالًا إلى أقسام: القسم الأول: أن يبلغ الإنسان أشده ثم يموت. والثاني: أن يبلغ الشيخوخة. والثالث: أن يموت قبل ذلك؛ أي: قبل بلوغ الأشد وقبل الشيخوخة. وعلى أي أساس يكون هذا؟ نقول: هذا محض مشيئة الله عز وجل، ليس له أساس معلوم، لكنه محض المشيئة، لكن مع كونه محض المشيئة قد يُقدِّر الله تعالى أسبابًا كونية وأسبابًا شرعية بها يطول العمر وتبقى الصحة، وقد يقدر الله أسبابًا على العكس من ذلك. فمن الأسباب الشرعية ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦) ومسلم (٢٥٥٧/٢١) من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه».]]، هذا دليل على أن صلة الرحم من أسباب سعة الرزق وطول العمر، فييسِّر الله تعالى لهذا العبد أن يصل رحمه فيطول عمره، وهذا شيء مكتوب، ولكننا لا علم لنا به، فحثَّنا النبي ﷺ عليه بهذه الطريقة. وأما الأسباب الكونية فهي توقي الأسباب الضارة في الصحة، وهذا شيء لا نهاية له، وهو أمر معلوم، وأكثر من يعرفه الأطباء، فييسِّر الله تعالى للإنسان من أسباب الصحة من دواء وغذاء وهواء ما يكون به طول العمر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأجل مهما طال بالإنسان فإنه محدودٌ له غاية، مع أن الإنسان في نفسه يمد أملًا بعيدًا جدًّا، يظن أنه سيبقى عشرات المئات، ولكنه في الواقع مهما بلغ فإن الأجل محتوم، والشيء المحدود المعدود غايته النهاية؛ لأن كل يوم يمضي ينقص العمر، قال الشاعر: ؎وَالْمَرْءُ يَفْرَحُ بِالْأَيَّامِ يَقْطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ وهذا صحيح؟ نعم، المرء يفرح بالأيام يقطعها، يقول: ما شاء الله عمري طويل، ومُتِّعْت كثيرًا، لكن وكل يوم مضى يدني من الأجل، يعني إذن يطول من وجه، ويقصُرُ من وجه آخر، ثم عند انتهاء الأجل: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]. وقِسْ ما يستقبل بما مضى، الآن منا من عمِّر ستين سنة أو خمسين سنة أو عشرين سنة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأيام التي مضت كأنها ساعة؛ يعني الآن أنت اليوم كأنت بالأمس، وأنت بالأمس كأنت قبل أمس، كأنها ساعة، كأنها أحلام، ولذلك قال: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل علينا بالعلم والبيان؛ لأن ذلك سبب لبلوغ الغاية في العقل؛ وذلك لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات تعليل أحكام الله؛ أي: أن أحكام الله تعالى مُعلَّلة بحكمة. وهل هذا مقتصرٌ على الأحكام الشرعية، أو على الأحكام الشرعية والكونية؟ الجواب: الثاني؛ فكل أحكام الله الكونية والشرعية كلها مُعلَّلة؛ يعني كلها لحكمة، لكن هذه الحكمة قد تكون معلومة لنا، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا متباينًا؛ منهم من يطلعه الله عز وجل على أسرار خلقه وأسرار شرعه، ومنهم من لا يطلعه، ومنهم مَن بين ذلك. وكذلك أحكام الله الشرعية كلها لحكمة، كلها مُعلَّلة. وما يذكره الفقهاء من أن هذا الحكم تعبدي لا يعنون بذلك أنه ليس له علة، وإنما يعنون بذلك أن علته غير معلومة لنا، فنحن ليس لنا إلا مجرد التعبُّد، ولهذا لما سألت المرأة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك، فنُؤْمَرُ بقضاء الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم واللفظ له (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، هذه الحكمة، إذن الحكمة شرع الله، شرع الله كله حكمة، لكن لو أراد إنسان أن يلتمس لذلك حكمة معقولة فلا حرج عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على أهل العقل، أي: على العقلاء؛ لأن الله تعالى جعله غاية فقال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ذكرنا الآن أن أحكام الله الكونية والشرعية لها حكمة، فإن قال قائل: ماذا تجيبون عن قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]؟ الجواب: أنه لا منافاة؛ لأن الله لم يقل: لا حكمة لما يفعل، بل قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾؛ لأن كل ما يفعله فهو حكمة لا يُسْأل عنه، نعلم أنه ما فعله إلا لحكمة فلا يُسْأل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب