الباحث القرآني

ثم قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء والتاء، بالياء ﴿يَنْفَعُ﴾، بالتاء ﴿تَنْفَعُ﴾ ، إذن هما قراءتان سبعيتان؛ لأن المؤلف إذا أتى بصيغة القراءة على هذا الوجه فمعناه أنهما قراءتان سبعيتان، أما إذا قال: وُقِرَئ فهو للقراءة الشاذة، بالتاء واضح؛ لأن معذرة مؤنث فالفعل يكون معها مؤنثًا، لكن بالياء، نقول: أولًا: أنه فُصِلَ بين الفعل والفاعل. وثانيًا: أن التأنيث هنا ليس حقيقيًّا، وابن مالك يقول: ؎وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصَلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ المراد بـ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا الكافرون، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ عندي بالشرح قال: (عُذْرهم أو اعتذارهم) يعني: عذرهم فيما سبق، أو اعتذارهم فيما لحق في ذلك اليوم، هم يعتذرون لكن لا يُقْبَل ﴿لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٦]. (﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر ٥٢] أي البعد من الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ) لهم اللعنة: كيف قال: لهم اللعنة، هل اللعنة مَطْلُوبة حتى تأتي باللام؟ قيل: إن اللام هنا بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٦١] عليهم، فاللام هنا بمعنى (على)، والصواب أن اللام على بابها، وأنها ليست بمعنى (على)، بل هي بمعنى الاستحقاق؛ يعني أنهم يُلْعَنون لعنًا يستحقونه، فهي أبلغ من قولك: عليهم، من وجه. وتلك أبلغ من وجه آخر. المهم أن اللام هنا على معناها الأصلي: الاستحقاق. وهنا نقول لكم: إذا ورد تفسيران في كتاب الله العزيز أحدهما يؤيده اللفظ والثاني لا يؤيده اللفظ، فبأيهما نأخذ؟ الأول، وإن كان كلٌّ من المعنيين مُحْتملًا، لكن ما يوافق ظاهر اللفظ هو الأولى. ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر ٥٢] اللعنة هي البعد عن الرحمة، وقوله: ﴿اللَّعْنَةُ﴾ لم يُبَيِّن ممن فتعم ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، وفي آية أخرى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ فكل شيء يلعنهم، نسأل الله العافية. (﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ الآخرة أي: شدة عذابها) لهم سوء الدار: يحتمل أن تكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الدار السوء، ويحتمل أن يكون على بابها والمعنى: لهم سوء الدار، أي: السيئ في الدار، وعلى كل حال ما المراد بـ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾؟ يقول المؤلف: (شدة عذابها) ولكن لو قيل: إن سوء الدار: ما يسوء من العذاب الشديد وغير الشديد لكان أعم. ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ [غافر ٥٢] إلى آخره، موضع ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ مما قبل، نقول: هي بيان؛ يعني عطف بيان من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. * فيستفاد من ذلك فوائد: * أولًا: أن الظالمين لا ينفعهم العذر ولا الاعتذار يوم يقوم الأشهاد؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. * من فوائدها أيضًا: أن الكافرين ظَلَمَةٌ وهو كذلك، والشرك بالله أظلم الظلم كما قال النبي ﷺ حين سُئِلَ: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦١)، ومسلم (٨٦ / ١٤١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وهذا حق، الذي خلقك وأعدك وأمدك ثم تشرك به! هذا أظلم الظلم، إن الإنسان لو أهدى إليه شخص عشرة ريالات لاستحيى أن يناله بسوء، فكيف بمن أهدى إليك حياتك كلها، كيف تشرك به وتَكْفُر به؟! إذن هو أعني الشرك أيش؟ أظلم الظلم. * من فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين يوم القيامة يعتذرون ولكن لا يُقْبَل؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. فإن قال قائل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥، ٣٦]؟ الجواب بصفة عامة: أن ما ورد عليك مما يكون يوم القيامة أو من أوصاف يوم القيامة مما ظاهره التعارض فاعلم أنه لا تعارض فيه، سواء كان ذلك في وصف اليوم أو في وصف المحشورين أو في وصف العذاب فإنه لا يمكن أن يكون فيه التعارض أبدًا؛ لأن اليوم طويل، مقدار اليوم خمسون ألف سنة، فيمكن أن تتغيَّر فيه الأحوال، يكون أوله للناس حال وآخره للناس حال، وما أشبه ذلك. فمثلًا قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥، ٣٦] هذا يدل على أنهم في ذلك اليوم هم سكوت لا يُؤْذَنُ لهم بأي كلام فينتهزوا الفرصة بالاعتذار، لكن في موقف آخر يَعْتَذِرُون، ولكن لا ينفعهم الاعتذار، وهذا أولى من قول بعض العلماء: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لو اعتذروا؛ لأنه على هذا التقدير يكون الكلام كلامًا فرضيًّا لا واقعيًّا، لا ينفعهم لو اعتذروا، فأيهما أولى أن نحمل الكلام على أنه واقع أو على أنه مفروض؟ الأول، على أنه واقع، نحن نقول: يَعْتَذِرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين مُسْتَحِقُّون للعنة الله. فهل يعني ذلك أنه يجوز أن نَلْعَن الكافرين؟ الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، لنا أن نقول: لعنة الله على كل الكافر، وكان من قنوت أبي هريرة رضي الله عنه أنه يعلن الكفرة في قنوت الوتر: اللهم العن الكفرة الذين كذبوك وكذبوا رسلك. هذا لا بأس به. وهل نلعن نوعًا معينًا من الكفرة كاليهود والنصارى؟ نقول: اللهم العن اليهود اللهم العن النصارى؟ * طالب: نعم. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، واليهود والنصارى هم كفار (...). * الشيخ: بس هم مُعَيَّنُون. * الطالب: (...). * الشيخ: هذا خبر، لكن هل يجوز أني ألعنهم؟ * طالب: قال رسول الله ﷺ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ» * الشيخ: طيب، أحسنت. لكن قال بعض الناس إما اجتهادًا وإما محاباة لليهود والنصارى، قال: إن الرسول دعا عليهم باللعنة في حال مُعَيَّنَة حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لعنهم كأنه يقول: لأنهم اتخذوا. فيقال: التعليل لا يقتضى تخصيص المعلول، العلة لا تقتضي التخصيص، هم لُعِنُوا من أجل هذا ومن أجل غيره أيضًا. فالصحيح أنه يجوز أن نلعن اليهود والنصارى على سبيل التخصيص فنقول: لعنة الله على اليهود والنصارى، سواء قَرَّرْنا بذلك فعلًا من أفعالهم يقتضي اللعن أو لا. طيب إذن لنا أن نلعن الكفار على سبيل العموم، وهل نلعنهم على سبيل التعيين؟ أما إن كان حيًّا فلا يجوز، لا يجوز أن ألعن شخصًا معينًا ولو كان من أكفر الكفار ما دام حيًّا، الدليل أن النبي ﷺ لما صار يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا ممن عَيَّنَهُم من أئمة الكفر قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨] فنهاه وقال: ليس لك من الأمر شيء؛ وإذا كان رسول الله ﷺ ليس له من الأمر شيء، فما بالك بمن دونه. وأما التعليل فإننا نقول: لا تلعنْه، ادع الله له بالهداية؛ لأنك لا تدري ربما يكون هذا العدو للإسلام اليوم هو وَلِيُّ الإسلام في يوم آخر، ألم يكن عمر من أعدى أعداء الإسلام؟ بلى، ألم يكن خالدُ بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ممن اقتحموا الجبل في أحد ليقتلوا الرسول وأصحابه؟ بلى، وماذا كانوا؟ كانوا من قواد المسلمين، كان عمر الخليفة الثاني في هذه الأمة. إذن يا أخي لا تدعُ على شخص معين من الكفار باللعنة، لكن هل يجوز أن أَدعوَ اللهَ له بالهداية؟ * طلبة: نعم، يجوز. * الشيخ: ندعو لفلان وفلان ونعين أن الله يهديه؟! * طلبة: نعم. * الشيخ: طيب رئيس دولة؟ * طلبة: نعم. * طالب: بالهداية من باب أولى. * الشيخ: أحسن. طيب إذن الهداية لا بأس منها، أما اللعن فلا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين وهم الكافرون لهم سوء الدار يوم القيامة، وهي جهنم -والعياذ بالله- لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا العذاب؛ أي: هذا اللعن وهذا السوء، كان هؤلاء مستحقين له؛ لقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، والله أعلم. * طالب: (...) الاعتذار يكون في النار ولا يكون (...)؟ * الشيخ: لماذا؟ * الطالب: (...) قبل يوم القيامة. * الشيخ: وقبل. * طالب: النصر إذا كان بمعنى تأييد هؤلاء الرسل، فكيف يكون النصر تأييدًا للرسل؟ * الشيخ: إي نعم، كون الله عز وجل يقول: ﴿اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم ٥٦]، اذكر في الكتاب فلانًا، اذكر في الكتاب فلانًا، (...) نصر، إن الله يرفع لهم ذكرهم ويُبَيِّن أنهم على حق. * طالب: ماذا تقول يا شيخ في النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة في هذه الآية (...)؟ * الشيخ: يقولون: (إنا) للجمع أو للواحد؟ * الطالب: للجمع. * الشيخ: للجمع؟ هذا الأصل (إنا) و(نحن) و(نفعل) و(نأمر) وما أشبه ذلك للجماعة، نحن نقول: هذا من المتشابه، واللغة العربية جاءت بإسنادِ مثلِ هذا إلى الواحد من باب التعظيم، ولذلك يقولون: (نحن) للواحد المعظم نفسه أو للجماعة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي هو الضمير، ضمير جمع. * الطالب: كل آية فيها ضمير يحتج بها؟ * الشيخ: كل آية فيها ضمير جمع. * طالب: الفرق بين التوبيخ والتقريع؟ * الشيخ: ما أعرف بينهما فرقًا، اللهم إلا يكون فرقًا قليلًا يمكن، أو يقال: التوبيخ على أمر مضى، والتقريع والتنديم على أمر حاضر. * طالب: إجابة دعوة الكافر (...) ألا يكون (...) الكافر على نفسه، تستجاب (...)؟ * الشيخ: نحن يا إخوان ذكرنا: إجابة دعوة الكافر إذا دعا لنفسه ولا عليها؟ لنفسه. أصل الكلام: هل ينتفع الكافر بدعائه أو لا؟ ومعلوم أنه إذا دعا على نفسه وأُجِيب فهذا ضررٌّ عليه. * طالب: قلنا: إن الكافر لا يدعى عليه إذا كان حيًّا وإذا كان مفسدًا؟ * الشيخ: إذا كان ميتًا فإنه يُنْظَر هل في ذلك مصلحة؟ إن كان فيه مصلحة فلا بأس، يعني: إذا كان فيه مصلحة وأنك ستغيظ أتباعه فلا بأس، وإلا فقد قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. * طالب: إذا كنا ندعو عليه بالهلاك؟ * الشيخ: بالهلاك؟ طيب عندنا الآن دعاء بالهلاك، ودعاء باللعنة، ودعاء بالهداية، أيهم أحسن؟ * الطلبة: الهداية. * الشيخ: الأحسن الهداية، بدل ما تقول: اللهم أهلكه. * طالب: يعني قد يشفي صدورهم. * الشيخ: يعني: الله يقدر أن يهلكه ولا يقدر أن يهديه؟ * طالب: قد يشفي صدورهم (...). * الشيخ: ما يمكن إنسان أن يقول: اللهم أهلكه بدل: اللهم أهده إلا من شدة الغيرة أو الغضب عليه، نحن نقول: هَدِّئ. * طالب: أكثر (...). * الشيخ: ما يخالف، لكن إذا هداه الله، جعل بدل هذه الأذية منحة وعطية، نعم إن أردت أن تقول: اللهم أهلكه ما دام مضادًا للمسلمين وما أشبه ذلك، فتُقَيِّدْ نعم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب