الباحث القرآني

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء ١٢٣ - ١٢٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. الخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ لهذه الأمة. ﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بذلك: اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أهل الكتاب، ونحن أسبق منكم، ونحن أولياء الله وأحِبَّاؤه، وما إلى ذلك، يريدون أن يُفضِّلوا أنفسهم على هذه الأمة، هذه الأمة تقول: إن رسولنا خاتم النبيين، وأن هذه الأمة فُضِّلت على الناس، وتريد أن تكون أفضل من أهل الكتاب، ففصل الله بينهم وحكم بينهم بحكم عدل، فقال: الأمر ليس بأمانيِّكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهل الكتاب، وليس الأمر يعطَى على حسب أمنية الشخص، إذا تمنى حصل له ما تمنى، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم ٢٤، ٢٥]. وقوله: ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: اليهود والنصارى، والكتاب يراد به التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى. ثم جاء الحكم فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾ (من) هذه شرطية، و﴿يَعْمَلْ﴾ فعل الشرط، و﴿يُجْزَ﴾ جواب الشرط، ﴿بِهِ﴾ أي: بسوئه، سواء منكم يا هذه الأمة أو من أهل الكتاب، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. وإذا نظرنا في هذا الحكم وجدنا أنه ينطبق على أهل الكتاب أكثر مما ينطبق على هذه الأمة؛ لأن أهل الكتاب عملوا سوءًا، وذلك بتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيُجْزَوْن به. ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ﴾ معطوفة على جواب الشرط، ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، (من دونه) أي: من سواه، ﴿وَلِيًّا﴾ يتولاه بتحسين المصالح، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدافع عنه المساوئ والمفاسد. * في هذه الآية دليل على فوائد، منها: أن التمني لا يُجدي شيئًا؛ لقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهذا يشهد لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العدل بين المتخاصمين، حتى وإن كان أحدهما على حق والثاني على باطل، فالواجب العدل، وأن يحكم لكل واحد ما يستحق، وجه ذلك؟ نفي كون الشيء بالأمانيِّ بالنسبة للمسلمين ولليهود والنصارى، ثم إثبات أن من عمل سوءًا جُوزِي به، وهذا غاية العدل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التهديد لمن عمل سوءًا؛ لقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فإن عمله لن يضيع وسوف يُجْزَى به، والآية مطلَقة، فهل يُجْزَى في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما؟ نقول: أما إذا كانت العقوبة في الدنيا عقوبة شرعية، فإنه لا يُجمع عليه بين العقوبتين؛ ولهذا صحَّ عن النبي ﷺ أن «مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَانَ كَفَّارَةً لَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤٣) من حديث عبادة بن الصامت، ومسند الشاميين (٢٢٦٧) واللفظ له من حديث ثابت بن الضحاك.]]، وأما العقوبات غير الشرعية -وهي العقوبات القدرية التي يُنزلها الله تعالى بالمرء؛ من مرض، أو فقر، أو غير ذلك- فهذه قد تكفِّر السيئات، ولا يبقى عليه شيء في الآخرة، وقد لا تكفِّر السيئات جميعًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إخلاف الوعيد؛ لأن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وعيد، ولكن الله تعالى قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهذا يدل على أن من عمل سوءًا قد أيش؟ قد يغفر الله له ما عدا الشرك. فإذا قال قائل: كيف نجيب عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهي خبر؟ قلنا: هذه يراد بها التهديد، وهي من باب الوعيد، والعفو عن الوعيد من باب الكرم، وهو مدح وليس ذمًّا؛ ولهذا امتدح الشاعر نفسه بقوله: ؎وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُـــــــــــــــــهُ أَوْوَعَدْتُــــــــــــــــــــهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا يجازَى بأكثر مما عمل من السوء؛ لقوله: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، والباء هنا للعِوض أو البدل، بخلاف من عمل حسنًا، فإنه يعطَى أكثر كما في آيات أخرى. * ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قوة الله تعالى وسلطانه؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ومثل هذه الآية قد تكررت في القرآن كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود ١١٣]، ومثل قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٥]، وهذا كثير؛ لأن الله سبحانه وتعالى كامل القوة وكامل السلطان، فلا أحد يمنعه ولا أحد يدفعه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصائب في الدنيا كفارات؛ لأنها نوع من الجزاء، وقد أخبر النبي ﷺ أنه ما من غم ولا هم ولا حزن يصيب العبد إلا كفَّر به عنه، حتى الشوكة إذا أصابته فإن الله يكفِّر بها عنه[[أخرجه البخاري (٥٦٤١) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، ومسلم (٢٥٧٢ / ٤٩) من حديث عائشة.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب