الباحث القرآني

ثم قال الله عز وجل: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٣] أي: مفاتيح خزائنهم من المطر والنبات وغيرهم، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ﴾: المقاليد جمع مقلاد وهو ما يُقَلَّد به الشيء، هذا الأصل، والمؤلف جعل المقاليد هنا بمعنى المفاتيح، ولو أنه قال: له مقاليد السماوات والأرض أي: تدبير السماوات والأرض لكان أولى؛ لأن كلمة مفاتيح قد يَظنُّ الظانِّ أنه يملك المفاتيح دون التدبير، ولكن الأمر ليس كذلك، فهو بيده مقاليد السماوات والأرض أي: تدابيرهما كما يشاء. ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ خبرها، وعلى هذا فتكون هذه الجملة تتضمن جملتين كبرى وصغرى؛ الكبرى هي المكونة من المبتدأ والخبر، والصغرى هي التي وقعت خبرًا، انتبه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، (أولاء) مبتدأ آخر ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبر المبتدأ الآخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول. وفائدة الإتيان بهذا التركيب فائدته أنه أُسْنِدَت الجملة الثانية إلى الأولى حتى صارت الجملة جملتين في المعنى. أما قوله: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فـ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وفائدته: أولًا التوكيد، والثاني الحصر، والثالث التمييز أو إن شئت قل: الفصل بين كون ما بعده خبرًا أو وصفًا، فإنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإن كلمة (الفاضل) تحتمل أن تكون خبرًا أو أن تكون صفة إذا حذفت (...)، إذا قلت: زيد الفاضل، فربما يترقب الإنسان كلمة أخرى تتم بها الجملة، ويعتقد أن (الفاضل) صفة، فإذا قلت: هو الفاضل زال هذا التوقع، وعلم أن ما بعده (هو) خبر المبتدأ. قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (القرآن)، وهذا فيه شيء من القصور؛ لأن آيات الله عز وجل في القرآن وفي غير القرآن، ثم الآيات كونية وشرعية، والكفر يكون بهما جميعًا أي: بالآيات الكونية والآيات الشرعية، ويكون بالقرآن وبالتوراة وبالإنجيل وبغيرهما من الكتب التي أنزلها الله عز وجل، فالأولى العموم أن يقال: كفروا بآيات الله الكونية والشرعية، القرآن وغير القرآن. وأصل الكفر أصله الجحد، ومنه (الكُفُرَّى) الذي هو وعاء طلع النخلة؛ لأنه يَسْتُر الطلع ولا يتبين، والكافر جاحد ساتر لحق الله عز وجل ولنِعَمِ الله عز وجل، وكفرهم بآيات الله يكون تارة بالتكذيب وتارة بالاستكبار، ففي مقابل الأخبار يكون بالتكذيب، وفي مقابل الأمر والنهي يكون بالاستكبار. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣] (أولاء) اسم إشارة كما تعرفون، وهنا المشار إليه بعيد أو قريب؟ المشار إليه بعيد؛ لأن الكاف لا تأتي إلا إذا كان المشار إليه بعيدًا، فإنها تأتي الكاف لتنبيه المخاطب إلى المشار إليه لبُعْدِه، أما إذا كان المشار إليه قريبًا فإنه لا يؤتى بالكاف، بل يقال: أولاء مثل هؤلاء، ويقال: هذا، لكن إذا كان بعيدًا فإنه يؤتى بالكاف، لماذا؟ تنبيه المخاطب إلى المشار إليه؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا خُوِطب كان ذلك أبلغ في تنبيهه، (أولئك) إذا قلت: الكاف سينتبه وينظر من هذا المشار إليه، فإذا كان لا يكون إلا البعيد، فالبُعْدُ إما عُلُوٌّ أو سُفْل، وإما حسي وإما معنوي، فالأقسام إذن أربعة: فما هو القِسم الذي ينطبق على الذين كفروا هنا؟ البعيد سُفولًا. معنوي ولا حسي؟ معنوي. وفي النار؟ حسي. لكن في الدنيا معنوي؛ لأنه قد يكون كافرًا وهو في قمة الجبل. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إذن الكفر قلنا: إنه يتضمن شيئين إما الجحود وإما استكبار ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣] هم لا غيرهم، الخاسرون الذين خسروا الدنيا والآخرة، أما خسران الآخرة فظاهر، وأما خسران الدنيا فإنهم إنما خُلِقُوا لعبادة الله، وهل قاموا بعبادة الله؟ لا، إذن خسروها أو لا؟ خسروا المعنى الذي من أجله خُلِقُوا؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين﴾ [الزمر ١٥]. قال المفسر: (متصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض) متصل يعني معنى، نعم لقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] هذا ما ذهب إليه رحمه الله، ولكن هذا قد يُنازَع، قد يقال: إن قوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] هو المتصل بما قبله، ارجعوا إلى القرآن الآن ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] الصواب أن ﴿يُنَجِّي﴾ متصل بما قبله، لما ذكر الذين كذبوا على الله أن وجوههم مسودة قال: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٦١] أما هذا فليس له صلة بما ذُكِرَ، بل صلته بما قبله مباشرة أبين وأظهر؛ لأن الله قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٢، ٦٣] يعني؛ فبَعْدَ هذا البيان وبعد الإقرار -إقرار الكفار بأن الله خالق كل شيء- لا يبقى لهم ربح إذا كفروا، بل هم الخاسرون، فيكون هذه الآية متصلة بما قبلها مباشرة، وليست متصلة بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١]؛ لأن هذه الآية ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ﴾ متصلة بما قبلها، وهذا هو مقتضى النَّظْم القرآني، أما أن نشتت الآيات ونقول: كل هذه الجملة ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٢، ٦٣] كل هذا جملة اعتراضية أو كل هذا اعتراض لا محل له هنا، فلا شك أن هذا خلاف ما يقتضيه النَّظْم والسياق القرآني، فالصواب أن هذه الجملة متصلة بما قبلها، ووجه الاتصال؟ ما وجه الاتصال؟ المؤلف قال: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ونحن ذكرنا أن في هذا نظرًا، وأن الصواب أنه متصل بما قبله، وبينَّا وجه الصواب، فما هو؟ * طالب: (...). لا يمكن ينتبه الإنسان وهو ينظر يمين وشمال، القلب يتبع النظر، يأمر النظر فينظر ثم يتبع النظر ولا يهتم بما أمامه، من اللي يعرف؟ * طالب: لأن الله عز وجل قال: بيده مقاليد السماوات والأرض. * الشيخ: وأنه خالق كل شيء وهم يُقِرُّون به. * الطالب: فلم يكن لهم حجة فترتب على (...). * الشيخ: فصار هؤلاء الذين يُقِرُّون بأن الله خالق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وكفروا به يكونون خاسرين لا شك، هم أخسر الناس، كيف يقرون بأن الله خالق كل شيء؟! وأن له مقاليد السماوات والأرض ثم يكفرون بآياته؟! كان مقتضى هذا الإقرار أن يؤمنوا بآيات الله، ولكنهم خَسِروا فكفروا بآيات الله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر ٦٣]. * في هذه الآية ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٣]* فوائد منها: أن المدبر للسماوات والأرض هو الله وحده، ووجه كونه وحده أنه قَدَّم الخبر في قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ﴾ وتقديم الخبر يفيد الحصر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: لفت نظر الإنسان إلى ألَّا يستعين إلا بالله، ولا يسأل إلَّا الله، ولا يتوكل إلا على الله، وجه ذلك؟ أنه هو الذي له مقاليد السماوات والأرض، فإذن لا تلتفتْ إلى غيره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٧٦٣) من حديث ابن عباس.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين هم الخاسرون وإن كانوا في الدنيا قد ربحوا الجولة، فإنهم خاسرون دنيا وأخرى؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الإيمان بآيات الله، ووجه الدلالة أنه إذا كان الوعيد على مَنْ كفر بها دَلَّ ذلك على وجوب الإيمان. * ومنها أيضًا: تحريم الكفر، لكونه سببًا للخسارة. فإذا قال قائل: أين في الآية لفظ (يحرم)؟ قلنا: التحريم يُسْتَفاد بعدة طرق؛ منها النهي مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢]، ومنها التصريح بالتحريم مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة ٣]، ومنها: نفي الحل مثل قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٢٨]، ومنها: الوعيد على الشيء، ومنها: بيان فوات الخير. وطرق إفادة التحريم متعددة، لكن مِنْ جُمْلَتِها ترتيب الخسران على فعل الشيء يدل على أنه حرام. * ومن فوائد الآية الكريمة: رِبْحُ الذين آمنوا وأنهم هم الرابحون، من أين يُؤْخَذ؟ من مفهوم خسارة الكافرين أن يكون الربح للمؤمنين، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب