الباحث القرآني

لما ذَكر الله سبحانه وتعالى عقاب الذين كَذَبوا على الله بَيَّن ثوابَ الذين اتقوا الله عز وجل، وهذا دَأْبُ القرآنِ الكريم؛ أنه إذا ذَكَر الشيءَ ذَكَر مقابلَه، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] قال العلماء: ﴿مَثَانِيَ﴾ أي: تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا جاء وصف المؤمنين جاء وصف الكافرين، إذا جاء ثواب المؤمنين جاء ثواب الكافرين، وكذلك بالعكس، وذلك من أجل ألا يستغرق الإنسان في جانب الرجاء إذا ذُكِرَ وصفُ المؤمنين وثوابهم. وكذلك لا يَيْأَس إذا ذُكِرَ وصفُ الكافرين وعقابهم. هنا يقول الله عز وجل: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] يقول: ﴿يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ من أي شيء؟ من عقاب الكافرين، فلا تكون وجوههم مسودة ولا تكون مثواهم جهنم، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى في آيات أخرى أن يوم القيامة تَبْيَضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوه؛ تسود وجوه الكافرين، وتبيض وجوه المؤمنين، فينجي الله الذين اتقوا من عقاب الكافرين في هذا وفي هذا. وقول المؤلف: (ينجي الله من جهنم) صحيح، لكن لو قال: من عقاب الكافرين كان أعمَّ؛ لتشمل النجاةُ نجاتَهم من جهنم ومن أن تكون وجوههم مسودة ومن غير ذلك. قال: (﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك) والصواب أن يقال في هذا: اتقوا الله؛ لأن التقوى عند الإطلاق إنما يراد بها تقوى الله عز وجل، وقد تُذْكَر في غير الله مثل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١] ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] وأشباه ذلك، لكن عند الإطلاق لا يُرَاد بها إلا تقوى الله عز وجل. (﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر ٦١] أي: بمكان فوزهم من الجنة بأن يُجْعَلوا فيه) قال: بمكان فوزهم من الجنة بأن يُجْعَلوا فيه؛ فأفادنا رحمه الله بهذا التفسير أن الباء بمعنى (في)؛ أي: ينجي الله الذين اتقوا من العذاب في مكان فوزهم وهو الجنة، والباء تأتي بمعنى (في) في اللغة العربية، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] ﴿بِاللَّيْلِ﴾ يعني: في الليل. قال: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١] هذا من نجاتهم؛ أنه لا يمسهم السوء، أي: لا يمسهم شيء يسوؤهم، لا من عقاب ولا من توبيخ ولا غير ذلك؛ ولهذا إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقال: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩ / ٤٠).]]، ويقال: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيُوا» - يعني فلا تموتوا-« وَلَا تَسْقَمُوا وَلَا تَبْأَسُوا»[[أخرجه أحمد (١١٩٠٥) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.]] دائمًا هم في نعيم؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يحزنون على ما سبق؛ لأن الحزن يكون على ما مضى، والغم يكون للمستقبل، أما المستقبل فقال: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾، وأما الماضي فقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم لم يُفَرِّطوا فيه، بل عرفوا قَدْرَ الزمن وعملوا فيه ما نَجَوْا به من عذاب الله عز وجل. * في هذه الآية الكريمة فوائد: * منها: فضل الله سبحانه وتعالى على المتقين؛ حيث ينجيهم إلى مكان الفوز. * ومنها: فضيلة التقوى وآثارها وثمراتها، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم من ثمراتها شيئًا كثيرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الناجين لا يمسهم سوءٌ في المستقبل ولا يحزنون على شيء مضى، وبذلك يتم نعيمهم؛ لأن النعيم ينقُص إذا أصاب الإنسان هَمُّ أو غَمٌّ للمستقبل، وينقص أيضًا إذا أصابه حزن على الماضي، أما إذا عرف أنه كسب الماضي وأنه لن يناله سوء في المستقبل فسوف يتم له النعيم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب