الباحث القرآني

وأما قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فإن هذا من باب تعميم العقوبة التي لا يخلو أهل الإحسان من التقصير، أما لو قاموا بما يجب عليهم فإن العقوبة لا تعمهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]، ولأن الواقع شاهد بذلك، فنوح وهود وغيرهما من الرسل أنجاهم الله مع أنه أخذ أقوامهم بالعقوبة. يقول عز وجل: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ (أي: وبال كفره) ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر ٣٩]، نعم، كفر الكافرين عند الله لا يزيدهم إلا مقتًا، لا يزيدهم عند الله محاباة لهم أو رحمة بهم؛ لأن الحجة قامت عليهم، فكلما ازدادوا كفرًا ازدادوا بغضًا. قال المؤلف في ﴿مَقْتًا﴾: (غضبًا) والمعروف أن المقت أشد البغض، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢، ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر ١٠] وهذا يدل على أن المقت هو البغض، لكنهم قالوا: إنه أشد البغض، فتفسير المؤلف له بالغضب فيه نظر، قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر ٣٩]، فبين هنا أن الكفر سبب لشيئين: الشيء الأول: نزول مرتبة الكافر؛ فإن كفره لا يزيده عند الله إلا بغضًا، والثاني: العقوبة التي تحصل له، وذلك بالخسارة، فماذا يخسر؟ يخسر نفسه وأهله ودنياه وآخرته ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، فهو خسر نفسه لأنه لو آمن لربح ونال ثواب الآخرة بالجنة، وهذا ربح، أما الآن فقد أهلك نفسه ففاتت عليه، خسر أهله لأنه لو آمن واتبعه أهله بالإيمان صاروا في الجنة في منزلة واحدة، خسر دنياه لأنه لم يستفد من وجوده في الدنيا شيئًا، بل استفاد الخسارة والعمل السيئ، خسر الآخرة أيضًا لأنه فاته النعيم المقيم في الآخرة وصار من أصحاب الجحيم، فلا أحد أعظم خسارة من الكافر والعياذ بالله، حتى وإن كان في الدنيا منعَّمًا نعمة جسد فهو في الحقيقة معذب عذاب قلب؛ لأنه ليس عند الكافر انشراح صدر كما عند المسلم، يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢] يعني كمن لم يكن كذلك فهو على ظلمة. نأخذ الفوائد: يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٣٩] إلى آخره. * يُستفاد منها: تمام قدرة الله عز وجل وسلطانه، حيث إنه هو الذي يدبر خلقه بجعلهم خلائف. * ومنها: بشارة المؤمنين وإنذار الكافرين؛ لأن من جملة الخلافة أن يخلف المؤمنون الكافرين في أرضهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٦، ٢٧]، وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨]، وقال لهم: إن الله استخلفكم الأرض، ففي هذا بشارة للمؤمن، فلا ييئس من أن الله سبحانه وتعالى يجعل له الخلافة في الأرض، وإنذار لمن؟ للكافر، بأن تجتاح أرضه على أيدي المؤمنين. * ومن فوائدها: أيضًا حكمة الله عز وجل في توارث الأمم بعضها بعضًا، فإنه لولا ذلك لضاقت الأرض بأهلها، لو كان كل من أوجده الله بقي نعم كم يكون عدد العالم؟ ما يُحصَون، وحينئذ تضيق بهم الأرض ويشق عليهم تحصيل الأرزاق، وإن كان الله عز وجل قد يجعل لهم من الرزق ما لا يخطر بالبال، لكن لا شك أن كون الناس يخلف بعضهم بعضًا هذا يموت وهذا يحيا هو الحكمة والرحمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شؤم الكفر وعاقبته؛ لقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾. * ومن فوائدها: أن كفر الكافر على نفسه لا على غيره، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤] وأوردنا على هذه الجملة إشكالًا وأجبنا عنه. * ومن فوائدها: إثبات صفة البغض لله عز وجل، بل إثبات صفة المقت الذي هو أشد البغض؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَقْتًا﴾، والمقت من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة تقرن بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها حينئذ تتعلق بمشيئة الله؛ إذ إن السبب واقع بمشيئته، والسبب هو الذي علقت به الصفة، فتكون الصفة إذن واقعة بمشيئته، والقاعدة عند أهل السنة أن الصفات التي تكون بمشيئة الله تسمى صفة فعلية، وذكرنا أن الصفات ذاتية وفعلية وخبرية، فالذاتية هي الصفات التي لا ينفك الله عنها، لم يزل ولا يزال متصفًا بها، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة وغير ذلك كثير، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته؛ إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، سواء كانت صفة ظاهرة أم غير ظاهرة، مثل المحبة والكراهة والرضا والبغض والضحك والاستواء والنزول وغير ذلك، والصفات الخبرية هي التي نظير مسماها أبعاض لنا، مثل الوجه واليدين والعين والساق والإصبع وما أشبهها، وهنا لا نقول: إنها أجزاء بالنسبة لله، هي لنا أجزاء ولكن نتحاشى أن نقول: إنها أجزاء، بل نقول: نظير مسماها أجزاء لنا، ولا يمكن أن نجعل هذه صفات معنوية؛ إذ لو قلنا بأنها صفات معنوية لساوينا أهل التعطيل؛ لأنهم يجعلون هذه الصفات صفات معنوية. طيب اللي معنا الآن ﴿إِلَّا مَقْتًا﴾ من الصفات الفعلية. * ومِن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد الإنسان كفرًا ازداد عند الله مقتًا، وجه ذلك القاعدة التي ذكرناها ونكررها دائمًا، وهي أن الحكم المعلق على وصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، وهنا الحكم معلق على الكفر، فإذن يزداد مقت الله عز وجل على الكافر بزيادة كفره وينقص بنقصان كفره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر أيضًا خاسر في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر ٣٩]، ولم يقيد، لم يقل: في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الله، بل أطلق، فأخسر الناس هم الكفار، خسروا-كما قلنا في التفسير- أنفسهم وأهليهم ودنياهم وآخرتهم، وشخص خسر كل هذه الجهات ليس له ربح، فأعظم الناس خسرانًا هم الكافرون. إذا قال قائل: هل نستعمل هنا قياس العكس؟ فنقول: إذا كان الكافر أخسر الناس فأربح الناس المؤمن؟ الجواب: نعم، نستعمل هنا قياس العكس؛ لأن قياس العكس جاءت به السنة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قالوا: نعم، قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]، فكل عمل حلال تستغني به عن حرام يكون لك فيه أجر. إذن المؤمن رابح في مقابل أن الكافر خاسر، وإن شئت تلونا آية صريحة في هذا، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: فليسوا في خسر، بل في ربح ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وتجارة المؤمنين تجارة رابحة ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] لن تهلك ولن تخسر شيئًا. وقال النبي ﷺ لأبي طلحة لما قال: يا رسول الله، إن الله أنزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أضعها -يعني عند الرسول عليه الصلاة والسلام- صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨ / ٤٢) من حديث أنس بن مالك.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب