الباحث القرآني

ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٠] قال: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، والضمير ضمير الفاعل يعود على الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ اللام هذه للعاقبة. وقيل: للتعليل، فعلى القول بأنها للعاقبة تكون متعلقة بـ﴿يَرْجُونَ﴾. ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ عاقبتهم أن يُوفيهم الله أجورهم، وعلى أنها للتعليل متعلقة بـ﴿يَتْلُونَ﴾، ﴿وَأَقَامُوا﴾، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ يعني يتلون ليوفيهم أجورهم، أقاموا الصلاة ليوفيهم أجورهم، أنفقوا مما رزقناهم ليوفيهم أجورهم؛ يعني قصدوا ما رَتَّب الله على هذه الأعمال من الأجور، وهذا الفعل ينصب مفعولين أحدهما هنا: (الهاء)، والثاني: (أجور) وهو من أخوات؟ * طالب: من أخوات كسا. * الشيخ: نعم، من أخوات كسا وأعطى؛ لأنه نصب ما لا يصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، وكل فعل ينصب مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما خبرًا عن الآخر فهو من باب (كسا). (﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: ثواب أعمالهم المذكورة) والتوفية هذه معروفة لنا جميعًا وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فمثلًا الصلاة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومع الجماعة تكون كم حسنة؟ سبعًا وعشرين حسنة، كل حسنة بعشر أمثالها. قال: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ معطوفة على (يوفيهم) ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ يعني يزيدهم عطاءً وأجرًا من فضله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١]. وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يشمل الفضل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الإنسان إذا عمل العمل الصالح مخلصًا لله به حَبَّب الله إليه العمل حتى يزيد في العمل، وهذا شيء مُشاهَد، كذلك إذا أعطى وأنفق زاده الله من فضله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يأتي بخلفه؛ فالزيادة إذن تشمل زيادة الأجور، وزيادة الأعمال، وزيادة المال الْمُنفَق منه؛ زيادة الأعمال؛ لأني قلت: كلما عمل الإنسان عملًا صالحًا حَبَّب الله إليه العمل، وزاده فيه؛ زيادة المال ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ ٣٩]، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩]، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي عطائه الذي يتفضل به عليهم. (﴿إنَّهُ غَفُور﴾ لذنوبهم ﴿شَكُور﴾ لطاعتهم)، هذا تعليل لما سبق من توفية الأجور والزيادة من الفضل؛ يعني أن الله عز وجل لكونه غفورًا رحيمًا صار يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وفي هذا إشارة إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى للعامل وإلى شكره إياه. (الغَفُور) صيغة مبالغة، أو صفة مُشبَّهة مأخوذة من (الغَفْر)، وهو الستر مع الوقاية؛ لأن أصل هذه المادة الْمِغْفَر والْمِغفر يحصل به الستر والوقاية، إذن ما معنى أن الله غفور؟ معناه أن الله يستر الذنوب، ويتجاوز عن العقوبة، وما أدري ما أكثر ما نذنب فيما بيننا وبين ربنا ومع ذلك يسترها الله عز وجل، وإذا كان يوم القيامة عفا عن عقوبتها؛ وبذلك تتحقق المغفرة. أما الشكور فنقول في تصريفه كما قلنا في (غفور): إنه إما صيغة مبالغة، وإما صفة مشبهة، فهو سبحانه وتعالى شكور أي: يشكر مَنْ عمل العمل الصالح، ومن شكره إياه أنه يُضاعف له الأجر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وانظر إلى كمال الله عز وجل في صفته أنه هو الذي يمن عليك بالعمل، ثم يشكرك عليه ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله العظيم! ربنا يحسن إلينا ثم يقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن نحسن إليكم، وهو الذي تفضل به أولًا ثم ثانيًا، وهذا يدلك على سعة كرم الله، والحمد لله، وأنه عز وجل واسع الكرم. * في هذه الآية عدة فوائد، أولًا: أن طلب الإنسان للثواب غاية عظيمة؛ لأن اللام كما أشرنا إليه آنفًا لغير العاقبة، اللام للتعليل، هذا إذا قلنا: إنها للتعليل وهي صالحة للتعليل، فكون الإنسان يعمل من أجل الأجر، هذا لا يُعدُّ نقصًا خلافًا للصوفية الذين يقولون: لا تعبد الله لثواب الله، ولكن اعبد الله لله، فنقول لهم: هذا خطأ، فالله تعالى وَصَفَ أشرف هذه الأمة وخير هذه الأمة بأنهم يريدون فضلًا من الله ورضوانًا، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩]. ومع ذلك لا نقول: إنك لا تعبد الله لله، اعبد الله لله ولثواب الله، فإنك لن تصل إلى الله إلا بعد وصولك إلى ثواب الله؛ فإن لقاء الله، اللقاء الذي هو الرضا التام إنما يحصل متى؟ في الجنة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] هذا الفوز الكامل. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد ٢٢] متى يرون وجه الله؟ إذا دخلوا الجنة، رؤية وجه الله، الرؤية التامة بعد دخول الجنة، الحاصل أن في هذه الآية وأمثالها ما يدل على ضعف ذلك المسلك الذي سلكه أولئك الصوفية بألا تعبد الله لثواب الله ولكن اعبد الله لله، فنقول: ما أكثر الآيات الدالة على أن العبادة تكون لفضل الله وثوابه. * ومن فوائد الآية الكريمة: ضمان الثواب؛ يعني أن الثواب مضمون للعامل الذي يتعامل مع الله عز وجل بناءً على أن اللام للعاقبة؛ أي أن هذا العمل سوف يُوفَّى ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾. وفيه أيضًا وجه آخر لضمان الثواب؛ أن الله سماه أجرًا، والأجر لا بد أن يُدفَع لمن قام بالعمل، بل جاء في الحديث الصحيح القدسي قال الله تعالى: «ثَلَاثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.]]. فإذا كان الله خصم هؤلاء؛ لأنهم لم يعطوا الأجر فإنه يدل على أن الأجر الذي ضمنه الله لعباده سوف يحصل قطعًا، ولكن لا بد أن يكون العمل صحيحًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء الحسنات أكثر مما يجب؛ لقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وزيادة الفضل شرحناها في التفسير. * ومِن فوائدها: إثبات الاسمين الكريمين (الغفور) و(الشكور)، وما تضمناه من صفة؛ وهي المغفرة والشكر، وما تضمناه أيضًا من أثر وهو الْحُكْم فإن (غفور) يُؤخَذ منها أنه يغفر، وشكور يُؤخَذ منها أنه يشكر من يستحق الشكر. * وفيه أيضًا في الآية الكريمة: دليل على ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾، ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى الأفعال الاختيارية؛ أي التي تقع بمشيئته، فإنه تعالى فعَّال لما يريد خِلافًا لمن زعم أن الله تعالى لا يُوصف بشيء حادث أبدًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب