الباحث القرآني

وفي هذا يقول: (﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ قرآنٍ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ صفة كاشفة ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ). (ما) نافية بدليل قوله ﴿إِلَّا كَانُوا﴾، وهذا الاستثناء مُفرَّغ من عموم الأحوال؛ يعني: ما يكون لهم من أيِّ حالة من الأحوال سوى الإعراب. وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ (من) زائدة إعرابًا للتوكيد، والتقدير: ذكرٌ. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾ المؤلف قال: (قرآنٍ)، وسُمِّيَ القرآنُ ذكرًا؛ لأن به التَّذَكُّر والتذكيرُ أيضًا، فهو تذكير من الله، وتَذَكُّرٌ من سامعه، ولهذا سمي ذكرًا، ووُصِف القرآن مرة ثانية بأنه ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١]، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١]، فمرة جعله ذكرًا، ومرة جعله ذا ذكرٍ، ولا فرق بينهما في الواقع؛ لأنه ذكرٌ بنفسه وتذكير، ولأنه ذو ذِكْرٍ، أي: ذو تذكُّرٍ، فمنْ قرَأَه وحفظه وتدبره تذكَّرَ به ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧]. * طالب: ما يكون مشتمل للذكر. * الشيخ: كيف مشتمل للذكر؟! مشتمل على الذكر يعني؟ ويش معنى مشتمل عليه؟ * الطالب: فيه آيات فيها تذكرة. * الشيخ: لا، حتى ولو كان فالمقصود به التذكرة نفسها، المقصود أنه ذِكْرٌ مُذَكِّر، ويتذكَّر به من تلاه. وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الشعراء ٥]، والآية الأخرى ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء ٢]، فَذِكْرُ الرحمن هنا إشارة إلى أن نزول هذا القرآن وإتيانه من مقتضى رحمة الله، وأن الله سبحانه وتعالى رَحِمَ العبادَ بهذا القرآن، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧] إلا رحمةً منا للعالمين، وليس المعنى كما يفهم كثيرٌ من العوام إلا رحمة؛ يعني: أنك أنت الرحمة، لا، يعني: وما أرسلناك إلا لنرحم العباد، هذا المعنى، وليس هو نفسه رحمة، كما يقول أهل الغلو بالنبي ﷺ والجاهلون أيضًا. ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء ٥] يقول: (صفة كاشفة)، والصفة الكاشفة هي التي تبيِّنُ الواقع، ولا تُقيِّد الموصوف؛ لأن الصفات -كما تعرفون- منها صفة مقيِّدة تخرج ما سواه، ومنها صفة كاشفة تبين حقيقة أمره، فهنا يقول المؤلف: إن كلمة ﴿مُحْدَثٍ﴾ صفة كاشفة؛ لأن القرآن ما يأتيهم من ذكر محدث، كلمة ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾ تدل على محدث فلا مفهوم لها؛ لأنه إذا كان يأتيهم، وجب أن يكون مُحْدَثًا؛ لأن بإتيانه إياهم صار محدثًا؛ ووجه ذلك ظاهر أنها صفة كاشفة؛ لأنه لو كان غيرَ مُحْدَثٍ ما صحَّ أن يقول: وما يأتيهم إذ هو آت من الأصل. وقوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾ هل ظاهر الآية الكريمة أنَّ المحدثَ هو الذكر نفسه، فيكون في الآية دلالة على أن الله تعالى يتكلم بالقرآن حين إنزاله. وأنه ليس كما رُوِيَ عن ابنِ عباس: أنه نزل إلى بيت العزة من اللوح المحفوظ، وإنما يتكلم الله تبارك وتعالى به حين إنزاله. وقيل: مُحْدَثٍ إنزاله، فـ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه، فلا تكون الصفة هنا حقيقية، وإنما هي صفة سببية؛ لأن الموصوف بها حقيقة ليس الذكر، بل هو الإنزال، إذا قلنا: محدث إنزاله. مثلما إذا قلت: مررت برجل قائمٍ أبوه، فقائم هذه صفة من حيث الإعراب لرجل، لكن من حيث المعنى صفة لأبيه، وهذا الوصف على هذا الوجهِ يُسَمَّى بالنعتِ السببيِّ، فعلى القول بأن المراد محدث إنزاله يكون النعت هنا سببيًّا، لا حقيقيًّا. ولكن إذا دارَ الأمرُ بين أن يكونَ النعتُ صفةً حقيقية، أو صفة سببية فالواجب أن يكون صفة حقيقة؛ لأنَّ الصفة السببية تحتاج إلى تقييد، وكل ما يحتاج إلى تقييد يحتاج إلى دليل، فهنا نقول: إذا قلنا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ إنزاله، خرجت عن ظاهر اللفظ؛ لأنَّ ظاهرَه مُحدَث هو، أي: القرآن نفسه، ثم إنَّ (محدَثٍ إنزاله) لا معنى لها في الواقع بعد قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾؛ لأنه ما يمكن يأتيهم إلَّا وإنزاله مُحدَث؛ لأن (أتى) معناه حدث. فعلى هذا نقولُ: الصوابُ أنَّ المراد بالمُحدَث نفس الذكر، وليس إنزالَه. قال: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿عَنْهُ﴾ جار ومجرور متعلَّق بمعرضين، ومعرضين خبر كان، وفائدة تقديمه عليه هنا لفظية ومعنوية؛ أما اللفظية: فمراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات. وأما المعنوية: فلإفادة الحصر، كأنه يقولُ: ما تكون حالهم إلا الإعراض عنه دون غيره، يعنى: عنه فقط وحده معرضين، وهذا أبلغ في الذم مما لو قال: إلَّا كانوا معرضين عنه؛ لأنه يحتمل أن يعرضوا عنه وغيره، ولكنه لما قال: ﴿عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ كأنهم لا يتَّصفون بالإعراض إلا عن هذا الذكر. ففائدة تقديمها إذن.. * طالب: مراعاة (...) معنوية ولفظية. * الشيخ: طيب. * الطالب: (...) الفواصل (...) المعنوية. * الشيخ: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ هذا الإعراض معنويٌّ أو حسي؟ الجواب: يشمل الأمرين؛ فهم معرضون وإن حضروا بأبدانهم، ومعرضون أيضًا بأبدانهم يقومون عنه؛ ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت ٢٦] فهم معرضون -والعياذ بالله- بقلوبِهم وأبدانهم. قال الله تبارك وتعالى: (﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ به). * طالب: (...). * الشيخ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، لكن المؤلف يقول: (به)، أي: بهذا الذكر، والجملة محققة بـ(قد)، والمعنى أنه مع وضوح كون هذا الذكر من الرحمن ما انتفعوا به، بل كذَّبوا به، والتكذيبُ به يَعُمُّ التكذيبَ به رأسًا؛ بأن يقولوا: إن هذا ليس القرآنَ مِن الله كما قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣]، أو التكذيب ببعضِ الآيات منه، كما لو كذَّبوا بقصة أحد الرسل، أو بقصة قصها الله تعالى على أحد؛ كالذي مر على قرية، وما أشبه ذلك. فهو إما أن يكون التكذيبُ به رأسًا، فيقال: أنت لا يوحى إليك، وهذا القرآن ليس بوحي، أو التكذيب ببعض الآيات التي جاءت في هذا، فكلُّه تكذيب. والتكذيب أبلغ من الإعراض؛ لأن الإنسان قد يُعرِضُ تهاونًا، وتكاسلًا، ولسبب من الأسباب ولا يكذِّب، لكن المكذِّب أشدُّ؛ لأنَّ المُكذِّب لا يمكن أن يُقبِل، وكيف يُقبِل على أمر يعتقده كذبًا؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ [الشعراء ٥، ٦] ما قال: فقد أعرضوا قال: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، وهذا شاملٌ للإعراضِ ولا عكس.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب