الباحث القرآني

قال الله تعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ يجازيهم جزاء الواجب عليهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] حيث حقق لهم جزاءهم الذي كانوا يشكون فيه، ومنهم عبد الله بن أُبَيٍّ، والمحصنات هنا أزواج النبي ﷺ، لم يذكر في قذفهن توبة، ومن ذُكر في قذفهن أول السورة التوبة غيرهن). يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾، ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ بمعنى يعطيهم وافيًا، تقول: وفيته حقه؛ أي أعطيته إياه وافيًا. وقوله: ﴿دِينَهُمُ﴾ أي جزاءهم، والدين -كما أسلفنا كثيرًا- يُطلَق على العمل وعلى جزاء العمل، فمن إطلاق الدين على العمل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] المراد: جزاءكم ولَّا لا؟ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يعني جزاءكم؟ لا، وإن المراد العمل الذي تدينون الله به. ومثل قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] أيش المراد؟ الجزاء، فالدين إذن يطلق ويراد به العمل، والجزاء على العمل، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني كما تعمل تجازى. فإذن ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ ﴿دِينَهُمُ﴾ أي: جزاء عملهم. وقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى العدل؛ وذلك لأن الحق إن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، وإن قيل في مقابلة الحكم -سواء كان حكم تفسيريًّا أم جزائيًّا- فمعناه العدل، هنا قيل في مقابلة حكم جزائي، وعليه فيكون المراد بالحق يعني العدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور، وهكذا جزاء الله سبحانه وتعالى يكون دائمًا حقًّا، يعني عدلًا ليس فيه جور. أليس جزاء الله تعالى للحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هل ينافي الآية هذه ولَّا لا؟ الجواب: لا ينافيها؛ لأن هذا عدل وزيادة، كون الله يجازي العامل أكثر من عمله هذا عدل وزيادة، لكن كون الإنسان الذي يجازي غيره على عمل خير فيعاقبه بأكثر مما يستحق، هذا جور ولَّا لا؟ جور، فالله تعالى منزَّه عن هذا، عن الأخير؛ لأنه جور، لكن الأول فضل من الله، فالله سبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم. ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ في هذه الجملة مؤكدان، وإن شئنا قلنا: ثلاثة مؤكدات؟ * طالب: (...). * الشيخ: (أن) وضمير الفصل، هذه اثنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، الجملة هذه، من يعرف؟ المؤكد الثالث؟ * طالب: اللام. * الشيخ: وينها اللام؟ فيها لام؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذه (أل) للتعريف. * طالب: (...) يعلمون. * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لا ما هي اسمية، (...) الجملة مكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة، وكون المبتدأ والخبر معرفة هذا يفيد التوكيد والحصر أيضًا، يفيد التوكيد والحصر، إذن فالله تعالى هو الحق، مؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة، ويش معنى كون الله حقًّا؟ أولًا: وجوده حق، ما يستحقه من الحقوق حق، كالعبادة مثلًا، فهو الإله الحق، ما صدر عنه من خبر أو حكم فهو حق، إذن فهو الحق في ذاته وجودًا واستحقاقًا، وكذلك أحكامًا، فهو سبحانه وتعالى موجود حقًّا، وهو المستحق لما يختص به حقًّا، ما يشاركه أحد فيه، وهو سبحانه وتعالى الذي لا يصدر عنه إلا حق، يعني أحكامه وأفعاله كلها حق. إذن وجه الأحقية لله عز وجل من وجوه ثلاثة: أولًا: في وجوده؛ فإن وجوده حق، وهو أحق الأشياء وجودًا، ولهذا جميع الفطر السليمة تشهد به، وكذلك العقول الصريحة، يعني الخالصة عن الشبهات والشهوات تشهد به، وكذلك أيضًا ما يصدر عنه فهو حق، ما يصدر عنه من خبر أو حكم، فما أخبر به فهو حق، وما حكم به فهو حق، سواء كان الأحكام هذه تشريعية وهو ما يشرعه للعباد، أو جزائية وهو ما يجازي به العباد، وأيش المعنى الثالث؟ * طالب: ما يستحقه من العبادة. * الشيخ: ما يستحقه أيضًا، ما يستحقه فهو حق، يعني كون الله يختص بأشياء لا يشاركه فيها غيره هذا أيضًا حق، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان ٣٠]. إذن فالحق في جانب الله سبحانه وتعالى يكون على الوجوه التالية: الوجود، والاستحقاق، وما يصدر عنه، الوجود والاستحقاق والصادر عنه، مفهوم؟ فوجوده حق، وما يستحقه من الأمور حق، يعني من كمال الصفات والعبادة وغير ذلك، والثالث: ما صدر عنه تبارك وتعالى فهو الحق، من خبر أو حكم، والحكم سواء كان جزائيًّا أو تشريعيًّا. طيب ما نقول: أو قدريًّا؟ لأن الأحكام القدرية أيضا تعتبر حكمًا، مثلما قلنا: إن الحكم قسمان: كوني وقدري، وفي الحقيقة أنه نعم لا بد أن يضاف؛ لأن ما يصدر عنه من أحكام جزائية أو كونية أو تشريعية فهي حق. * طالب: القدرية هي الكونية؟ * الشيخ: القدرية هي الكونية، نعم. ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، وقوله: ﴿الْمُبِينُ﴾ من (أبان)، يعني من الفعل الرباعي، وأبان بمعنى أظهر ولَّا بمعنى ظهر؟ * طالب: (...). * الشيخ: تصلح، أبان الفعل الرباعي هذا قالوا: إنه يستعمل متعديًا ولازمًا، يستعمل لازمًا بمعنى (بان)، ومتعديًا بمعنى (بان) أي ظهر. طيب هنا ﴿الْمُبِينُ﴾ هل المعنى البَيِّن الأحقية أو المعنى الذي أبان لخلقه أنه حق؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: أو كلاهما، أم كلاهما، الواقع أن الله تعالى بين الأحقية وقد أبان لعباده كونه حقًّا. قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] أيش معنى ﴿مُبِينٌ﴾؟ بَيِّن ولَّا مبين بمعنى مُظْهِر؟ * طالب: بيِّن. * طالب آخر: بمعنى بين. * الشيخ: القرآن بَيِّن ولَّا مُبِين؟ * طلبة: بَيِّن. * طلبة: كلاهما. * الشيخ: أو بَيِّنٌ ومُبِين في الحقيقة، لكن المبين هنا أظهر؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠]. في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى (مبين)؟ بَيِّنٌ، هذه بمعنى بَيّن، والحاصل أن كلمة (مُبِين) تستعمل من المتعدي واللازم، لأن هي أصلها فعل رباعي، (أبان) تستعمل لازمًا ومتعديًا، فإن كان لازمًا فهي بمعنى بَيِّن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وإن كانت من المتعدي فهي بمعنى مظهر للشيء مبينه، أبنته بمعنى أظهرته حتى بان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، أي: مظهر؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس ٧٠]، وكذلك أيضًا ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، بمعنى مظهر، وإن كان من لازم أنه إذا كان مظهرًا فهو ظاهر في نفسه، فالمُبِين بمعنى المظهر، لا بد أن يكون بينًا بنفسه وإلا لما أظهر. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ هذه الآية هل تنزلها على المبين اللازم ولَّا المبين المتعدي؟ * طلبة: كلاهما. * الشيخ: على كليهما في الحقيقة؛ لأن الله تعالى بيّن الحق، بيّن الأحقية، ومُبِين ذلك لعباده، كيف أبان لعباده أنه الحق؟ أولًا: بما ركب فيهم من الفِطَر والعقول، الفطر السليمة والعقول، ولهذا دائمًا يحيل الله سبحانه وتعالى هذه الأمور إلى العقل، فيقول: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]، دليل على أن العقل مرجع، لكن المراد بالعقل العقل السليم الذي ليس فيه شبهات وليس فيه شهوات، وأما العقل الذي استولت عليه الشبهات أو الشهوات فهذا عقل فاسد، لا يحكم بشيء. أيضًا أبان الحق تبارك وتعالى بغير العقل، بالفطرة، فإن الفطرة السليمة تشهد بالحق، وأبان العقل بالوحي الذي أرسل به الرسل، فتكون إبانة الله تعالى للحق بهذه الطرق الثلاثة: أيش هي؟ العقل والفطرة والوحي، كل هذه الطرق الثلاث يتبين بها الحق، ولذلك يضرب الله الأمثال للناس، لماذا؟ لأجل أنهم يعتذرون، المورد والمضرب، مورد المثل ومضربه، فيعتذرون بهذا على هذا، والله أعلم. * طالب: (...) يقول الله تعالى: (...). * الشيخ: اقرأ اللي بعدها، اقرأ الآية اللي نسيتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم (...)، المراد بالختم على الأفواه بحيث لا ينكرون، ولا ينافي أن تشهد الألسن بما يرى في مرادها، مفهوم؟ أو يقال: إن القيامة مواقف؛ لأن القيامة خمسون ألف سنة، فتارة كذا، وتارة كذا، مثلما جمع ابن عباس[[أخرجه مجاهد في التفسير (١ / ٦٩٢).]] رضي الله عنه بهذا بين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، كذا ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ يعني كل شيء (...)، وقال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] وهذا جحود ولَّا لا؟ هذا جحود، فكيف نجمع بين الآيتين؟ أن نقول: إن القيامة مواقف، وهكذا أيضًا جمع بعض العلماء بين قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه ١٠٢]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]، هاهنا سواد وهناك زرقة، منهم من قال: إن هذا باعتبار مواقف القيامة، ومنهم من قال: إن الزرقة في العيون والسواد في الوجوه، ومنهم من قال: إن الناس يختلفون، الكفار منهم أزرق ومنهم أسود. على كل حال إنما قصدي أن أهل العلم رحمهم الله لجؤوا إلى الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض يوم القيامة؛ لأن يوم القيامة ليس ساعة واحدة حتى تتعارض فيه الآيات، يوم القيامة خمسون ألف سنة تختلف الأحوال فيه. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا المراد، يعني يدافع عنهم، ولكن (...)، يصير اللسان لسانين: لسان شاهد موافق للجوارح، وهو المقصود بهذه الآية، ولسان آخر منكر، وهو الموافق لمراد صاحبه، التفسير: كأنه لو أنكر الإنسان باللسان الذي يتابعه بإرادته نفس اللسان يشهد عليه، والحكمة هنا والله أعلم من ذكر اللسان لأن القذف إنما حصل به، ولهذا قدمه على الأيدي والأرجل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب