الباحث القرآني

ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة ٢٤٨]. (آية) بمعنى علامة، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧] يعني علامة تدل على أنه حق، أن بني إسرائيل يعلمون هذا القرآن وأنه سينزل. وقال: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ (أنْ) وما دخلت عليه في محل رفع مرفوعة على أنها خبر (إنَّ). ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ و﴿التَّابُوتُ﴾ شيء من الخشب أو من العاج يُشبه الصندوق ينزل ويصطحبونه معهم وفيه السكينة؛ يعني أنه كالشيء الذي يُسكِّنهم ويطمئنون إليه، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ ﴿بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ﴾، ما الذي ترك آل موسى وآل هارون؟ هم أنبياء تركوا العلم والحكمة؛ لأن «الْأَنْبِيَاء لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِيَنارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، من حديث أبي الدرداء.]] فهذا التابوت -بإذن الله- كان مفقودًا وجاء هذا الملك الذي بعثه الله لهم فجاء به، وصار معهم يصطحبونه في غزواتهم فيه السكينة من الله سبحانه وتعالى؛ وهي أنهم إذا رأوا هذا التابوت سكنت قلوبهم، وانشرحت صدورهم. وفيه أيضًا.. وفيه أيضًا: بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من العلم والحكمة، آل موسى وآل هارون؛ لأن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام كانا أخوين، من الأب ولا من الأم؟ * طالب: من كليهما. * الشيخ: من الأب والأم، لماذا قال هارون لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤]؟ * طالب: ليرقّ. * الشيخ: نعم، هذا للاستعطاف والاسترقاق، يعني معناها يسترق لعله يلين معه. ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني هذا التابوت مع هذا الملَك تحمله الملائكة، والملائكة كما قدمنا كثيرًا هم عالم غيبي مخلوقون من نور، وأصل الملائكة (مآلِكَة)؛ لأنها مأخوذة من (الألوكة) وهي في اللغة الرسالة، وقد قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]، لكن فيها إعلال بالتقديم والتأخير في الحروف، الملائكة عالم غيبي خلقوا من نور لا يأكلون ولا يشربون، لكنهم يلهمون التسبيح، فهم يُسبحون الليل والنهار لا يفترون، والملائكة- كما مر علينا كثيرًا- لهم وظائف وأعمال متعدية وخاصة، فجبرائيل مثلًا له عمل متعدٍّ وخاص، العمل الخاص هو الذي يتعبد لله به، والمتعدي أنه مُوكَّل بالوحي، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وهو أيضًا أحد حملة العرش، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وهؤلاء الثلاثة كان النبي ﷺ إذا استفتح صلاة الليل يذكرهم فيقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» ؛ لأن كل واحد منهم موكل بما فيه الحياة، فجبرائيل موكل بما فيه حياة القلوب، وإسرافيل لما فيه حياة الأرض، صح؟ * الطلبة: لا. * الشيخ: ميكائيل بما فيه حياة الأرض القطر والنبات، وإسرافيل بما فيه حياة الأجسام، فإنه إذا نفخ في الصور خرجت الأرواح وحلت في أجسادها، وهناك ملائكة آخرون موكلون بأشياء مثل مالِك موكل في النار، كما يقول أهل النار: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]، ومنهم خازن الجنة، ومنهم ملك الموت الذي يسميه العامة (عزرائيل) وليس كذلك، فإن هذا الاسم ليس له أصل في السنة الصحيحة، وإنما هو مذكور عن الإسرائيليات، ولم يأتِ ذكره في القرآن إلا باسم ملك الموت، ولو كان هذا اسمًا له لذكر باسمه، إما في الكتاب أو السنة. ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ لماذا نصبناها؟ أو لماذا جاءت منصوبة؟ * طالب: اسم إن مؤخر. * الشيخ: لأنها اسم إن مؤخر، واللام لام التوكيد تدخل على المتأخر من اسم إن أو خبرها، فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: إن في إتيان التابوت تحمل الملائكة لآية لكم، تدل على أن هذا الرجل الذي بعث فيهم وهو طالوت أحق منهم بالملكية، لكن قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإن لم تكونوا مؤمنين فإن الله يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١] فالذي تنفعه الآيات ويتعظ بها ويبني عليها عقيدته وعمله إنما هو المؤمن، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع أبدًا بالآيات، بل إن غير المؤمن لا تزيده الآيات إلا طغيانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] المهم أن المؤمن هو الذي ينتفع بالآيات؛ الآيات الكونية والآيات الشرعية، أما الآيات الشرعية فإنه يزداد بها إيمانًا؛ لأنها عمل صالح، والإيمان يزيد بالعمل الصالح؛ ولأنه إذا تدبرها عرف ما تشتمل عليه من الحكمة والصلاح والإصلاح فازداد بذلك إيمانًا، وأما الآيات الكونية فزيادة الإيمان بها ظاهر؛ لأنه إذا رأى هذا الكون وما فيه من النظام البديع، وما فيه من الحكمة وما فيه من الالتئام وعدم التناقض وعدم التنافر فلا شك أنه يزداد إيمانًا. من فوائد الآية الكريمة: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ إلى آخره. من فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث يدعم الأشياء بالآيات لتقوم الحجة لقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ ولو شاء الله عز وجل لفعل ما يفعل بدون آية وانتقم من المكذبين والمستكبرين، ولكن من رحمته عز وجل أنه يبعث الآيات حتى تطمئن القلوب وحتى تقوم الحجة، ولهذا ما من رسول أرسل إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر، وموافقة الآيات للحكمة ظاهرة؛ لأنه لو جاءنا رجل خرج من بيننا وقال: أنا رسول الله إليكم، افعلوا ما آمركم به واتركوا ما أنهاكم عنه وإلا فإن دماءكم وأموالكم حلال لي، نطيع ولّا ما نطيع؟ * الطلبة: ما نطيع. * الشيخ: طبعًا ما نطيع، لكن من رحمة الله عز وجل وحكمته أن جعل لهم آية، للرسل حتى تقوم الحجة ويستجيب الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: ما في التابوت من الآيات العظيمة، حيث كان هذا التابوت مشتملًا على ما تركه آل موسى وآل هارون من العلم والحكمة من وجه، وكان أيضًا سكينة للقوم تسكن إليه نفوسهم وقلوبهم ويزدادون قوة في مطالبهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن للسكينة تأثيرًا على القلوب لقوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وتأمل كيف أضافه إلى ربوبيته إشارة إلى أن في ذلك عناية كبرى لهؤلاء القوم، والسكينة إذا نزلت في القلب اطمأن الإنسان وارتاح وانشرح صدره لأوامر الشريعة وقبلها قبولًا تامًّا. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة لقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وهل يمكن أن نأخذ من هذه الآية أن التابوت عظيم وكبير؟ * طالب: يمكن. * الشيخ: يمكن؟ * طالب آخر: ليس بلازم. * الشيخ: نشوف ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ كلمة ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع، وكونه الذي يحمله الملائكة يدل على أنه كبير، وقد يقول قائل: إن المراد بالملائكة الجنس، ولا يلزم أن يكون الذين يحملونه كثرة، والعلم عند الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات إنما ينتفع بها المؤمن لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومن فوائدها أيضًا: تأكيد الشيء بأدوات التأكيد وبالتكرار، يعني أن تأكيد الشيء يكون بأدوات التأكيد ويكون بالتكرار، وهنا في هذه الآية اجتمع التكرار والأدوات، أين ذلك؟ * طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ * الشيخ: هذا واحد، وين التكرار؟ * طالب: أول الآية. * الشيخ: إيه، في أول الآية ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ فهذا أكد بالتكرار وأكد أيضًا بـ (إن)، وأيش بعد؟ * طالب: واللام. * الشيخ: بإن واللام ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان، وأن الإيمان أكبر ما يكون تأثيرًا في الانتفاع بآيات الله عز وجل لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾. وهل يؤخذ منها: أن الإنسان إذا ازداد إيمانًا بالله ازداد فهمًا لكتاب الله وسنة رسوله؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: نعم؛ لأنه سبق لنا أن الشيء إذا علق بوصف أو علق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وينقص بنقصانه، فكلما تم الإيمان كان انتفاع الإنسان بآيات الله أكثر، وفهمه لها أعظم. وربما نقول أيضًا: إنه يدل على فائدة أخرى جديدة، وهي: أن الإيمان سبب للحفظ؛ لأنه إذا كان آية فإنه إذا نُسِّيت زال كونها آية، وإذا بقيت استمر كونها آية، ولازم هذا أن يكون المؤمن سريع الفهم قوي الفهم، بطيء النسيان، وهذا سبق لنا مرات كثيرة بأن الإيمان والتقوى يزيد في العلم، في الحفظ وفي الفهم، فيكسب المعدوم ويثبِّت الموجود. هل نأخذ منه أن الملائكة أجسام؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: من أين؟ * الطلبة: من ﴿تَحْمِلُهُ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وأما قول من يقول: إنهم عقول فقط أو أنهم أرواح وليس لهم أجسام فقوله ضعيف، بل باطل؛ لأن الله يقول: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]، والنبي ﷺ رأى جبريل على خلقته أو على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سد الأفق، الله أكبر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب