الباحث القرآني

قوله عزّ وجلّ: ﴿التائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الراكِعُونَ الساجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذِهِ الأوصافُ هي مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ أنَّهُ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهُمْ، وارْتَفَعَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمّا جاءَتْ مَقْطُوعَةً في ابْتِداءِ آيَةٍ عَلى مَعْنى: هُمُ التائِبُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أقْوالُ العُلَماءِ والشَرْعِ أنَّها أوصافُ الكَمَلَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَها اللهُ تَعالى لِيَسْتَبِقَ إلَيْها أهْلُ التَوْحِيدِ حَتّى يَكُونُوا في أعْلى رُتْبَةٍ، والآيَةُ الأولى مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، يَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ المُبايَعَةِ كُلُّ مُوَحِّدٍ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا وإنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ أو بِأكْثَرِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذِهِ الأوصافُ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ، والآيَتانِ مُرْتَبِطَتانِ فَلا يَدْخُلُ في المُبايَعَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى هَذِهِ الأوصافِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللهِ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةُ، وقالَ الرَجُلُ: ألا (p-٤١٨)أحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ فَأُقاتِلَ حَتّى أقْتُلَ؟ فَقالَ الضَحّاكُ: ويْلَكَ، أيْنَ الشَرْطُ: ﴿التائِبُونَ العابِدُونَ﴾ الآيَةُ؟ وهَذا القَوْلُ تَحْرِيجٌ وتَضْيِيقٌ واللهُ أعْلَمُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، والشَهادَةُ ماحِيَةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ إلّا لِمَظالِمِ العِبادِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَحْمِلُ عَنِ الشَهِيدِ مَظالِمَ العِبادِ ويُجازِيهِمْ عنهُ، خَتَمَ اللهُ لَنا بِالحُسْنى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَفْعَ التائِبِينَ إنَّما هو عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ إلّا قَوْلَهُ: "الآمِرُونَ" فَإنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: "هُمُ الآمِرُونَ"، وهَذا حَسَنٌ إلّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَنْفَصِلُ مِن مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، وذَلِكَ قَلِقٌ فَتَأمَّلْهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "التائِبِينَ العابِدِينَ" إلى آخِرِها، ولِذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: الصِفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اتِّباعِ اللَفْظِ، والآخَرُ: النَصْبُ عَلى المَدْحِ. و"التائِبُونَ" يَعُمُّ الرُجُوعَ مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ كانَ ذَلِكَ مِن كُفْرٍ أو مَعْصِيَةٍ، والرُجُوعُ مِن حالَةٍ إلى ما هي أحْسَنُ مِنها وإنْ لَمْ تَكُنِ الأُولى شَرًّا بَلْ خَيْرًا، وهَكَذا كانَتْ تَوْبَةُ النَبِيِّ ﷺ واسْتِغْفارُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً في اليَوْمِ، والتائِبُ هو المُقْلِعُ عَنِ الذَنْبِ العازِمُ عَلى التَمادِي عَلى الإقْلاعِ النادِمُ عَلى ما سَلَفَ، والتائِبُ عن ذَنْبٍ يُسَمّى تائِبًا وإنْ قامَ عَلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِهِ فَلَيْسَ بِتائِبٍ، والتَوْبَةُ ونَقْضُها دائِبًا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ، ومَن تابَ ثُمَّ نَقَضَ ووافى عَلى النَقْضِ فَإنَّ ذُنُوبَهُ الأُولى تَبْقى عَلَيْهِ لِأنَّ تَوْبَتَهُ مِنها عَلِمَ اللهُ أنَّها مَنقُوضَةٌ، ويَحْتَمِلُ الأمْرُ غَيْرَ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ. وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: "التائِبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ الشِرْكِ. و"العابِدُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ القِيامَ بِعِبادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والتِزامَ شَرْعِهِ ومُلازَمَةَ ذَلِكَ والمُثابَرَةَ عَلَيْهِ والدَوامَ، والعابِدُ هو المُحْسِنُ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في قَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"، وبِأدْنى عِبادَةٍ يُؤَدِّيها المَرْءُ المُسْلِمُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عابِدٍ ويَحْصُلُ في أدْنى رُتْبَتِهِ، وعَلى قَدْرِ زِيادَتِهِ في العِبادَةِ يَحْصُلُ الوَصْفُ. (p-٤١٩)وَ"الحامِدُونَ" مَعْناهُ: الذاكِرُونَ لِلَّهِ بِأوصافِهِ الحُسْنى في كُلِّ حالٍ وعَلى السَرّاءِ والضَرّاءِ، وحَمْدُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ إذِ الشُكْرُ إنَّما هو عَلى النِعَمِ الخاصَّةِ بِالشاكِرِ. و"السائِحُونَ" مَعْناهُ: الصائِمُونَ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: "سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِيامُ"، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن كَلامِ النَبِيِّ ﷺ، وفي الحَدِيثِ: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيّاحِينَ مَشّائِينَ في الآفاقِ يُبَلِّغُونِي صَلاةَ أُمَّتِي عَلَيَّ"، ويُرْوى الحَدِيثُ "صَيّاحِينَ" بِالصادِّ مِنَ الصِياحِ، والسِياحَةُ في الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَيْحِ وهو الماءُ الجارِي عَلى الأرْضِ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ -وَهُوَ في كِتابِ النَقّاشِ -: ﴿السائِحُونَ﴾ هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في قُدْرَةِ اللهِ ومَلَكُوتِهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وهي مِن أفْضَلِ العِباداتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "اقْعُدْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً"، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ العُبّادِ أخَذَ القَدَحَ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ وجَعَلَ يُفَكِّرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أدْخَلْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١]، وفَكَّرْتُ كَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ وبَقِيتُ في ذَلِكَ لَيْلِي أجْمَعَ. و﴿الراكِعُونَ الساجِدُونَ﴾ هُمُ المُصَلُّونَ الصَلَواتِ الخَمْسَ، كَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ، ولَكِنْ لا يُخْتَلَفُ في أنَّ مَن يُكْثِرُ النَوافِلَ هو أدْخَلُ في الِاسْمِ وأغْرَقُ في الِاتِّصافِ. وقَوْلُهُ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ هو أمْرُ فَرْضٍ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالجُمْلَةِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الناسُ فِيهِ مَعَ التَعْيِينِ، فَأمّا وُلاةُ الأمْرِ والرُؤَساءُ فَهو (p-٤٢٠)فَرْضٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ، وأمّا سائِرُ الناسِ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِشُرُوطٍ، مِنها: ألّا تَلْحَقَهُ مَضَرَّةٌ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ يُسْمَعُ ويُعْمَلُ بِهِ ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ مَن تَحَمَّلَ بَعْدُ في ذاتِ اللهِ مَشَقَّةُ فَهو أعْظَمُ أجْرًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَهو الأمْرُ بِالإسْلامِ والنَهْيُ عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَناوَلُ هَذا وهو أحْرى أنْ يَتَناوَلَ ما دُونَهُ فَتَعْمِيمُ اللَفْظِ أولى، وأمّا هَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿والناهُونَ﴾ ولَمْ يَتَقَدَّمْ في واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ قَبْلُ، فَقِيلَ: مَعْناها الرَبْطُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ وهي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ إذْ هُما مِن غَيْرِ قَبِيلِ الصِفاتِ الأُوَلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأوَّلَ فِيما يَخُصُّ المَرْءَ، وهاتانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ووَجَبَ الرَبْطُ بَيْنَهُما لِتَلازُمِهِما وتَناسُبِهِما، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا مَعْنى لَهُ، وقِيلَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الصِفَةَ جاءَتْ ثامِنَةً في الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في أبْوابِ الجَنَّةِ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ومِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذِهِ تُعْتَرَضُ حَتّى لا يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ واوُ ثَمانِيَةٍ أنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ فَصْلَيْنِ يَعُمّانِ (p-٤٢١)بِمَجْمُوعِهِما جَمِيعَ النِساءِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ثَيِّباتٍ أبْكارًا"، فَهي فاصِلَةٌ ضَرُورَةً، وواوُ الثَمانِيَةِ قَدْ ذَكَرَها ابْنُ خالَوَيْهِ في مُناظَرَتِهِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ الأُسْتاذِ النَحْوِيِّ أبِي عَبْدِ اللهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ - وكانَ مِمَّنِ اسْتَوْطَنَ غِرْناطَةَ وأقْرَأ فِيها في مُدَّةِ ابْنِ حَبُوسٍ- أنَّهُ قالَ: "هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا إذا عَدُّوا: واحِدٌ، اثْنانِ، ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ، تِسْعَةٌ، عَشْرَةٌ، فَهَكَذا هي لُغَتُهُمْ، ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ أمْرُ ثَمانِيَةٍ أدْخَلُوا الواوَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ تَحْتَهُ إلْزامُ الشَرِيعَةِ والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى اللهُ في كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ فَنٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو لَفْظٌ عامٌّ أُمِرَ بِهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ يُبَشِّرَ أُمَّتَهُ جَمِيعًا بِالخَيْرِ مِنَ اللهِ، وقِيلَ: بَلْ هَذِهِ الألْفاظُ خاصَّةً لِمَن لَمْ (p-٤٢٢)يَغْزُ، أيْ: لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ وعْدُ المُجاهِدِينَ وفَضْلُهم أمَرَ أنْ يُبَشِّرَ سائِرَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يَغْزُ بِأنَّ الإيمانَ مُخَلِّصٌ مِنَ النارِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي التَأْنِيبَ ومَنعَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ اليَأْسِ عن إيمانِهِمْ، إمّا بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في العاصِ بْنِ وائِلٍ: "لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وإمّا بِنَصٍّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى أحَدٍ كَأبِي لَهَبٍ وغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو حَيٌّ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ -وَمَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ -: نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ احْتُضِرَ ووَعَظَهُ وقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ تَعالى"، وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ عَلى ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ النَبِيُّ ﷺ ما قالَ لِلْعَبّاسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "واللهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنكَ"، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمْ، فَلِذَلِكَ دَخَلُوا في التَأْنِيبِ والنَهْيِ. والآيَةُ -عَلى هَذا- ناسِخَةٌ لِفِعْلِ النَبِيِّ ﷺ إذْ أفْعالُهُ في حُكْمِ الشَرْعِ المُسْتَقِرِّ. وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أصْحابَهُ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، فَما رُئِيَ باكِيًا أكْثَرَ مِن يَوْمِئِذٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في (p-٤٢٣)المُنافِقِينَ: "واللهِ لِأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ ﷺ لِأبِيهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفي وُرُودِ النَهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَوْضِعُ اعْتِراضٍ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ ﷺ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، فَنَزَلَ رَفْعُ ذَلِكَ الِاعْتِراضِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ يُرِيدُ: مِن بَعْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، أيْ سُكّانُها وعَمَرَتُها، والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ وأُمِّهِ"، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ قالَ: لا، إنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَهْيِ عَنِ الصَلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هاهُنا يُرادُ بِهِ الصَلاةُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب