الباحث القرآني
قوله عزّ وجلّ:
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ عَلى تَفاهَةِ الشَيْءِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلتَّحْقِيرِ والتَعْظِيمِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ الغَرَضَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] و"النُطْفَةُ" المُشارُ إلَيْها ماءُ الرَجُلِ وماءُ المَرْأةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَّرَهُ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَقَدْرَهُ" بِتَخْفِيفِها، والمَعْنى: جَعَلَهُ بِقَدْرٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأعْضاءِ والخَلْقِ والأجَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إنْجابِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ تَعالى في إنْسانِ إنْسانٍ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُدِّيُّ: هي سَبِيلُ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ المَرْأةِ ورَحِمِها، وقالَ (p-٥٤٠)الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّ السَبِيلَ هي سَبِيلُ النَظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيَسُّرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ السَبِيلَ عامَّةً، اسْمُ الجِنْسِ في "هُدًى وضَلالٍ"، أيْ: يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا وقَوْمًا لِهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ مَعْناهُ: أمْرٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ قَبْرٌ، وفي ذَلِكَ تَكْرِيمٌ لِئَلّا يَطْرَحَ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والقابِرُ هو الَّذِي يَتَناوَلُ جَعْلَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، والمُقْبِرِ الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْرِ المَيِّتِ، ويُقَرِّرُهُ. و"أنْشَرَهُ" مَعْناهُ: أحْياهُ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ وأنْشَرَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا شاءَ﴾ يُرِيدُ: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِمَدَّةٍ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إذا شاءَ نَشَرَهُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذا أنْشَرَهُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنَّ لِلْكُفّارِ مِنَ الِاعْتِراضاتِ في هَذِهِ الأقْوالِ المَسْرُودَةِ، ونَفْيٌ مُؤَكِّدٌ لِطاعَةِ الإنْسانِ لِرَبِّهِ، وإثْباتِ أنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالعِبْرَةِ والنَظَرِ إلى طَعامِهِ والدَلِيلِ فِيهِ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم إلى أنَّ المُرادَ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عاقِبَةُ الدُنْيا، وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وتَسْتَدِيرُ رَحاها، وهَذا نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الإنْسانَ إذا أحْدَثَ فَإنَّ مَلِكًا يَأْخُذُ بِناصِيَتِهِ عِنْدَ فَراغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلى نَحْوِهِ مُوَقِّفًا لَهُ ومُعْجِبًا، فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيَنْظُرْ إلى مَطْعُوماتِهِ وكَيْفَ يُسِرُّها اللهُ تَعالى لَهُ بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا أضافَهُ عابِدٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا قِفارًا فَكَأنَّ الرَجُلَ (p-٥٤١)اسْتَخْشَنَهُ فَقالَ لَهُ: كُلْهُ فَإنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ بِهِ ويُكْمِلْهُ حَتّى سَخِرَ فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عامِلًا الماءُ والرِيحُ والشَمْسُ ثَلاثَةٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنّا صَبَبْنا" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى البَدَلِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، ورَدَّ عَلى هَذا الإعْرابِ قَوْمٌ بِأنَّ الثانِي لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ، "وَأنا" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا صَبَبْنا" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ تَفْسِيرِ الطَعامِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ، وشَقُّ الأرْضِ هو بِالنَباتِ.
و"الحُبُّ": جَمْعُ حَبَّةٍ -بِفَتْحِ الحاءِ- وهو كُلُّ ما يَتَّخِذُهُ الناسُ ويُرَبُّونَهُ كالقَمْحِ والشَعِيرِ ونَحْوِهِ، والحِبَّةُ -بِكَسْرِ الحاءِ- كُلُّ ما يَنْبُتُ مِنَ البُذُورِ ولا يَحْتَفِلُ بِهِ ولا هو بِمُتَّخِذٍ، و"القَضْبُ" قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي الفَصافِصُ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الفَصافِصَ هي لِلْبَهائِمِ، فَهي داخِلَةٌ في "الأبِ"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَضْبُ: الرَطْبَةُ، وقالَ الحَسَنُ: هو العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ، قالَ ثَعْلَبٌ: لِأنَّهُ يَقْضِبُ كُلَّ يَوْمٍ، والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ القَضْبَ هُنا هو كُلُّ ما يَقْضِبُ لِيَأْكُلهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المَطْعُومِ جُزْءٌ عَظِيمٌ، ولا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ إلّا في هَذِهِ اللَفْظَةِ.
و"الغَلَبُ" الغِلاظُ الناعِمَةُ القَوِيَّةُ، و"الحَدِيقَةُ" الشَجَرُ الَّذِي قَدْ أحْدَقَ بِجِدارٍ أو نَحْوِهِ، و"الأبُّ": المَرْعى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، وقالَ الضَحّاكُ: الأبُّ: التِبنُ، وفي اللَفْظَةِ غَرابَةٌ، وقَدْ تَوَقَّفَ في تَفْسِيرِها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكُمْ، فابْنُ آدَمَ في السَبْعَةِ المَذْكُورَةِ والأنْعامِ في الأبِّ.
{"ayahs_start":18,"ayahs":["مِنۡ أَیِّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥ","مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ","ثُمَّ ٱلسَّبِیلَ یَسَّرَهُۥ","ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ","ثُمَّ إِذَا شَاۤءَ أَنشَرَهُۥ","كَلَّا لَمَّا یَقۡضِ مَاۤ أَمَرَهُۥ","فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦۤ","أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَاۤءَ صَبࣰّا","ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقࣰّا","فَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا حَبࣰّا","وَعِنَبࣰا وَقَضۡبࣰا","وَزَیۡتُونࣰا وَنَخۡلࣰا","وَحَدَاۤىِٕقَ غُلۡبࣰا","وَفَـٰكِهَةࣰ وَأَبࣰّا","مَّتَـٰعࣰا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَـٰمِكُمۡ"],"ayah":"فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦۤ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق