الباحث القرآني
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] ﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن (p-٢٨٤)أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُؤْتى الكُفّارُ مُهُورَ نِسائِهِمُ اللاتِي هاجَرْنَ مُؤْمِناتٍ، ورَفَعَ الجُناحَ في أنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَ إتاءِ أُجُورِهِنَّ، وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِفِراقِ الكافِراتِ وأنْ لا يُمْسِكُوا بِعِصَمِهِنَّ، فَقِيلَ: الآياتُ في عابِداتِ الأوثانِ ومَن لا يَجُوزُ نِكاحُها، ابْتِداءً، وقِيلَ: هي عامَّةٌ نُسِخَ مِنها نِساءُ أهْلِ الكِتابِ.
و"العِصَمُ" جَمْعُ عِصْمَةٍ، وهي أسْبابُ الصُحْبَةِ والبَقاءِ في الزَوْجِيَّةِ، وكَذَلِكَ العِصْمَةُ في كُلِّ شَيْءٍ هي السَبَبُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "تُمْسِكُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ وتَخْفِيفِها، مِن "أمْسَكَ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، بِخِلافٍ: "وَلا تُمْسِكُوا"، مِن "مَسَّكَ" بِالشَدِّ في السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ عامِرٍ -فِي رِوايَةِ عَبْدِ الحَمِيدِ-: "وَلا تَمَسَّكُوا" بِفَتْحِ التاءِ والمِيمِ وفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَمْسِكُوا" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ مُخَفَّفَةً، ورَأيْتُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ أبا الحَسَنِ الكَرْخِيِّ يَقُولُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنَّهُ في الرِجالِ والنِساءِ، فَقُلْتُ لَهُ: النَحْوِيُّونَ لا يَرَوْنَ هَذا إلّا في النِساءِ؛ لِأنَّ "كَوافِرَ"، جَمْعُ "كافِرَةٍ"، فَقالَ: وايْشَ يَمْنَعُ مِن هَذا؟ ألَيْسَ الناسُ يَقُولُونَ: طائِفَةٌ كافِرَةٌ وقَرْيَةٌ كافِرَةٌ؟ فَبُهَتُّ، وقُلْتُ: هَذا تَأْيِيدٌ.
وأمَرَ تَعالى أنْ يَسْألَ أيْضًا الكافِرُونَ أنْ يَدْفَعُوا الصَدَقاتِ الَّتِي أعْطاها المُؤْمِنُونَ لِمَن فَرَّ مِن أزْواجِهِمْ إلى الكَفّارِ، وقَرَّرَ الحُكْمُ بِذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: نَحْنُ لا نَرْضى هَذا الحُكْمَ ولا نَلْتَزِمُهُ ولا نَدْفَعُ لِأحَدٍ صَداقًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى "وَإنْ فاتَكُمْ" الآيَةُ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْفَعُوا إلى مَن فَرَّتْ زَوْجَتُهُ فَفاتَتْ بِنَفْسِها إلى الكُفّارِ صَداقَهُ الَّذِي أنْفَقَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٨٥)رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: «خَمْسُ نِسْوَةٍ مِن نِساءِ المُهاجِرِينَ رَجَعْنَ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقْنَ بِالمُشْرِكِينَ: أُمُّ الحَكَمِ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ تَحْتَ عِياضِ بْنِ شَدّادٍ، وفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي أُمِّيَّةَ أُخْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبَدَةَ بِنْتِ عَبْدِ العَزِيزِ، كانَتْ تَحْتَ هِشامِ بْنِ العاصِ. وأمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ جَرُولَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأعْطاهُمُ النَبِيُّ ﷺ مُهُورَ نِسائِهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ.»
واخْتَلَفَ الناسُ، في أيِّ مالٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ الصَداقُ؟ فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهابٍ الزُهْرِيُّ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنَ الصَدَقاتِ الَّتِي كانَتْ تُدْفَعُ إلى الكَفّارِ بِسَبَبِ مِن هاجَرَ مِن أزْواجِهِمْ، وأرادَ اللهُ تَعالى دَفْعَها إلَيْهِمْ حِينَ لَمْ يَرْضَوْا حُكْمَهُ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعاقَبْتُمْ"، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن غَنائِمَ المَغازِي، وقالَ هَؤُلاءِ: "المُعاقَبَةُ" هي الغَزْوُ والمَغْنَمُ، وتَأوَّلُوا اللَفْظَةَ بِهَذا المَعْنى، وقالَ الزَهْراوِيُّ أيْضًا: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن أيِّ وُجُوهِ الفَيْءِ أمْكَنَ.
و"المُعاقَبَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى مُجازاةِ السُوءِ بِسُوءٍ، ولَكِنَّها بِمَعْنى: فَصِرْتُمْ مِنهم إلى الحالِ الَّتِي صارُوا إلَيْها مِنكُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يَفُوتَ إلَيْكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ، وهَكَذا هو التَعْقِيبُ عَلى الجَمَلِ والدَوابِّ، أنْ يَرْكَبَ هَذا عُقْبَةً وهَذا عُقْبَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَإنْ فاتَكم أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ"، ويُقالُ عاقَبَ الرَجُلُ صاحِبَهُ في كَذا، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَقِبِ فِعْلِ الآخَرِ، ويُقالُ: أعْقَبَ الرَجُلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قَدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ
(p-٢٨٦)وَيُقالُ: عَقَّبَ -بِشَدِّ القافِ- أيْ: أصابَ عُقْبى، والتَعْقِيبُ: غَزْوٌ إثْرَ غَزْوٍ، ويُقالُ: عَقَبَ بِتَخْفِيفِها-، ويُقالُ: عَقِبَ بِكَسْرِها-، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى يُقَرِّبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، ويَجْمَعُ ذَلِكَ قُرْبى. قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عاقَبْتُمْ" بِالتَشْدِيدِ في القافِ، وقَرَأ الأعْرَجُ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ والزَهْراوِيُّ أيْضًا: عَقَّبْتُمْ"بِفَتْحِ" القافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ النَخْعِيُّ، والزَهْرِيُّ أيْضًا: "عَقِبْتُمْ" بِكَسْرِ القافِ، وكُلُّها بِمَعْنى: غَنِمْتُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: "أعْقَبْتُمْ" بِألْفٍ مَقْطُوعَةٍ قَبْلَ العَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها قَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُها. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى إلى التَقْوى وأوجَبَها، وذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي بِها تَجِبُ التَقْوى وهي الإيمانُ بِاللهِ تَعالى والتَصْدِيقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ وعِقابِهِ وإنْعامِهِ.
{"ayah":"وَإِن فَاتَكُمۡ شَیۡءࣱ مِّنۡ أَزۡوَ ٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُوا۟ ٱلَّذِینَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَ ٰجُهُم مِّثۡلَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











