الباحث القرآني
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا". واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ.
و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ". ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ (p-١٠٢)فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَيْلِ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإدْبارَ النُجُومِ﴾:الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ.
وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٠٣):
؎ فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ.. مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
{"ayahs_start":45,"ayahs":["فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ یُلَـٰقُوا۟ یَوۡمَهُمُ ٱلَّذِی فِیهِ یُصۡعَقُونَ","یَوۡمَ لَا یُغۡنِی عَنۡهُمۡ كَیۡدُهُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا هُمۡ یُنصَرُونَ","وَإِنَّ لِلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ عَذَابࣰا دُونَ ذَ ٰلِكَ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ","وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡیُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِینَ تَقُومُ","وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ"],"ayah":"فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ یُلَـٰقُوا۟ یَوۡمَهُمُ ٱلَّذِی فِیهِ یُصۡعَقُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











