الباحث القرآني

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عن بَعْضِ ما أنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "وَأنِ احْكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْكِتابَ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "بِالحَقِّ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ والوَجْهانِ حَسَنانِ؛ ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُونِ مِن "أنُ احْكُمْ"؛ مُراعاةً لِلضَّمَّةِ في عَيْنِ الفِعْلِ المُضارِعِ؛ ويُقْرَأُ بِكَسْرِها عَلى القانُونِ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ. وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أو أعْرِضْ عنهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَهاهُ تَعالى عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ هي مُضِلَّةٌ؛ والهَوى في الأغْلَبِ إنَّما يَجِيءُ عِبارَةً عَمًّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقَدْ يَجِيءُ أحْيانًا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ رَأْيِهِ ورَأْيِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في أسْرى بَدْرٍ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأْيَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - وقَدْ قِيلَ لَهُ: ما ألَذُّ الأشْياءِ عِنْدَكَ؟ - قالَ: "حَقٌّ وافَقَ هَوًى"؛ و"اَلْهَوى"؛ مَقْصُورٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلٌ"؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْواءَ"؛ و"اَلْهَواءُ"؛ مَمْدُودٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْوِيَةٌ". ثُمَّ حَذَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مِن جِهَتِهِمْ أنْ يَفْتِنُوهُ؛ أيْ: يَصْرِفُوهُ بِامْتِحانِهِمْ؛ وابْتِلائِهِمْ؛ عن (p-١٨٧)شَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأحْكامِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَخْدَعُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالُوا لَهُ مِرارًا: اُحْكم لَنا في نازِلَةِ كَذا بِكَذا؛ نَتَّبِعْكَ عَلى دِينِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ؛ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "لا تَتَّبِعْ؛ واحْذَرْ؛ فَإنْ حَكَّمُوكَ مَعَ ذَلِكَ واسْتَقامُوا فَنِعِمّا ذَلِكَ؛ وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ..."؛ ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هَذا المَحْذُوفُ المُعادِلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَفاسِقُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْلَمْ"؛ اَلْآيَةَ؛ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِمْ؛ وقَدْ أنْجَزَهُ بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ؛ والنَضِيرِ؛ وإجْلاءِ عُمَرَ أهْلَ خَيْبَرَ؛ وفَدَكَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ وخَصَّصَ تَعالى إصابَتَهم بِبَعْضِ الذُنُوبِ؛ دُونَ كُلِّها؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما هو في الدُنْيا؛ وذُنُوبُهم فِيها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّهُمْ؛ كَشُرْبِ الخَمْرِ؛ ورِباهُمْ؛ ورِشاهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ونَوْعٌ يَتَعَدّى إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ كَمُعامَلاتِهِمْ لِلْكُفّارِ؛ وأقْوالِهِمْ في الدِينِ؛ فَهَذا النَوْعُ هو الَّذِي يُوجِدُ إلَيْهِمُ السَبِيلَ؛ وبِهِ هَلَكُوا؛ وبِهِ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ في الدُنْيا؛ فَلِذَلِكَ خَصَّصَ البَعْضَ؛ دُونَ الكُلِّ؛ وإنَّما يُعَذِّبُونَ بِالكُلِّ في الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ﴾ ؛ إشارَةٌ إلَيْهِمْ؛ لَكِنْ جاءَتِ العِبارَةُ تَعُمُّهُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ لِيَتَنَبَّهَ سِواهم مِمَّنْ كانَ عَلى فِسْقٍ؛ ونِفاقٍ؛ وتَوَلٍّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَيَرى أنَّهُ تَحْتَ الوَعِيدِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ؛ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ المِيمِ؛ عَلى إعْمالِ فِعْلٍ ما؛ يَلِي ألِفَ الِاسْتِفْهامِ؛ بَيَّنَهُ هَذا الظاهِرُ بَعْدُ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ والأعْرَجُ: "أفَحُكْمُ"؛ بِرَفْعِ المِيمِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي خَطَأٌ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ وجْهٌ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ؛ وقَدْ جاءَ في الشِعْرِ؛ قالَ أبُو النَجْمِ: ؎ قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ بِرَفْعِ "كُلُّ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَكَذا الرِوايَةُ؛ وبِها يَتِمُّ المَعْنى الصَحِيحُ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَبَرُّؤَ مِن جَمِيعِ الذَنْبِ؛ ولَوْ نَصَبَ "كُلَّ"؛ لَكانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ أنَّهُ صَنَعَ بَعْضَهُ؛ وهَذا هو حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الخَبَرِ؛ (p-١٨٨)وَهُوَ قَبِيحٌ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "يَبْغُونَهُ"؛ و"لَمْ أصْنَعْهُ"؛ وإنَّما يُحْذَفُ الضَمِيرُ كَثِيرًا مِنَ الصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ وكَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِالَّذِي أكْرَمْتَ"؛ ويُحْذَفُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ مِنَ الصِفَةِ؛ وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ قَبِيحٌ؛ كَما جاءَ في بَيْتِ أبِي النَجْمِ ؛ ويُتَّجَهُ بَيْتُهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ في صَدْرِ قَوْلِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ يَطْلُبُ الفِعْلَ؛ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَحُكْمَ"؛ والثانِي أنَّ في البَيْتِ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ؛ وذَلِكَ حَرْفُ الإطْلاقِ؛ أعْنِي الياءَ في "أصْنَعِي"؛ فَتَضْعُفُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أفَحُكْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بَعْدَهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ ولا عِوَضَ مِنَ الضَمِيرِ؛ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ - الَّتِي تَطْلُبُ الفِعْلَ؛ ويُخْتارُ مَعَها النَصْبَ؛ وإنْ لُفِظَ بِالضَمِيرِ - حاضِرَةٌ؛ وإنَّما تُتَّجَهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ يَبْغُونَ؟"؛ فَلا تَجْعَلَ "يَبْغُونَ"؛ خَبَرًا؛ بَلْ تَجْعَلَهُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ؛ ومَوْصُوفٍ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦] ؛ تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ؛ فَحَذَفَ المَوْصُوفَ؛ وأقامَ الصِفَةَ مَقامَهُ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ مَهْرانَ: "أفَحَكَمَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ والكافِ؛ والمِيمِ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ وجازَ إضافَةُ اسْمِ الجِنْسِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "مُنِعْتُ العِراقَ قَفِيزَها ودِرْهَمَها؛ ومِصْرَ أرْدَبَّها"؛ ولَهُ نَظائِرُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟"؛ إشارَةً إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ؛ ويَحْكُمُونَ بِحَسَبِهِ؛ وبِحَسَبِ الشَهَواتِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ هَذِهِ القِراءَةُ بِالمَعْنى إلى الأُولى؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "أفَحُكْمَ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَبْغُونَ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى (p-١٨٩)الخِطابِ لَهُمْ؛ أيْ؛ "قُلْ لَهُمْ"؛ وباقِي السَبْعَةِ: "يَبْغُونَ"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ ويَبْغُونَ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ؛ ويُرِيدُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا﴾ ؛ تَقْرِيرٌ: أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مِنهُ حُكْمًا - تَبارَكَ وتَعالى-؛ وحَسُنَ دُخُولُ اللامِ في قَوْلِهِ: "لِقَوْمٍ"؛ مِن حَيْثُ المَعْنى: "يَبِينُ ذَلِكَ ويَظْهَرُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب