الباحث القرآني
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللهَ واسْمَعُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾
اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى جَمِيعِ ما حَدَّ اللهُ قَبْلُ؛ مِن حَبْسِ الشاهِدَيْنِ؛ مِن بَعْدِ الصَلاةِ؛ لِلْيَمِينِ؛ ثُمَّ إنْ عُثِرَ عَلى جَوْرِهِما؛ رُدَّتِ اليَمِينَ؛ وغُرِّما؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَلاةِ؛ ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ؛ ورَدَّ اليَمِينِ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِ السُدِّيِّ أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ"؛ إنَّما هي إلى الحَبْسِ مِن بَعْدِ الصَلاةِ (p-٢٩٣)فَقَطْ؛ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ ؛ بِإزاءِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ؛ اَلْآيَةِ.
وجُمِعَ الضَمِيرِ في "يَأْتُوا"؛ و"يَخافُوا"؛ إذِ المُرادُ صِنْفٌ ونَوْعٌ مِنَ الناسِ؛ و"أو"؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ السُدِّيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "تَجِيئُنِي يا زَيْدُ أو تُسْخِطَنِي"؛ كَأنَّكَ تُرِيدُ: "وَإلّا أسْخَطْتَنِي"؛ فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ: "ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها؛ وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ"؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فالمَعْنى: "ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا؛ وأقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى وجْهِها﴾ ؛ مَعْناهُ: "عَلى جِهَتِها القَوِيمَةِ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ؛ ولا حُرِّفَتْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى؛ الَّتِي هي الِاعْتِصامُ بِاللهِ ؛ وبِالسَمْعِ لِهَذِهِ الأُمُورِ المُنْجِيَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ مِن حَيْثُ هم فاسِقُونَ؛ وإلّا فَهو تَعالى يَهْدِيهِمْ إذا تابُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ "اَلْفاسِقِينَ"؛ عامًّا؛ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن لا يَتُوبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ويَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ ؛ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ العامِلَ في "يَوْمَ"؛ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: "لا يَهْدِي"؛ وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ ورَصْفُ الآيَةِ وبَراعَتُها إنَّما هو أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنِفًا؛ والعامِلُ مُقَدَّرًا؛ إمّا: "اُذْكُرُوا"؛ وإمّا: "تَذَكَّرُوا"؛ وإمّا: "اِحْذَرُوا"؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا حَسُنَ اخْتِصارُهُ؛ لِعِلْمِ السامِعِ.
والإشارَةُ بِهَذا اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وخُصَّ الرُسُلُ بِالذِكْرِ لِأنَّهم قادَةُ الخَلْقِ؛ وفي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الخَلائِقِ؛ وهُمُ المُكَلَّمُونَ أوَّلًا.
و﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "ماذا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ؛ مِن إيمانٍ؛ أو كُفْرٍ؛ وطاعَةٍ؛ أو عِصْيانٍ؟"؛ وهَذا السُؤالُ لِلْأنْبِياءِ الرُسُلِ؛ إنَّما هو لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى الأُمَمِ؛ ويُبْتَدَأ حِسابُهم عَلى الواضِحِ المُسْتَبِينِ لِكُلِّ مَفْطُورٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -: ﴿ "لا عِلْمَ لَنا"؛﴾ فَقالَ الطَبَرِيُّ: ذَهِلُوا عَنِ الجَوابِ؛ لِهَوْلِ المَطْلَعِ؛ وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَنا مِن هَوْلٍ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وعَنِ السُدِّيِّ: نَزَلُوا مُنْزَلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ؛ فَقالُوا: لا عِلْمَ لَنا؛ ثُمَّ نَزَلُوا مُنْزَلًا آخَرَ شَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ؛ وعن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَفْزَعُونَ؛ فَيَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٢٩٤)وَضَعَّفَ بَعْضُ الناسِ هَذا المَنزَعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ؛ والأنْبِياءُ في أشَدِّ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ وحالَةِ جَوازِ الصِراطِ يَقُولُونَ: سَلِّمْ؛ سَلِّمْ؛ وحالُهم أعْظَمُ؛ وفَضْلُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْهَلَ عُقُولُهم حَتّى يَقُولُوا ما لَيْسَ بِحَقٍّ في نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْنى الآيَةِ: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمًا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا حَسَنٌ؛ كَأنَّ المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا يَكْفِي ويَنْتَهِي إلى الغايَةِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ":﴾ "ماذا عَمِلُوا بِعْدَكُمْ؟ وما أحْدَثُوا؟"؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ؛ لَكِنَّ لَفْظَةَ "أُجِبْتُمْ"؛ لا تُساعِدُ قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ إلّا عَلى كُرْهٍ؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أصْوَبُ هَذِهِ المَناحِي؛ لِأنَّهُ يُتَخَرَّجُ عَلى التَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى؛ ورَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ؛ إذْ قَوْلُهُ: ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛﴾ لا عِلْمَ عِنْدَهم في جَوابِهِ إلّا بِما شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ؛ ويَنْقُصُهم ما في قُلُوبِ المُشافِهِينَ مِن نِفاقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وكَذَلِكَ يَنْقُصُهم ما كانَ بَعْدَهم مِن أُمَّتِهِمْ؛ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى التَفْصِيلِ؛ والكَمالِ؛ فَرَأوُا التَسْلِيمَ لَهُ والخُضُوعَ لِعِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "ماذا أجَبْتُمْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
{"ayahs_start":108,"ayahs":["ذَ ٰلِكَ أَدۡنَىٰۤ أَن یَأۡتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَاۤ أَوۡ یَخَافُوۤا۟ أَن تُرَدَّ أَیۡمَـٰنُۢ بَعۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُوا۟ۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ","۞ یَوۡمَ یَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَیَقُولُ مَاذَاۤ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَا عِلۡمَ لَنَاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُیُوبِ"],"ayah":"۞ یَوۡمَ یَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَیَقُولُ مَاذَاۤ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَا عِلۡمَ لَنَاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُیُوبِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











